بوز}: هناك مزاوجة بين الدستورين المكتوب وغير المكتوب

30 يوليو 2014 - 23:56

هل يمكن الحديث عن دستور غير مكتوب تضعه المؤسسة الملكية من خلال تحركات وقرارات الملك؟

الانطباع الذي تعطيه القراءة الحرفية لدستور2011 هو أن صلاحيات الملك أضحت محكومة بالدستور، وأن تلك الازدواجية التي ظلت قائمة في ظل الدساتير السابقة بين الدستور المكتوب والدستور الفعلي أصبحت جزءا من الماضي، خاصة مع تنصيص الدستور، في الفصل 42 منه، على أن «الملك يمارس هذه المهام بمقتضى ظهائر من خلال السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور». لكن واقع الممارسة الجارية يؤكد استمرار سلوكات ومبادرات تعيد إلى الأذهان الممارسة السابقة التي كان قد كرسها الفصل 19 السابق، ويؤشر على بداية استعادة الفصل الشهير لحيويته في حقل الممارسة السياسية التي يؤطرها الدستور الجديد. وإذا كانت الوقائع تبدو متعددة، فيكفي أن نعطي كمثال على ذلك الطريقة التي جرى بها تعيين بعض كبار المسؤولين، كمستشاري الملك، ورئيسة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، والرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، وأيضا استمرار عقد جلسات العمل. 

هل علاقة المؤسسة الملكية بباقي السلطات، خاصة الحكومة والبرلمان، علاقة تعاون أم هيمنة؟

أعتقد أن التعديلات التي أدخلت على الدستور، وإن كانت قد أعادت ترتيب العلاقة بين المؤسسات، فإنها لم تغير بشكل كبير جوهر العلاقة بين المؤسسة الملكية والمؤسسات الأخرى، حيث ظلت محكومة بنوع من التبعية. فالدستور لم يجعلنا أمام موازين قوى وعلاقات جديدة، وإنما أمام إعادة انتشار للسلطات الملكية. صحيح أن الملك، مثلا، لم يعد بإمكانه أن يعزل رئيس الحكومة، ولكنه حافظ، بالمقابل، على إمكانية الإقالة المباشرة لجميع وزراء حكومته، كما أن الارتقاء بالمجلس الحكومي إلى مرتبة المؤسسة الدستورية وإعطاءه صلاحيات البت في بعض القضايا بدون أن يكون مرهونا بالمرور الإجباري بالمجلس الوزاري لم يمنع من أن يظل هذا الأخير هو صاحب القرار الفعلي في العديد من القضايا الحيوية، مع العلم بأن المجلس الوزاري ينعقد برئاسة الملك، وأنه ليس جهازا تداوليا بل تعود فيه الكلمة الأولى والأخيرة إلى رئيسه. 

ماذا عن العلاقة مع البرلمان؟

الأمر نفسه يمكن أن يقال عن علاقة الملك بالبرلمان، إذ إن امتلاك الملك لسلاح الحل والطبيعة الخاصة للخطب الملكية، تجعل البرلماني في وضعية تبعية مؤكدة. فهذه الخطب عادة ما يتم تمثلها كأوامر ملزمة. ويمكن أن نستحضر هنا كيف تمثل البرلمان الخطاب الملكي الذي تقرر فيه استمرار إعفاء الفلاحين الصغار والمتوسطين من الضريبة، وفرض الضريبة على المشاريع الفلاحية الكبرى. مع العلم أن هذه الخطب، وإن كانت موجودة في العديد من البلدان الديمقراطية، فإنها لا تكون بالضرورة ملزمة للمؤسسة التشريعية، التي يمكنها أن تأخذ بها أو لا تأخذ بها. ففي بريطانيا، مثلا، جرت العادة أن يقرأ خطاب العرش في افتتاح دورات البرلمان، ولكن تضمن هذا الخطاب لسياسة الحكومة وكتابته من طرف رئيس الوزراء، يجعله، في حقيقة الأمر، يعبر عن إرادة الجهاز الحكومي الذي يعكس توجهات الناخبين وميولاتهم واختياراتهم الانتخابية، أكثر من إرادة التاج، الذي يمثل التاريخ والماضي المشترك للبريطانيين. وبالمثل، فإن الدستور الأمريكي، وإن كان يعطي الإمكانية «للرئيس من وقت لآخر أن يبلغ الكونغرس معلومات عن حالة الاتحاد، ويوصيه بأن يبحث الإجراءات التي يراها ضرورية وناجحة»، فإن هذه الإمكانية المتاحة له لإثارة انتباه الكونغرس إلى بعض التدابير التشريعية اللازمة لسير البلاد لا تلقى دائما تجاوبا معها من طرف الكونغرس، الذي يمكنه أن يتصرف على خلافها. 

ما الذي تغير في الأداء الملكي بعد تغير المعطيات الدستورية والإقليمية؟

أظن أن هناك حرصا على بعض الإجراءات الشكلية. فمضامين البلاغات الصادرة عن الديوان الملكي في ما يخص التعيينات، مثلا، حريصة على الإشارة إلى أنها تمت بناء على اقتراح رئيس الحكومة، ولكن المطلع، مثلا، على لائحة الولاة والعمال يصعب عليه أن يقول إنها مدموغة بطابع رئيس الحكومة، بل إن هذا الأمر يمكن أن يقال حتى عن بعض أعضاء الحكومة أنفسهم. إذ لا يمكن الجزم بأن السيد بنكيران هو الذي اقترح وزير الداخلية أو زير الأوقاف أو وزير التربية الوطنية… وإن كان موضوع التعيينات هذا لا يعكس إشكالا سياسيا فقط، بل يثير أيضا مشكلا حتى على المستوى الدستوري يرتبط بالغموض الذي يلف حدود سلطة الاقتراح التي يملكها رئيس الحكومة، وسلطة التعيين التي يتوفر عليها الملك، وما إذا كان بإمكان صاحب سلطة التعيين أن يتصرف خارج ما هو مقترح عليه. علما أن بعض الاجتهادات من داخل الديوان الملكي، خاصة تلك التي سبق أن بلورها الأستاذ معتصم، ظلت تدفع في اتجاه اعتبار سلطة التعيين الملكي كسلطة مطلقة.

 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي