هذا بالضبط ما تعيشه الحكومة المشكلة من خمسة أحزاب.. نعم خمسة أحزاب، وهي: العدالة والتنمية والحركة الشعبية والتجمع الوطني للأحرار والتقدم والاشتراكية والحزب الخامس هو التقنوقراط الذي له مسمار جحا في البيت الحكومي…
ماذا يجري؟
وزير التربية الوطنية والتعليم، رشيد بلمختار، وبعد أن وقع اتفاقية مع الفرنسيين لإدخال البكالوريا الفرانكفونية إلى المدارس العمومية، في سابقة لم تحدث حتى في البنين وموزمبيق، خرج أول أمس في البرلمان للرد على ملاحظات أحزاب المعارضة، وحزب العدالة والتنمية الذي تحفظ على هذه الاتفاقية. بلمختار رمى الكرة باتجاه رئيسه بنكيران، وقال إن الاتفاقية وقعت قبل مجيئه إلى الوزارة، أي في عهد محمد الوافا وتحت أنظار بنكيران. أصوات من الحزب الحاكم نفت هذه التهمة، وقالت إن الاتفاق الذي وقعه الوافا مع فرنسا كان تجريبيا، وإن بلمختار عممه على باقي المدارس قبل ظهور نتائجه. المشكلة أن هذا الحوار وهذا «الاتجاه المعاكس» كان يجب أن يتم في المجلس الحكومي لا في التلفزيون وأمام البرلمان. الوزراء يطبخون قراراتهم في المطبخ الحكومي وليس أمام الرأي العام، لكن يبدو أن القضايا الحساسة لا يتحدث فيها المجلس الحكومي الذي يضفي عليه بنكيران أجواء مرحة، ولا يحب أن يفسد أحد الجو الودي داخله، ولأن رئيس الحكومة مشغول بتسوية الأوتار الكبيرة عن الدخول في التفاصيل الصغيرة.
كشفت الانتخابات الجزئية في سيدي إفني أن التحالف الحكومي بين المصباح والحمامة والسنبلة تحالف لا يخرج عن الكيلومتر 40 في الرباط، وأن فروع الأحزاب خارج العاصمة لم يصلها خبر تحالف هذه الكائنات السياسية مع بعضها في حكومة واحدة، وأغلبية لها هوية وبرنامج وميثاق، وهكذا تحالف «ممثلو» حزب الحركة الشعبية والأحرار مع مرشح البام المعارض ضد العدالة والتنمية، حليفهم في الحكومة، وهو ما أغضب هذا الحزب الذي اتهم حليفيه بتأييد عودة التحكم إلى المشهد السياسي…
هذا ليس كل شيء، جهات في وزارة الداخلية تدخلت «لإصلاح ذات البين» بين الرفاق الأعداء في الاتحاد الاشتراكي بمناسبة أزمة الفريق، مع العلم بأن وزير الداخلية، نظريا، هو وزير في الحكومة وجزء من الأغلبية، ولا علاقة له بمشاكل المعارضة -نظريا أقول- وقيادة مجلس النواب الجديدة، نظريا، هي التي تدير أمور المجلس بموضوعية واستقلالية، ونظريا، هي من الأغلبية وليست طرفا في صراعات المعارضة، لكنها تصرفت كطرف في هذه الأزمة، وبقيت أحزاب في الأغلبية والمعارضة على اتصال بأطراف في البام كانت تتدخل من أجل نصرة طرف على آخر في صراع الزايدي ولشكر…
هل أستمر في تعداد ثقوب الدربالة الحكومية؟ أظن أن هذا يكفي، فما هو سبب العجينة الحكومية غير المتجانسة هذه؟
أولا، المسؤولية يتحملها رئيس الحكومة الذي عليه أن يضبط إيقاع الفريق، وألا يترك كل وزير يعزف بطريقته وعلى الآلة التي يحب.. هذا يصنع ضجيجا لا سيمفونية، وهذا ينفر الناس من السياسة لأنه يزرع بذور الشك في جدية العملية الديمقراطية.
ثانيا، العتب في ما يجري داخل الحكومة، من فوضى وعدم تنسيق وتضارب في المواقف وهشاشة داخلية، يقع على أحد أعطاب نظامنا السياسي والانتخابي، الذي صارت فيه الحكومات الائتلافية هي الأصل، مع أنها هي الاستثناء في كل الأنظمة الديمقراطية، أو حتى ربع الديمقراطية. لا أحد من النخب السياسية يريد مراجعة هذه البدعة التي عرفها المغرب منذ الاستقلال.. حكومات هجينة وغير منسجمة، فيها اليساري والليبرالي والإداري والديمقراطي والإسلامي والسياسي والتقنوقراطي، والمصبوغ حديثاً بلون حزب من الأحزاب، ومن لم يصبغ قط، وهكذا تظهر الحكومات مبرقعة لا تسر الناظرين. إذا كان هذا الأمر ممكنا في الحكومات السابقة التي لم تكن تخرج من صناديق الاقتراع، فإن استمرار هذا العطب اليوم مع الدستور الجديد أمر سيجعلنا نتيه بعيدا عن التحول الديمقراطي المنشود…