مدن الغد.. حلم أم كابوس؟

14/05/2014 - 17:58
مدن الغد.. حلم أم كابوس؟

 المشروع سيكلف حوالي 18 مليار درهم، وهدفه الكبير جعل الرباط مكانا جيدا للعيش من خلال تطوير مشاريع سياحية وبنيات تحتية وفضاءات ثقافية وبيئية…

من سيمول هذا المشروع؟ أكثر من جهة.. ميزانية الدولة، الميزانية الجماعية، صناديق استثمارية خليجية، وأبناك مغربية ستقدم قروضا لشركة مجهولة الاسم خلقتها الدولة لهذا الغرض…

الذي تابع توقيع الاتفاقيات التي تؤطر هذا المشروع الضخم سيرى أن الذين يمسكون بالملف هم: وزير الداخلية، ووالي الرباط، ثم الحكومة، ويأتي في آخر الصف ممثلو السكان يتقدمهم فتح الله والعلو (والصحيح أنه يتأخرهم). 

هذا المشروع الكبير ومشاريع أخرى كان من المفروض أن يضعها ممثلو السكان (جيش المنتخبين)، وأن يكون هذا المشروع وأمثاله ضمن برامج الأحزاب السياسية التي تتقدم إلى الانتخابات الجماعية وتعد المواطنين بالجنة فوق الأرض!

لكن الأحزاب لا تفكر في مثل هذه المشاريع، وإذا فكرت فهي لا تستطيع. الأحزاب ومستشاروها غارقون في موضوعات أهم، مثل: من يبسط يده على لجن التعمير ودعم الجمعيات والتدبير المفوض والصفاقات العمومية. هناك رؤساء جماعات مستعدون لبيع الذي أمامهم وخلفهم فقط ليدخلوا إلى لجان الرخص الاستثنائية، وأن يساهموا في وضع مخططات التعمير التي تغني وتفقر…

من الآن إلى 30 سنة مقبلة سيصير ثلثا المغاربة سكان مدن (الآن أكثر من نصف المغاربة يعيشون في المدن). هذا معناه أن البلاد التي عاشت قرونا في البادية ستصبح ساكنة مدينية، وهذا معناه أن المدن التي لا تهيئ نفسها لاستقبال ملايين السكان وإدماجهم ستتحول إلى بور توتر كبيرة، وساحات حرب حقيقية، وربما مصادر عدم استقرار خطيرة بخصوص الموارد والطاقة والشغل والبيئة والنقل والقيم ثم الحكم… 

لقد فشلنا في سياسة النهوض بالعالم القروي ظنا منا أننا نستطيع أن نبقي المغاربة قرب الأرض والماشية والشجرة، وهذا غير ممكن إطلاقا. كل الدول تتحول، يوما بعد آخر، إلى دول مدن. القرى ستبقى موجودة ولكن بين أيدي قلة من السكان، لأن الأرض لم تعد هي المصدر الأول للثروة والقيمة المضافة.. صارت الصناعة والتجارة والخدمات والمادة الرمادية هي التي تخلق الثروة ( انظروا من يكون أغنى رجل في العالم.. إنه بيل غيتس الذي يبيع البرمجيات غير المرئية لحواسيبنا).

بأي نموذج في الإدارة سنواجه انفجارا ديمغرافيا قادما، لا محالة، إلى مدننا؟ بأي نمط في الإدارة والحكامة والتدبير سنوزع الماء والكهرباء والطعام وفرص الشغل ومقاعد الدراسة وحافلات النقل وشقق السكن والأمن والاتصالات والمساحات الخضراء؟ 

النموذج الحالي الذي ندبر به المدن فاشل، والأرقام أمامنا، والمعطيات أمامنا، والدمار أمامنا. هذا النموذج الذي تشكل فيه وزارة الداخلية رأس حربة في إدارة الشأن المحلي، ويساعدها ممثلون للسكان لا يمثلون شيئا، نموذج فاشل. 

وزارة الداخلية وظيفتها الأمن لا التنمية، وعندما تريد أن تصنع الأمرين فهي تفشل فيهما معا. المدن يجب أن تدار بطريقة تجمع بين الهيكل الإداري العصري الذي يشبه الشركة، والذي يديره المتخصصون في إدارة المدن الحديثة، كالتقنوقراط الذين لديهم إمكانات متطورة وأجور كبيرة وإطار قانوني واضح، ووسط هذا الإطار هناك الروح الديمقراطية التي تعطي الشرعية لمن يختارهم السكان في انتخابات شفافة وعقلانية. وظيفة هؤلاء هي الاختيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمدن وترك الإدارة والتسيير للخبرة وللخبراء…

هذا النموذج يفترض شيئين: أولا، وجود إرادة سياسية لدى الدولة.. إرادة تنهي حكاية من مع ومن ضد المخزن في كل مدينة. سقف الدولة يجب أن يكون على مسافة بين رؤوس كل المغاربة، لهذا لا بد من تحرير شؤون السكان من الهواجس السياسية في العاصمة. ثانيا، الإصلاح يفترض نخبة حزبية عصرية وكفأة ونزيهة، نستطيع أن نستأمنها على مستقبل أبنائنا، بعدها يجب على الدولة المركزية أن تنسحب للاهتمام بالأمن الداخلي والخارجي والدبلوماسية والتوجهات الكبرى للدولة، لا أن تغرق في مستنقع المدن ومشاكلها…

هذا حلم.. نعم، لكن بغيره سنكون إزاء كابوس، وهو ليس بعيدا، كما يظن الغافلون…

شارك المقال