الصناعة غائبة في المغرب

27 يونيو 2014 - 22:02

 وأن يعيد ترتيب التفكير في صناعة غائبة هي صناعة المستقبل، وتأمل أوضاع البيت المشترك بين المغاربة، وهو البلد، المغرب، الوطن…

ما هي أولويات المغرب اليوم؟ وما هي التحديات الموضوعة على كتفه؟ وهل هناك من يمسك البوصلة ويوجه الأحداث والسياسات والقرارات والتفكير نحو المستقبل، أم إن الجميع مستغرق في تدبير الراهن بعقلية «يوم بيوم» ولكل حادث حديث…

أعرض هنا قائمة أولويات أرى أننا نبتعد عنها يوما بعد آخر، بقصد وبدون قصد، وهذا ترتيبها:

أولا: أولويتنا الأولى أن نربح في هذه المرحلة تذكرة الدخول إلى نادي الديمقراطيات الناشئة، وأن نخرج نهائيا من معسكر الأنظمة السلطوية، التي تعتمد واجهة ديمقراطية وعمقا استبداديا يتكيف مع الضغوط والأحوال ثم يرجع إلى طبيعته المنغلقة في أول فرصة تتاح له… دخول نادي الديمقراطية ليس سهلا، ولا يمكن أن نمارس إزاءه لعبة رجل هنا ورجل هناك. هذه حيلة لم تعد تنطلي على أحد…. هناك دستور وهناك حكومة وبرلمان ومؤسسات وصحافة ومجتمع مدني، لكن هذه المؤسسات لا تعزف لحنا واحدا، وهناك ضمنها من لايزال يحلم بالرجوع إلى صيغة الحكم ما قبل 20 فبراير 2011، حتى دون أن يعلن ذلك صراحة…

ثانيا: البلاد تحتاج دون تأخر إلى إصلاح ثلاث مؤسسات: المدرسة والمحكمة والمستشفى.. كل تأخر في إصلاح المؤسسات الثلاث نؤدي مقابله نحن وأبناؤنا، وربما أحفادنا، ثمنا باهظا. تنتج المدرسة اليوم الجهل والأمية والبطالة والعاهات المستديمة. وتنتج المحكمة الظلم والاستبداد وعدم الإحساس بالأمان لدى المواطن، حيث صارت المحكمة مخوصصة يتحكم فيها من يملك المال أو النفوذ، وإذا افتح أحد فمه فهناك أحجار كثيرة لرجمه وإرهابه… أما المستشفى فإن عورته كبيرة، فالدولة غير قادرة على تقديم خدمة عمومية مقبولة للفقراء، أما متوسطو الحال والأغنياء، فإنهم يتدبرون أمور صحتهم في داخل المغرب أو خارجه… في هذا الورش الثلاثي هناك نوايا طيبة وخطاب للإصلاح، لكن ليست هناك خطط عملية وإرادة قوية وعزم لا يلين لمقاومة أعداء الإصلاح… ولم تعط صفة التوافق التي تشتغل بها الحكومة نتائج ملموسة إلى الآن…

ثالثا: تعيش البلاد هشاشة اجتماعية خطيرة، إذ تتسع خريطة الفقر والتعاسة والتهميش يوما بعد آخر. في البلاد ناطحات سحاب وسيارات «آخر موديل» ومؤسسات بنكية ومركبات تجارية ويخوت تخطف الأبصار، كل هذه المظاهر الحديثة تتعايش مع قرى بلا ماء ولا كهرباء ولا طريق من القرون الوسطى، ودواب مازالت تستعمل لنقل البشر في ضواحي البيضاء، وليس فقط في البوادي والقرى المعزولة… التفاوتات الطبقية الموجودة بين فئات كثيرة تجعل التعايش بينها من معجزات هذه البلاد… التضامن ليس شعارا لتأثيث الحملات الدعائية.. هو سياسة يومية وقرارات صعبة، واستعداد للتضحية من أجل إنقاذ التعايش الممكن في هذه البلاد… الفقر والتهميش والحكرة كلها بيئة حاضنة للتطرف والإجرام والإرهاب بكل صوره وألوانه… وهذه هي الوصفة النموذجية لضرب الاستقرار عاجلا أم آجلا.

رابعا: مشروع التنمية الغائب هو أحد أعطابنا المغربية. الحكومة تتحدث من الصباح إلى المساء فقط عن تقليص نسبة العجز في الميزانية، وتخفيض كلفة المقاصة، والبحث عن قروض من الخارج لسد الخصاص في بلاد تنفق أكثر مما تربح وتأكل مما لا تزرع وتلبس مما لا تنسج وتركب مما لا تصنع… كل هذا يسمى «الترقيع» ولا علاقة له بمشروع تنمية اقتصادية واجتماعية وسياسية شامل وجذري ينقل البلاد من حالة إلى حالة.. من الندرة إلى الوفرة، تماما مثل مريض في حالة حرجة، فإن الإسعافات الأولية ضرورية بالنسبة إليه لكنها ليست هي العلاج الشافي لمصاب في حالة خطيرة.

شارك المقال

شارك برأيك
التالي