الطوزي: قرارات الملك وتعييناته تأويل جيد للدستور

01 أغسطس 2014 - 01:20

 ترجمة:  أيوب الريمي 

محمد الطوزي، أستاذ العلوم السياسية وعضو لجنة وضع دستور 2011، يقول في هذا الحوار، بخصوص 15 سنة من حكم الملك محمد السادس، إن المغرب لا يشكل استثناء بقيامه بإدماج الإسلاميين في الحكم، ذلك أن وصول الإسلاميين إلى الحكومة تم في إطار تجربة مغربية خاصة، حيث كانت الحركات الإسلامية دائما جزءا من المشهد السياسي المغربي، كما تحدث الطوزي عن أهم المحطات التي عرفها المغرب خلال حكم الملك محمد السادس، من بينها مدونة الأسرة وهيئة الإنصاف والمصالحة.

 

‭{‬ ما هي أهم الإنجازات التي طبعت 15 سنة من حكم الملك محمد السادس؟

< على الصعيد المؤسساتي، أعتقد أن أهم ما طبع 15 سنة من حكم الملك محمد السادس كان هو دستور 2011 بدون منازع، ولا يمكن لأي أحد أن ينكر هذا الأمر. ذلك أن الدستور الجديد يمثل مرحلة مهمة في تطور المشهد السياسي المغربي المعاصر، وطبعا، فهذا الدستور جاء بناء على مطالب الشارع خلال الربيع العربي، كما أن عناصر الاستجابة لهذه المطالب كانت حاضرة في ساحة النقاش السياسي قبل أكثر من عشر سنوات، وبالتالي، فمضامين دستور 2011 لم تشكل قطيعة مع ما كان يدور في ساحة السياسية، وإنما هي استمرارية لمسار إصلاحي بدأ مع نهاية عهد الحسن الثاني.

هذا يعني أن منهجية وضع الدستور، والظرفية التي جاء فيها، والنقاشات التي صاحبت وضع الدستور والمشاورات، كل هذا يجعل دستور 2011 يمثل جيلا جديدا من الدساتير مختلفا تماما عما عرفه المغرب من دساتير منذ استقلاله، وهذا رأي معظم الفقهاء الدستوريين، ذلك أنه من خلال إعادة توزيع السلط، وإعادة النظر في السلط الممنوحة للمؤسسة الملكية، والأهمية التي تم منحها للبرلمان، والمكانة المحفوظة للمجتمع المدني، كل هذا يشير إلى أننا أمام شكل وجيل جديد من الدساتير.

وإذا قلنا إن الدستور الحالي يشكل أقوى لحظة سياسية عرفتها 15 سنة من حكم الملك محمد السادس، حيث مكن من وضع تعاقد سياسي واجتماعي جديد، ففي في المقابل هناك عدد من المشاكل التي لم يتم حلها إلى الآن، مرتبطة بحدود صلاحيات البرلمان وأيضا بسؤال حرية المعتقد، ولو حلت هذه المشاكل لتم إحداث قطيعة حقيقية مع الماضي، ولكان تبوأ المغرب مرتبة رائدة على صعيد العالم العربي، بالإضافة إلى أن حرية المعتقد تحيلنا على عقوبة الإعدام التي لم يتم إلغاؤها، وعلى الرغم من هذه المشاكل، فإن التصويت على دستور 2011 يبقى لحظة قوية في تاريخنا السياسي.

ويجب الإشارة أيضا إلى أن المصادقة على الدستور سبقها حدثان مهمان، هما إصدار مدونة الأسرة وهو من المحطات القليلة التي خاطرت فيها الملكية وقدمت نصا متقدما حتى على ما كان يطالب به المجتمع المدني، وقد تحملت الملكية مسؤوليتها في هذه المخاطرة، ذلك أن الملكية كانت متقدمة مقارنة بالتوجه المحافظ في المجتمع، حيث استطاع الملك أن يقترح وأن يفرض أحيانا بعض مضامين مدونة الأسرة على الاتجاه المحافظ في المجتمع، لذلك كانت مدونة الأسرة بمثابة ثورة سواء من حيث طريقة وضعها وكذلك من حيث مضامينها، لأنها مكنت من تعديل موازين القوة بين المرأة والرجل في المجتمع، هذه الموازين التي لم تعد مرتبطة فقط بالدين والثقافة، وإنما أصبحت مرتبطة بوضعية المرأة في المجتمع الحالي، كما أن المدونة حاولت معاجلة بعض المشاكل مثل تزويج القاصرات وتعدد زوجات.

