المنوَّعات والأخبار

19 يونيو 2014 - 23:51

 قد يقال إن الأمر في غاية البساطة، فإذا كان الاغتيال سياسيا، فإننا أمام خبر، وإن لم يكن كذلك، فهو ضمن المنوَّعات. واضح أن هذا الجواب لن يكون مقنعا إلا لمن يعرف حدود السياسة، ويدرك بالضبط أين يتوقف مفعولها. 

هل نقول إذن إن نسبة الأخبار إلى المنوعات كنسبة الكليّ إلى الجزئيّ، أو كنسبة ما يُصنَّف ضمن خانات معروفة إلى ما لا يدخل في أيّ تصنيف؟

إلا أننا لا نستطيع أن ننكر، على رغم ذلك، أن المنوعات تتمخض هي كذلك عن تصنيفات، فهي دائما وليدة انتقاء. إنها، من بين ما لانهاية له من الحوادث، ما يبدو أكثر إثارة وأقدر على مخاطبة القلوب ودغدغة العواطف، وإثارة المشاعر، وإذكاء حدة الفضول.

محاولة لإيجاد جواب مقنع، يحل محل هذه الأجوبة التي تفترض تصنيفات جاهزة، يعود بنا «بيير بورديو» إلى مفعول كل من الطرفين على المتلقي، فيرى أن المتنوعات LES FAITS DIVERS هي التي تجعلنا نلهو «فنذهل عن المقاصد QUI FAIT DIVERSION » ونخرج عن المعتاد، فنبتعد عن هموم السياسة، وننشغل عن علائق السلطة.

من هذا المنظور الوظيفي ذاته يرى آخرون أن المتنوعات هي أحداث تُنتقى لكونها فريدة من نوعها، ولأنها «تخرج عن المعتاد». المنوعة حادثة ليست ككل الحوادث. صحيح أنها قد لا تتمخض عن نتائج ولا تشرط ما بعدها، إلا أن لها ما يميّزها في حدّ ذاتها ويخرجها عن المألوف، فهي تحظى بالعناية لفرادتها، وليس لدخولها في مسلسل علل ومعلولات.

غير أن هناك من يذهب إلى أن المنوعة، حتى وإن لم تكن تبدو مصدر أحداث تترتب عنها، فإنها تظل علامة وعرضا من الأعراض التي تسمح لنا بأن نشخص حالة المجتمع، ومن هذه الناحية فهي نوع من الإخبار، ليس عن الأحداث الجارية فحسب، بل عن «واقع الحال».

يعتقد رولان بارث أن كل هذه المحاولات التي تسعى لأن تميز المنوعة عن الخبر من خلال رؤية تقف عند خصائص الحادث في حد ذاته، قد لا تؤدي إلى نتيجة مقنعة، ولا تفسر الانتشار الكبير لما أصبح يسمى صحافة المتنوعات. لذا فهو يرى أن علينا ألا نولي اهتمامنا للحادث، وإنما للكيفية التي نتحدث بها عنه، والصيغة التي نرويه بها. لذا فهو يميز الخبر عن المنوعة بكون الخبر يجد تفسيره خارجا عنه، في ما تقدَّمه وما سيتلوه. يكون الحادث موضع إخبار إن كان يحيل إلى وضعية خارجه هي التي تعطيه تفسيره. إنه لا يكون خبرا إلا نسبة لمعرفة سياسية سابقة.

إلا أننا لو تساءلنا عند من تتوافر هذه المعرفة السياسية السابقة؟ فقد يقال لنا عند مهنيي الصحافة، فهم الذين يسهرون، ليس على نقل الأخبار فحسب، وإنما أيضا على تصنيفها وانتقائها، والتمييز فيها بين الأخبار وبين مجرد «المنوعات»، إلى حد أن منهم من يفصل فصلا «مكانيا» الأخبار عن المتنوعات، فيخصص جرائد أو صفحات لهذه وأخرى لتلك.

ربما كان هذا النوع من الجواب مقنعا حتى وقت قريب. أما اليوم، فإن تدخّل المواقع الاجتماعية أصبح قادرا على أن يجعل بعض المتنوعات ترقى إلى مستوى الخبر، بل إنها قد تطغى على الأخبار فتحجبها وتحتل مكانها.

عن «الـدوحة»

شارك المقال

شارك برأيك
التالي