وهي فرصة مناسبة لإطلاق حوار ونقاش سياسي واقتصادي واجتماعي حول ما تحقق وما لم يتحقق في سنتين ونصف من عمر هذه الحكومة التي جاءت على ظهر الربيع العربي وفي أعقاب دستور جديد، ووسط آمال عريضة في إصلاح البيت المغربي من الداخل دون الدخول في مغامرة لهدمه، وهو ما يعرف بشعار الإصلاح في ظل الاستقرار…
بنكيران، هذا الوافد الجديد على السلطة، قضى اليوم سنتين ونصف في ثاني مركز للسلطة في المملكة، في الوقت الذي كان هو وحزبه «منبوذين» من قبل «المخزن» الذي كان ينظر بريبة إلى هؤلاء الإسلاميين القادمين من الأوساط الشعبية على متن قارب الدين…
إذا لم نضع هذه الحقيقة في الحسبان فلن نفهم الكثير من قرارات وخطب وتصريحات عبد الإله بنكيران، الذي قاد حزبه إلى رئاسة الحكومة من أجل تحقيق أهداف كثيرة على رأسها التطبيع مع الدولة، وإزالة الشكوك التي كانت لدى القصر إزاء الإسلاميين، والسعي إلى إدماج هؤلاء نهائيا في الحياة السياسية، الباقي تفاصيل مازال الوقت لم يحن لتحقيقها…
كيف سيحقق بنكيران ورفيقه عبد الله باها هذا الهدف الكبير في نظرهما؟ أي التطبيع الكامل مع الدولة، والقبول النهائي بالإسلاميين كرقم في المعادلة؟ الطريقة التي اختاراها هي اعتماد آلية التعاون مع القصر عوض الصراع معه حول الصلاحيات والسياسات والرموز والطقوس، وهو ما يلخصه بنكيران في شعار: «الملك رئيسي المباشر، والذي يريد مني أن أدخل في صراع معه عليه أن يبحث له عن رئيس حكومة آخر».
هذا معناه أن بنكيران يعيد قراءة موقع رئيس الحكومة في الدستور ويخرجه من طابع الشراكة إلى طابع الخدمة.
بنكيران ليس مهموما بالتطبيق الحرفي للدستور ولهذا لا يعتمد على هذه الوثيقة لرسم حدود الصلاحيات والاختصاصات بينه وبين الملك، بنكيران يعتمد على دستور آخر غير مكتوب وضعه رئيس الحكومة مع آخرين لإدارة هذه المرحلة بالتوافق والتعاون والتنازلات المشتركة… إلى الآن ورغم الصعوبات الكبيرة في إدارة المرحلة، كما يعترف بذلك رئيس الحكومة نفسه، فإن الأمور تمشي، وفي الوقت الذي خرج الإسلاميون من السلطة بطريقة عنيفة في مصر وبطريقة هادئة في تونس، مازال إسلاميو المغرب في الحكومة.. نعم جرى تقليم أظافرهم في التعديل الحكومي الأخير، وتشذيب لحاهم لتتوافق مع ميزان القوى الجديد، لكنهم مازالوا في الحكومة، وهذا إنجاز كبير في نظر بنكيران وباها…
إذن، أول المستفيدين من حصيلة الحكومة إلى الآن هما: القصر، الذي احتفظ بحرية المبادرة الاستراتيجية في الحقل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإعلامي، ولم يضطر إلى اقتسام كل السلط وفق «التأويل الديمقراطي للدستور»، لأن الحكومة تنازلت «طوعا» عن أجزاء من صلاحياتها. بالعكس، ربحت الدولة الاستقرار، من جهة، وإصلاحات مهمة في المالية العمومية كانت جد مكلفة اجتماعيا، خاصة على جيوب الطبقات المتوسطة. ربحت الدولة إصلاحات كبيرة بتكلفة صغيرة، الرابح الثاني هو حزب العدالة والتنمية الذي استطاع أن يحتفظ بجزء من السلطة في ظل تحول الربيع الديمقراطي إلى خريف سلطوي في العالم العربي، ثم نجح، إن لم نقل في تطبيع كلي ونهائي، فعل الأقل في تطبيع جزئي، ومعرفة بآليات اشتغال النظام، علاوة على توسيع قاعدته الحزبية وحضوره السياسي والإعلامي في المجتمع وفي البادية خاصة، حيث كان غائبا كليا هناك. غدا نرى ماذا ربح المغاربة وماذا خسروا مع هذه الحكومة.