مؤشرات مقلقة 

30 يونيو 2014 - 17:21

هل الدستور المتقدم الذي وضع في 2011 بدأ يعطي ثماره في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية أم لا؟ هل الحكومة شبه الملتحية وقيادتها القادمة من المعارضة ومن وسط الشعب تطبق برنامجها المتمثل في شعار محاربة الفساد والاستبداد أم لا؟

هناك مؤشرات عدة تدعو إلى القلق من أن الربيع المغربي كان سحابة صيف سرعان ما مرت ولم تترك وراءها سوى ذكريات وأحلام جميلة… هنا أستعرض بقوة بعض المؤشرات المقلقة، ولأننا في الصحافة نتحدث عن القطارات التي تصل متأخرة لا تلك التي تصل في موعدها، فإني أترك لوزير الاتصال في الحكومة الحديث عن المؤشرات التي تبعث على الارتياح، فهذه هي مهمته…

– رفضت وزارة الداخلية منح وصل الإيداع القانوني لجمعية «الحرية الآن»، التي تأسست قبل أشهر للدفاع عن الصحافة والصحافيين وحرية التعبير، ولم تبرر الوزارة سبب خرقها ظهير 58 المنظم للحريات والدستور، الذي نص في أكثر من مادة على الحق في التعبير والتنظيم والانتماء إلى الأحزاب والنقابات والجمعيات. ويتم هذا المنع السلطوي في الوقت نفسه الذي انتهت فيه الحكومة من وضع خلاصات الحوار حول المجتمع المدني والأدوار الدستورية الجديدة، فمن نصدق.. الأوراق أم الواقع على الأرض؟

– المحاكمات غير العادلة في القضاء تسير بالتوازي مع الحديث عن إصلاح منظومة العدالة، ولا يشعر المعنيون بأن هناك تناقضا بين مشروع إصلاح العدالة وبين واقع العدالة «المائل»، وهو ما يتجسد في محاكمة شباب 6 أبريل بتهم مضحكة، مثل التظاهر غير المرخص له، مع أن الشباب اعتقلوا من وسط تظاهرة عمالية مرخص لها نقلها التلفزيون الرسمي، وشارك فيها الآلاف من المأجورين والموظفين، وعندما شعر الجميع بهذا المأزق، وحينما ضغطت المنظمات الحقوقية المغربية والأجنبية، متع المحكومون بسنة حبسا في المرحلة الابتدائية بالسراح المؤقت في المرحلة الاستئنافية (وافهم شي حاجة.. النيابة العامة كانت في المرحلة الابتدائية ترفض طلبات السراح والمحكمة تسايرها، وفي المرحلة الاستئنافية لم تعترض النيابة العامة على تمتيع المعتقلين بالسراح المؤقت فسايرتها المحكمة!). 

– مشروع القانون التنظيمي الخاص بالجهوية، الذي سلمته وزارة الداخلية إلى زعماء الأحزاب الأسبوع الماضي، كشف أن كل الحديث الذي دار عن جهوية متقدمة، وعن تفكيك المركزية، وإزالة وصاية الولاة والعمال على المجالس المنتخبة، اتضح أن كل هذا كان مجرد حمل كاذب.. المشروع الذي بين أيدينا هو فقط إعادة انتشار لسلطة الداخلية على شؤون الجماعات والجهات، وصارت الرقابة مقنعة بعد أن كانت مفضوحة.. إنه مستوى ثان من اللامركزية، ولا علاقة للأمر بالجهوية الموسعة أو المتقدمة. الذين كانوا يحلمون بجيل جديد من الإصلاحات الديمقراطية من باب التنظيم الجهوي عليهم أن يستيقظوا.. لا شيء من هذا في الأفق. الدولة لا يمكن أن تعطيكم دستورا متقدما وجهوية متقدمة في الآن نفسه.. هذا جشع غير مقبول، خصوصا أن الربيع العربي انقلب إلى خريف، ورجع الشباب إلى دوامة الحياة ومشاكلها، ولم يعد يخرج إلى الشارع للضغط على السلطة من أجل الإصلاح.

– رفضت وزارة المالية بشراسة تعديلا قانونيا تقدم به نواب الأمة في الغرفة الأولى، يقضي بالتنصيص في القانون التنظيمي للمالية على بند يسمح للمجلس التشريعي بمراقبة صرف الحسابات الخصوصية، خاصة حساب الميزانية، وعوض أن تتدخل الحكومة لإقناع وزيرها في المالية بأن هذا التعديل لا ضرر من ورائه، وأن مقتضيات الشفافية والنزاهة والحكامة تستوجب الإفصاح عن طرق صرف المليارات، عمدت الحكومة، حتى لا تغضب الدولة العميقة، إلى الدخول في مساومات على مبادئ دستورية وقانونية.

أستطيع أن أسرد عشرات المؤشرات المقلقة عن أن البلاد لا تتحرك على سكة تحول ديمقراطي حقيقي، وأن هناك خطوة إلى الأمام لكن هناك خطوات إلى الوراء…

سيقول بنكيران إن الإصلاح أمر معقد، وإن فيه صعودا ونزولا، وإنه إلى جانب المؤشرات المقلقة هناك أخرى مطمئنة. وهذا أمر لا يخلو من وجاهة، لكن السؤال هو: كم هي المؤشرات المقلقة مقارنة بالمطمئنة؟ وما هي الضمانات على أن المطمئن فيها لن يختفي بعد مدة قليلة؟ ماذا بقي من تجربة التناوب مع عبد الرحمان اليوسفي، فبعد انتهاء التجربة في سنة 2003 رجعنا سنوات إلى الوراء.. رجع حزب الدولة إلى الواجهة، وضعفت الأحزاب السياسية، وولدت الملكية التنفيذية، وكُسرت أقلام الصحافة الحرة، وامتلأت السجون بالمعتقلين السياسيين، وكان حزب العدالة والتنمية قاب قوسين أو أدنى من الحل. كل هذا جاء بعد تناوب الشجعان… الذي ينسى التاريخ يضطر إلى ارتكاب الأخطاء نفسها، هكذا قال ماركس في يوم من الأيام.

شارك المقال

شارك برأيك
التالي