62 سنة فوق العرش

05/05/2014 - 18:52
62 سنة فوق العرش

العقود الستة التي قضتها الملكة في قصر بكنغهام لم تزدها إلا حبا وقربا من شعب يعتز بتقاليده العريقة، ووسط هذه التقاليد عرش بريطانيا العظمى، الذي نجح في الحفاظ على دعاماته بعد أن انهارت ملكيات كثيرة في أوربا في القرون الماضية… إذا كان الفرنسيون يكرهون الملوك ويمتعضون من البلاطات وطقوسها، لأنها تذكرهم باستبداد لويس الرابع عشر وحماقات من كانوا قبله من ملوك القرون الوسطى، فإن البريطانيين يعتزون بتاريخ عرشهم الذي استطاع أن يتصالح مع قيم الديمقراطية وحقائق التطور، وأظهر قدرة فائقة على البقاء قريبا من الشعب…

إنه العرش الذي يسود ولا يحكم، يجمع ولا يفرق، يرمز إلى الاستمرارية دون أن يتورط في الصراعات الدائرة في المجتمع على السلطة والمال. البعد عن السلطة هو أقصر الطرق إلى قلوب الشعوب.

من يستطيع أن يجلس على عرش 62 عاما، ويبقى محتفظا بكل هذا الحب والاحترام والتقدير الذي يبديه البريطانيون اليوم لملكتهم؟

جل المراقبين للحياة السياسية في بريطانيا يقولون إن الفتاة التي كانت تنقل الطعام مع والدتها إلى الجنود في الخنادق وهم يدافعون عن شرف بريطانيا أمام نيران أدولف هتلر في الأربعينيات.. الشابة التي تولت العرش وعمرها 25 سنة، نجحت في أن تتربع على قلوب الشعب قبل أن تنجح في المكوث 62 سنة في القصر.

هذا درس كبير لنخب القصور العربية الذين مازالوا يدافعون عن اتساع سلط الملوك والأمراء والشيوخ، ظنا منهم أن فائض السلطة في القصور وتحكم البلاط في كل صغيرة وكبيرة في الدولة، ضمانة قوية لاستمرار العروش ومنعها من التآكل… أبدا، هذا غير صحيح. احتكاك العروش اليومي برحى السلطة يأكل من هيبتها ومن احترامها، ويجعلها محل مساءلة دائمة من قبل شعوبها. اتساع سلطة العروش في الملكيات العربية يمنع قيام حياة سياسية تنافسية، ويعوق ميلاد أحزاب سياسية قوية وبرلمانات حية ومجتمع مدني يلعب دور السلطة المضادة لسلطة الدولة.

الربيع العربي، الذي داهم الخريطة العربية قبل 3 سنوات، جرس إنذار للملكيات العربية التي لا تريد أن تتغير. صحيح أن رياح هذا الربيع مست جمهوريات الموز العربية أكثر من الملكيات التي أبدى بعضها مرونة في التجاوب مع موجة التغيير أكثر من الجمهوريات التي نخرها الفساد والاستبداد، لكن هذا لا يعني أن الملكيات تمتلك ترياقا مضادا للاحتجاجات…

الديمقراطية يمكن أن تعيش مع الملكيات البرلمانية كما الجمهوريات، لا فرق، بالعكس الملكيات اليوم، وبفضل ما توفره من استقرار ومن استمرارية الدولة الهشة في عالمنا العربي، يمكن أن تساهم أكثر من الجمهوريات في المرور السلس نحو الديمقراطية. بريطانيا وملكيات أوربا تعطي الدليل على ذلك، لكن هذا رهين بنضج النخب السياسية، واستعداد الملكيات للتحول دون انتظار ثورات واضطرابات. إننا بحاجة في العالم العربي إلى ملك مثل خوان كارلوس، الذي عرض عليه أتباع فرانكو أن يكون ملكا يسود ويحكم، فاعتذر وقال: «إن زمن الملوك على هذا الطراز قد انقضى.. أنا لست لها»…

شارك المقال