الحدث الثاني هو إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة، وهو مكسب مهم للمغرب، ولكن قبل ذلك هناك تقرير الخمسينية الذي قدم حصيلة للطريقة التي تم بها تسيير الدولة خلال المرحلة السابقة، وأيضا وضع بشكل غير مباشر الخيارات الاستراتيجية للدولة في عهد الملك الحسن الثاني موضع مساءلة، على الرغم من أن هذا الأخير كان في مرحلة بناء الدولة، ويعتبر هذا التقرير حدثا مهما في التاريخ الحديث للمغرب، لأن تقرير الخمسينية يعتبر وثيقة مؤسسة ومهمة من حيث منهجية صياغته وحتى الخلاصات التي خرج بها، لأنه لم يسبق لنا أن وجدنا أمامنا هذا الكم الهائل من المعلومات عن المغرب بعد الاستقلال بقدر المعلومات التي وجدناها في تقرير الخمسينية.

بالنسبة إلى إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة، فهو يعتبر العمل الأهم في تاريخ المغرب الحديث، لأنه حتى لو رجعنا إلى دستور 2011 فإن هناك العديد من التوصيات التي خرج بها تقرير هيئة الإنصاف جاءت في دستور 2011، حتى في بعض التفاصيل المرتبطة بالحكامة الأمنية والتي كانت إلى وقت قريب تعتبر من الطابوهات، فتجربة هيئة الإنصاف والمصالحة كانت رائدة من حيث طريقة اشتغالها أيضا، حيث لأول مرة كان يتم تقديم الشهادات بشكل عمومي، وكان هذا أقوى مؤشر على خصوصية عمل هيئة الإنصاف والمصالحة، على الرغم من أن الشهادات العمومية لم توجه التهم إلى المتورطين بشكل مباشر، نظرا إلى أن هناك اتفاقا تم إبرامه بين السلطة والمشرفين على تدبير هيئة الإنصاف والمصالحة.

‭{‬ هل يعتبر خطاب أجدير من اللحظات القوية أيضا خلال 15 سنة الماضية؟

< نعم يمكننا اعتبار الخطاب حول الأمازيغية لحظة مهمة، ذلك، لأنه إذا تأملنا كل ما حدث في المغرب بعد الاستقلال، فإن إفصاح الملك محمد السادس عن رؤيته للهوية الوطنية هو لحظة مهمة في تاريخ المغرب، وقد لعبت الأسس التاريخية للمؤسسة الملكية دورا مهما في هذه المسألة وفي تحديد معالم الهوية المغربية، كما أن هناك عددا من الفاعلين السياسيين لعبوا دورا أساسيا في جعل القضية الأمازيغية حاضرة في ساحة النقاش العمومي، دون أن ننسى أن قضية الأمازيغية لم تكن أبدا تعني أقلية من المغاربة فقط، ولكنها كانت تعني عنصرا أساسيا من عناصر الهوية الوطنية.

وهنا أشير إلى أن النقاش عن مكانة الأمازيغية بدأ في عهد الحسن الثاني، قبل أن يبلغ هذا النقاش أوجه في عهد محمد السادس مع خطاب أجدير، وبفضل هذا النقاش تمكن دستور 2011 من الحسم في مسألة الهوية بطريقة سهلة.

‭{‬ خلال الفترة نفسها، واجه المغرب هجمات إرهابية، كيف تعاملت الدولة مع هذه الهجمات، في نظرك؟

< هنا أيضا يجب ألا ننسى أن المغرب بلد له عقلية متفردة اكتسبها انطلاقا من عدة عوامل، منها موقعه الجغرافي ومساره التاريخي، وعلاقاته بدول الجوار، هذه العقلية المتفردة مكنت من تشكيل خصوصية للمجتمع المغربي تكون في بعض الأحيان إيجابية وفي بعض الأحيان سلبية، وطريقة التعامل مع هذه الهجمات كانت نتيجة لهذه الخصوصية التي يتمتع بها المغرب، ذلك أنه بعد الهجوم الإرهابي على الدار البيضاء وكذلك في مراكش، ظهرت الطبيعة المنفتحة للمغرب والمغاربة الذين أكدوا أن العمليات الإرهابية هي مجرد حالات شاذة ولا تعبر عن طبيعة المجتمع.

