ولا يلعب القضاء في بلاد الثورة الفرنسية لعبة السياسيين، ولا يسمح لنفسه بأن يكون أداة في يد رئيس أو حزب أو سلطة أو مال.. داخله تقاليد وأعراف وقيم وقامات ورجال ونساء يحترمون شرف البذلة، ويحرسون ضمير العدالة، ويقتصون من القوي قبل الضعيف…
سقط الثعلب ساركوزي في حبل ألاعيبه، أمس، وهو يدخل إلى كوميسارية نانتير قرب باريس في حالة اعتقال من أجل التحقيق معه في تهم فساد ثقيلة، واستغلال نفوذ ووعد برشوة قضاة… وهو ما وضع عمليا نقطة نهاية لمساره السياسي المثير للجدل، ودق آخر مسمار في نعش طموحه إلى العودة إلى قيادة حزبه، الاتحاد من أجل حركة شعبية، والترشح للرئاسة ثانية كما كان يخطط قبل الفضيحة…
رئيس فرنسا السابق وراء القضبان، وهذه بداية قصة هذا الصيف…
قبل أشهر وضع ساركوزي تحت التنصت من قبل قاضي التحقيق الذي يبحث في تهم عدة وجهت إلى الرئيس الفرنسي السابق، منها الحصول على تمويل غير قانوني لحملته الانتخابية من السيدة العجوز ليليان بيتنكور، صاحبة مجموعة «لوريال» المتخصصة في أدوات التجميل، كما فتح القضاء ملف احتمال حصول ساركوزي على أموال لحملته الانتخابية من خزائن الديكتاتور معمر القذافي قبل الإطاحة به سنة 2012.
تحرك التحقيق، ومعه تحركت آلة ساركوزي الإعلامية والسياسية وجيش من المحامين، على رأسهم صديقه تييري هرزوغ، المعتقل هو الآخر رهن التحقيق. يقول الساخر الفرنسي كولوش: «هناك طريقتان لربح قضية في المحكمة؛ الأولى هي أن تختار محاميا يعرف القانون جيدا، والثانية أن تختار محاميا يعرف القاضي جيدا». اختار ساركوزي، حسب ملف الاتهام، الطريق الثاني، وكلف صديقه المحامي بربط الاتصال بقاضيين في النيابة العامة، هما جيلبير إزيير وباتريك ساسوست، ثم محاولة الوصول إلى قاض كبير، ووعده بمناصب ومسؤوليات كبرى إن هو تعاون مع الثعلب ساركوزي للخروج سالما من هذه القضية. بدأت الخطة، أولا، بكشف أسرار التحقيق من أجل إفشاله، وأولى الخطوات هي إخبار ساركوزي بأن هاتفه موضوع تحت التنصت القانوني، وذلك حتى يأخذ كل احتياطاته، ولا يسمح للسانه بفضحه، ثم المسارعة إلى معالجة الملفات والأسرار حتى لا يصل التحقيق إلى شيء من الملفات السوداء لساركوزي…
الآن يسعى المحققون الفرنسيون إلى التثبت مما إذا كان الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، قد سعى، بدعم من تييري هرزوغ، المعتقل رهن التحقيق رفقة قاضيين كبيرين في النيابة العامة، من أجل الحصول على معلومات من قاض كبير، حول تحقيق يطال ساركوزي، مقابل وعده بمنح هذا القاضي منصباً مرموقاً، كما يتقصى المحققون، في إطار تحقيق قضائي فتحته النيابة العامة الوطنية المالية في 26 فبراير، لمعرفة ما إذا كان ساركوزي قد بُلغ بوضعه تحت التنصت.
سيتابع العالم مجريات التحقيق لكن الذين يعيشون في بلدان ديمقراطية سيعتبرون الأمر مثيرا لكنه ليس غريبا، فالقضاء في المجتمعات الديمقراطية مستقل، ولا يدقق في الهويات والنفوذ والثروة والمكانة والألقاب قبل أن يباشر عمله. العدالة في هذا العالم الغربي المتطور عمياء لا تميز بين المواطنين، لكن في البلاد المتخلفة، التي مازال فيها القضاء مجرد مرفق من مرافق السلطة تستعمله متى أرادت وتبطل مفعوله متى شاءت.. سكان هذا العالم سيتابعون محاكمة ساركوزي وكأنها فيلم من أفلام الخيال العلمي، وسيفركون عيونهم، ويمسحون آذانهم عند كل نشرة أخبار تعرض وقائع المحاكمة وتطوراتها…