ودعا الصبار وحامي الدين وبلكوش والنشناش إلى إخراج المجلس الأعلى للأمن، الذي نص عليه دستور المملكة الجديد، في وقت معقول.
المجلس الأعلى للأمن إطار مؤسساتي قد يكون مفيدا لبداية تنزيل «الحكامة الأمنية» في بلاد كانت فيها أجهزة الأمن، منذ الاستقلال إلى اليوم، بعيدة عن أي مراقبة سياسية أو قانونية، لا من قبل الحكومة ولا من قبل البرلمان ولا حتى من قبل القضاء…
ماذا تعني الحكامة الأمنية اليوم في المغرب؟ معناها أن الشرطي والمخبر والدركي والجندي يجب أن يتصرفوا وفق القانون لا خارج القانون. الحكامة الأمنية معناها أن الأجهزة المكلفة بحماية أمن المواطن والبلاد ومصالحها يجب أن تخضع للمراقبة والمحاسبة من قبل الحكومة والبرلمان والقضاء، وألا تشتغل بعيدا عن أعين المؤسسات، مهما كانت المبررات التي تساق لجعل هذه الآلة تتصرف كدولة داخل الدولة والمؤسسات ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
كثيرا ما جرى تبرير انفلات الأجهزة الأمنية من أي رقابة أو خضوع للقانون بأنها أجهزة تحارب أعداء النظام، مرة يكونون يساريين وتارة يصبحون إسلاميين وثالثا يصيرون سلفيين ونقابيين وصحافيين وحقوقيين… حسب الظروف والأحوال دائما ما تجد الأجهزة الأمنية أعداء للنظام وإن لم تجدهم فهي تخترعهم..
هؤلاء الأعداء متهمون دائما بالسعي إلى قلب نظام الحكم واستهداف رموزه والتخطيط للإرهاب والتجسس لصالح الخارج والتآمر على البلاد في كل وقت وحين… وبما أن المعركة حساسة وخطيرة ومستعجلة، فإن تقيد الأجهزة الأمنية بالقوانين والمساطر وضمانات المحاكمة العدلة ومبادئ حقوق الإنسان، كل هذا يحد من فعالية الأجهزة وسرعة تحركها، وقد يعرض أمن البلاد والنظام والمؤسسات لأخطار داهمة، لهذا فإن «الضرورات تبيح المحظورات»!…
هذا هو «المنطق» الذي اشتغل به أوفقير والدليمي والعشعاشي وإدريس البصري وعلابوش ولعنيكري وبنهاشم… هؤلاء جميعا حاولوا أن يصوروا للدولة أنهم حراس أوفياء للعرش، وأنهم أهم أدواته للحكم والسيطرة والبطش، ولهذا فلا بد من إطلاق أيديهم في العمل والتحرك، فالغاية تبرر الوسيلة، من هنا ولدت العقيدة الأمنية للمملكة والتي أصبحت تلقن لجيل بعد جيل داخل المؤسسات الأمنية…
ومن مداد هذه العقيدة كتب السجل الأسود لحقوق الإنسان في المغرب على مدار عقود من الزمن، وهكذا تحولت ممارسات الأجهزة الأمنية وانتهاكاتها لحقوق الإنسان من مصدر لقوة النظام إلى أحد أهم أسباب ضعف شرعية نظام الحكم، وتلطيخ صورته في الداخل والخارج، وتعميق عزلته عن الشعب، وهو ما حاول الملك الجديد الابتعاد عنه بتنصيب هيئة الإنصاف والمصالحة، لكن بمجرد رجوع العداد إلى الصفر، بدأت الآلة ترتكب نفس الانتهاكات بأشكال جديدة، لأن الجهاز لم تُصلح والعقيدة لم تتغير..
هل كان الحسن الثاني، فعلا، يحتاج إلى جهاز قمعي لحراسة حكمه؟ هل كان يحكم المغاربة بالمخبرين والسجون السرية والمقابر الجماعية والاختطافات، أم كان يحكم بالسياسة والدهاء، والقدرة على إغراء النخب وتوظيف الدين والقيام بمبادرات كثيرة، مثل المسيرة الخضراء وسياسة السدود، ولعب دور دبلوماسي نشيط في العالم، واختيار تحالفات قوية في الخارج، وصناعة صورة حقيقية أو خادعة في مخيلة الناس عن الملك المؤيد من السماء والمحفوف بالبركة…
الحكامة الأمنية ستنزل إلى أرض الواقع عندما تصبح مطلبا ملحا للحقوقيين والمناضلين وعموم الشعب، وعندما يقتنع من يحكم أنه يحكم بالسياسة لا بالأمن.