السحيمي: القصر أعاد رسم اختصاصاته

31 يوليو 2014 - 12:01

هل يمكن أن نتحدّث عن حضور ملكي قوي في المشهد العام خلال السنة الـ15 من حكم الملك محمد السادس؟

لا أعتقد ذلك، بل ما يمكن أن نسجّله هو أن الملك لم يعد داخل منطق «الملكية التنفيذية» كما كان عليه الحال في السنوات العشر الأولى. لقد قام الملك بإعادة رسم مجال اختصاصاته على أساس الهندسة الدستورية الجديدة. وخلال العام 2012، انتهج ما يمكن أن نسميه الامتناع الإرادي عن ممارسة اختصاصاته، وترك الحكومة المنصبة تتولى الأمر. لم يكن الملك يريد إعطاء الانطباع باستمرار النمط السابق نفسه للملكية التنفيذية، لكنه ظلّ مطالبا بالاحتفاظ بإشرافه العام على تدبير الشؤون الوطنية. وفي السنة السابقة، عاد الملك لينخرط في الحقل السياسي، حيث حرص، على المستوى الدولي، على ضمان وحدة التوجهات الدبلوماسية، وتجاوز الحساسية التي يمكن أن تطبع عمل رئيس الحكومة وحزبه، وهو ما تجسّد حين تم انتخاب الرئيس المصري السابق محمد مرسي المنتمي إلى الإخوان المسلمين قبل سنتين، ثم بمناسبة عزله في 3 يوليوز 2013 من طرف الجنرال عبد الفتاح السيسي. ليست هناك سياستان خارجيتان ودبلوماسيتان، بل خط واحد يضعه وينفّذه الملك، وعبد الإله بنكيران فهم ذلك. أما من حيث تدبير الشأن العام، فالملك حدّد لنفسه محورا يتمثل في ترك الحكومة تعمل وتنفذ برنامجها، وهو ما لا ينفي وجود تتبّع دقيق لما تم فعله أو عدم فعله. ورئيس الحكومة نجح حتى الآن في بناء علاقة وطيدة مع الملك، تقوم على التعاون المنظم والسلس وعبر بعض المساطر الخاصة. فبنكيران، وبعد القلق والتساؤلات التي انتابته في ربيع 2013، بات بعلم أنه سيكمل ولايته إلى غاية العام 2016، من خلال ضم أغلبيته لحزب التجمع الوطني للأحرار.

ما الذي ميّز الأداء الملكي خلال السنة الماضية؟

أول ملاحظة هي مرور الملك إلى القيام بوظيفة مساءلة الحكومة. رأينا ذلك في خطاب 20 غشت المخصص أساسا لأزمة النظام التربوي وضرورة القيام بإصلاح عاجل. والمجلس الأعلى للتعليم الذي أحدث عام 2006 وشلّت حركته منذ العام 2010، تم إحياؤه من خلال تعيين رئيس جديد منتدب، وهو ما ينطوي على مفارقة، لكون دستور 2011 نصّ على إحداث مجلس أعلى للتعليم والتكوين المهني والبحث العلمي. أكثر من ذلك، حرص الملك على التذكير بالمنجزات التي حققتها الحكومات السابقة، وهي طريقة لإعادة تأطير عمل الحكومة كي لا تبرّر انتظاريتها وبطأها وحصيلتها السلبية. والقول إن الملك قام بدور المعارض غير دقيق، فهو يرأس مجلس الوزراء، وهو الضامن لتنفيذ البرنامج الحكومي، لكنه يحتفظ بحرية القيام بالتقييم والتعبير عنه. ففي أكتوبر الماضي، قام بتخصيص خطاب افتتاح البرلمان لتدبير الشأن المحلي، خاصة نموذج الدار البيضاء. هنا أيضا كان التنبيه قويا، ومارس في الوقت نفسه سياسة القرب من خلال التعبير عما يشعر به المواطنون.

هل تعتقد أن كل هذا يجعلنا في سياق التنزيل الديمقراطي للدستور؟

التنزيل الديمقراطي للدستور هو مسؤولية كل الفاعلين السياسيين، فهل قاموا بأدوارهم في ذلك؟ أنا أسجل امتناع كل من البرلمان والحكومة عن استعمال كامل الصلاحيات التي منحهما الدستور إياها. ففي حالة البرلمان، يكفي ضرب مثل بعدم استعمال المعارضة لآلية ملتمس الرقابة التي خوّلها الدستور إياها، والتي لا تتطلّب سوى توقيع خُمس أعضاء مجلس النواب لتتم مناقشتها، ومجلس المستشارين حيث تتوفّر المعارضة على أغلبية، لماذا لم يستعمل إمكانية تقديم ملتمس مساءلة الحكومة؟ وهو لا يؤدي إلى إسقاط الحكومة لكنه يلزم بفتح نقاش وتقديم الحكومة لجواب. مثال آخر يتعلّق بتقديم الحصيلة السنوية من طرف رئيس الحكومة أمام البرلمان، لماذا لم تخصص جلسة لهذه الغاية تليها مناقشة؟ هناك إحساس بكون وظيفة المعارضة مازالت تفهم بشكل سيئ من طرف الأحزاب، كما لو كانت تتلخّص في المواجهة الإعلامية. باختصار، الدستور لم ينل تنزيلا يكرّس المكتسبات الديمقراطية التي جاء بها، حتى الحكومة تشارك في هذا الأمر، فهي لم تعط الأولوية لإصدار النصوص التي تحكم الإطار الدستوري للمعارضة، ولم تعقد أي لقاء إخباري أو حواري معها. الثقافة الديمقراطية لم تنفذ بعد إلى سلوكات الفاعلين السياسيين، والخطر هو أن نبقى على هذا الحال.

 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي