كشفت خلاصات نتائج دراسة ميدانية أنجزها مجلس النواب حول « القيم وتفعيلها المؤسسي، تغيرات وانتظارات لدى المغاربة »، أن التوافق الذي كان موجودا منذ أربعة أو خمسة عقود تقريبا بين القيم والبنيات العائلية والاجتماعية بالمغرب أضحى في سياق سيرورات التغير الجارية، يشهد درجات غير مسبوقة من التفكك والتراجع.
وأوضحت دراسة مجلس النواب التي شملت إصدار تقارير عدة، أنه على الرغم من أن الأفراد ما زالوا يثمنون التضامن العائلي عاليا، ويبدون اقتناعهم بفوائده وإيجابياته، فإنهم لم يعودوا يجدون البنيات الرئيسية المساعدة على تفعيله وبالدرجة التي كان عليها سابقا.
وأقرت الدراسة، أن التساكن بين الأطفال والآباء، قد قل وتراجع، وخلقت الهجرة في بعض الحالات مسافات بعيدة بينهم، وتزايدت نسب الأسر النووية، وتراجع تبادل الزيارات أمام توسع تكنولوجيات الاتصال الجديدة.
وانطلاقا من هذا التطور يبدو من المشروع وفقا لدراسة مجلس النواب، طرح التساؤل التالي: في أفق تزايد الطموح نحو الفردانية، وتراجع التبعية المتبادلة بين الأطفال والآباء، أي نوع من القيم الجديدة سيصير لها المجتمع المغربي، على المدى القريب والمتوسط، مسندا وموجها لهذه العلاقة؟
وبالرغم من تغير العلاقات الأسرية، ترى الدراسة بأنه ما زالت هنالك أسر عديدة تعيش توترا داخليا بين النزوع نحو الإستقلالية الذاتية والحوار والتفاهم، واستمرار علاقات التبعية والطاعة، وبحدة غير مسبوقة، تختار العديد من الأسر التوتر، بل التصادم، بين قيمة التضامن والفردانية المتزايدة.
وترى الدراسة ذاتها، أنه بينما تتجه العلاقات بني الآباء والأطفال نحو المزيد من التقارب والتفاهم، تجد الفتيات والنساء المتزوجات صعوبات جمة في محاولاتهن تقليص علاقات التبعية والتراتب والسلطة وتحقيق المساواة بين الجنسين.
ووفقا للمعطيات الصادمة التي أوردتها الدراسة، فإن نوعان من العلاقات تتعارضان في قلب الحياة الأسرية، ومرجعيتان قيميتان مختلفتان تجعلان الصراع حول القيم في الأسرة مرجحا للاستمرار أكثر من أي وقت مضى. وهذا ما يجعل التساؤل مشروعا حول أنماط التضامن الجديدة التي قد تجعل القطاعات العمومية والخاصة والجمعوية مدعوة لمأسستها وتنميتها قصد مواكبة تغري البنيات العائلية.
وإذا كان ينتظر من القيم، في بعض الظروف، أن تلحق بالواقع الاجتماعي المتغير وتتكيف مع مقتضياته، فقد نجدها في ظروف أخرى، تضيف الدراسة، متقدمة على الواقع، فيكون على صانعيه بذل المزيد من الجهود لتفعيل القيم على الوجه المطلوب بكل ما يتطلبه ذلك
من موارد، وتمكين، وحكامة جيدة، وفعالية في الإنجاز.
و لاحظت الدراسة، أنه على الرغم من الجهود المبذولة لتفعيل القيم في ميادين الأسرة والتعليم والصحة والشغل والحكامة، ورغم ما تم إعداده من سياسات وبرامج وخطط عمل بغية إدماج الشباب، أيضًا وتقليص الفوارق على مختلف الأصعدة، وإرشاك النساء على نطاق أوسع وحمايتهن من العنف ومن مختلف أشكال الحيف الاجتماعي وتحقيق النزاهة في المرافق العمومية، وإنصاف الأشخاص في وضعية الإعاقة والمواطنين الأقل حظا، فإن الحاجة مازالت قائمة للسير أبعد في تفعيل القيم التي أكد على أهميتها دستور المملكة والنموذج التنموي الجديد.
وهي الدراسة الوطنية التي أوضح القائمون عليها، أنها سعت إلى تحديد أهم التغيرات القيمية التي حصلت في المجتمع المغربي الراهن، إضافة إلى اتجاهات وانتظارات المواطنين بخصوص مدى تفعيل القيم في المؤسسات العمومية والخاصة والمدنية من قبيل الأسرة، والظستشفى، والمدرسة، والمقاولة، والإدارة، والجامعة، والمؤسسة الأمنية والاعلامية.
وشددت الدراسة، أنه بمقدور الدولة التدخل والتحكم والتأثير، على سياستها العامة والعمومية والقطاعية، وعلى وجهات ومجريات تفعيل قيم حقوق الإنسان وقيم الحداثة على كل هذه المستويات المذكورة.
واستبعدت الدراسة، التحكم في التغير القيمي الناتج عن تأثير عوامل خارجية متمثلة في العوملة، بكل ما يتصل بها من أبعاد وديناميات، وظروف دولية تتحول باستمرار تحت وقع الحروب والأزمات والمصالح.
وتساءلت الدراسة، « ماذا عسانا نفعل اتجاه التداعيات القيمية للفضائيات، وشبكات التواصل الاجتماعي والفيديوهات المنتجة ضمن
سياقات ثقافية وحضارية مغايرة عما نحن معتادون عليه؟.
ولتتساءل دراسة مجلس النواب مرة ثانية: « إذا كانت المعاهدات الدولية تسمو على الترشيعات الوطنية، ألا يؤثر ذلك في الحقوق، ومن ورائها القيم، التي نعترف بها، وندعو إلى العمل بمقتضياتها؟.