«طَابْ جْنَانِي»

21/04/2014 - 22:14
«طَابْ جْنَانِي»

أما مدلولها في العامية الجزائرية، فيرمز إلى «التعب»، و»الهرم»، واستنفاد الأدوار والوظائف. فقد جاءت عشية انتخابات مايو 2012، وفي أفق رئاسيات أبريل 2014، وفاهَ بها الرئيس والمرض لم ينل منه بعد. لذلك، فُهمت حينئذ على أنها إشارة إلى بداية انسحاب جيل الثورة لصالح أجيال ما بعد الاستقلال، وفتح الباب لممارسة سياسية جديدة، تُعزز التعددية، وتوطِّن التعاقب على السلطة. بيد أن لا شيء من هذا حصل، فقد حصدت «جبهة التحرير الوطني»، حزب الثورة، قرابة نصف مقاعد «مجلس الشعب» في الانتخابات التشريعية [10مايو 2012]، واستكمِلت الحلقة بفوز الرئيس بعُهدة رابعة [2014 ـ 2019]، وبين الاستحقاقين فقدت مفردة «طاب جناني» حرارتها السياسية والمعنوية، وتحولت إلى أكثر النّكَت تداولاً وسخريةً بين أبناء الجزائر.

  ما الذي يوحي به الفوز الساحق للرئيس «عبدالعزيز بوتفليقة» في اقتراع 17 أبريل 2014؟، ولماذا نكثت مُفردة «طابْ جناني» إيحاءات خطاب سطيف؟.

 يوحي فوز الرئيس «بوتفليقة» بـ 53،81 في المائة بأن جبهة التحرير الوطني مازالت الفاعل الرئيس في الجزائر، وأن فك الارتباط بين مشروعية السلطة وثقل الإرث التاريخ الوطني مازال مستعصياً وبعيدَ المنال، ويحتاج إلى تغييرات جوهرية لم تُدركها الجزائر بعد. فاستبدال «المشروعية الثورية» بـ»المشروعية الديمقراطية»، عملية شاقة ومعقدة، وتتطلب الكثير من النضج والجهد من قبل النخب والمجتمع على حدّ سواء.

 يُقنعنا الاستنتاج الثاني أن هناك تردداً وحيرةً لدى المجتمع الجزائري تجاه المستقبل، أو بلغة السياسة، حُيال البدائل السياسية المتاحة. فالوضع الذاتي لمجمل التنظيمات السياسية المعارِضة لجبهة التحرير يشكو من التشتت، والضعف، وانكماش القاعدة الاجتماعية. ويبدو أن «البديل الإسلامي» الذي بدا متصاعداً في أعقاب أزمة خريف 1988 وانتخابات 1990 ـ 1991،  فَقدَ الكثير من أرصدة قوته، والأمر نفسه ينسحب على القوى السياسية الأخرى، التي خرج جزء يسير منها من عباءة جبهة التحرير، كما هو حال تنظيم «ابن فليس»، الذي صُفِع زعيمه مرتين، الأولى في اقتراع 2004، والثانية في انتخاب 17 أبريل 2014.. يُذكر أن السيد «ابن فليس» مدين سياسياً لبوتفليقة، فله يرجع الفضل في تسويق صورته، حين ألحقه بديوانه غداة فوزه في العهدة الأولى [1999]، ليرتقي بعدها إلى وزير أول، ولاحقاً مسؤولاً رئيساً عن جبهة التحرير الوطني، قبل أن يؤسس حزباً خاصاً به، منافساً لحزب الثورة.

 يتكامل مع الاستنتاج أعلاه استنتاج آخر، مفاده أن الجسم الانتخابي الجزائري يعيش تحت ضغط شبح الحرب الأهلية، أي العُشرية السوداء التي حصدت آلاف المواطنين، وأضعفت هيبة الدولة، وجعلت شرائح واسعة تجنح إلى تفضيل سُبل السلم والاستقرار، عن أي طريق آخر، بما فيه أفق التغيير غير الواضح ولا المؤكد. صحيح أن الآلة الإعلامية الرسمية شحذت كل طاقاتها لجعل هذا الشبح حاضراً وجاثماً في أذهان الناس، ومع ذلك، مازال شبح عُرس الدم يقُضّ مضاجع أجيال واسعة من الجزائريين، ويشحذ، نظير ذلك، اقتناعهم بأن «بوتفليقة» هدية من الله لتبديد أثر هذا الشبح في نفوسهم وعقولهم.

يمكن للعُهدة الرابعة للرئيس بوتفليقة [2014 ـ 2019]، وهذا هو الاستنتاج الرابع، أن تكون رافعة لفتح الطريق أمام مرحلة سياسية جديدة في مسيرة الجزائر، وأن يكون هو شخصياً رمز الانتقال إلى هذه الحقبة الجديدة التي يتوق إليها مجمل الجزائريين، ويطمحون إلى إدراكها. فقد رفع برنامجه الانتخابي شعار: «جزائر قوية، عصرية وآمنة»، والحقيقة أنها ثلاثية متكاملة من حيث الفلسفة والأبعاد. فالقوة اليوم، هي قوة المجتمع بتماسكه، وتضامنه، وتوافق أبنائه حول أوليات العيش المشترك وقواعده، وهذا لا يتأتى ولن يتأتى إلا حين يشعر الناس أن لهم أقراناً في الحقوق والواجبات. أما العصرية، فلا تتحقق سوى باحترام الاجتهاد الخلاق، وإعمال العقل المبدِع، وهذا يستلزم بدوره قدراً كبيراً من الحرية ودرجة عالية من روح الحداثة، أما الأمن فهو محصلة وتحصيل حاصل ما سبق.. إن الرئيس «بوتفليقة» الذي فاز بنسبه ساحقة، سيثمِّن فوزه السياسي بفوز تاريخي إن هو اعتبر عهدته الرابعة مرحلة انتقالية نحو جزائر جديدة، يكون عنوانها الكبير فكّ الارتباط مع  المشروعية الثورية وإرساء أسس  المشروعية الديمقراطية.. إنه التحدي الأكبر للرئيس الفائز بعهدة رابعة في الجزائر.

شارك المقال