لكننا في الوقت ذاته اكتشفنا أن التطرف قد نشأ عندنا، صحيح أنه هامشي ومحدود لكن هؤلاء المتطرفين هم مغاربة، وأعتقد أن هذا الأمر هو ما عجل بوضع سياسة دينية جديدة، يمكن أن نختلف أو نتفق معها، غير أنه من المبكر أن نقوم بتقييم حصيلة هذه السياسة الدينية، لأن الوقت الحالي هو وقت بناء نموذج إسلامي يكون مستمدا من تاريخ المغرب ليس فقط من أجل محاربة التطرف، وإنما للحفاظ على الإسلام المغربي المتفرد ونبذ جميع أشكال التدين الدخيلة على المغاربة.

كما أن هذه السياسة الدينية لها بعد جيو-سياسي حيث لم تغفل ما يحدث من تطورات في دول الجوار، خصوصا في دول الساحل التي تعتبر أرضية خصبة للتطرف والجماعات الإرهابية.

‭{‬ هل تم تفعيل جميع مضامين الدستور بعد ثلاث سنوات من المصادقة عليه؟

< لا يمكن أن نقول إنه تم تفعيل الدستور بطريقة صحيحة أولا، فالدستور يضع قوانين عامة ومراجع، وهذا يعني أننا في مرحلة من مراحل المسار الدستوري، كما يمكننا أن نقول إننا في مرحلة تأسيس للسلط، وهي مرحلة تقوم على رفض فكرة أن الأغلبية دائما على حق والأقلية دائما مخطئة، فالحكومة الحالية التي تعتبر هي المسؤولة عن وضع القوانين التنظيمية يجب أن تضع في ذهنها أن القوانين التنظيمية ليست قوانين عادية، وإنما هي قوانين من أجل تطبيق الدستور، ويجب أن تخوض نقاشا واسعا قبل وضع هذه القوانين التنظيمية لأنها ليست مرتبطة ببرنامج حكومي وإنما بوثيقة دستورية يوافق عليها أغلب المغاربة، كما أن هذه القوانين هي التي ستؤطر النشاط السياسي لعدد من المؤسسات التشريعية.

وخلال هذه المرحلة، فإن هناك مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتق الخبراء والفقهاء الدستوريين، على الرغم من أنهم غائبون عن المشهد العام، لكن هناك المجلس الدستوري الذي يقوم بدوره في قراءة وتأويل النص الدستوري.

‭{‬ كيف تتعامل الملكية مع الدستور منذ المصادقة عليه إلى الآن؟

< أعتقد أن المؤسسة الملكية أصبحت مؤسسة مثل باقي المؤسسات، وإذا كان الوقت قد حان لتقييم تطبيق المؤسسة الملكية للدستور، فإنه يجب القول إن الملك محمد السادس احترم بشكل صارم مضامين الدستور، واحترم أيضا روح الدستور في كل مناسبة كان يجب فيها أن يتدخل، سواء في ما يتعلق بالتعيينات، أو ما يتعلق برفض الملك التدخل في خلافات الأغلبية، وفي هذا تأويل جيد للدستور، وخلال الأزمة التي اندلعت بين حزب الاستقلال وحزب العدالة والتنمية، كان الملك مثاليا في تعالمه مع هذه الأزمة، عندما رفض التدخل لصالح أي من الطرفين أو التحكيم بينهما، وأيضا في مسألة الإعلام العمومي والتعددية، فإن تدخل الملك كان مستمدا من روح الدستور.

‭{‬ هل إدماج المغرب للإسلاميين في الحكومة جعل منه استثناء في محيطه؟

< المغرب له الكثير من الخصوصيات، لكنه ليس استثناء، ذلك أن جميع الإسلاميين هم مندمجون في المجتمع وفي العمل السياسي، حتى أولئك الذين يعتقدون أنهم خارج اللعبة السياسية، فإنهم مندمجون بطريقة غير مباشرة في المشهد السياسي العام، لأنهم يلعبون دورا سياسيا واجتماعيا وأيضا دورا في التكوين والتأطير، فالمغرب لم يرتكب الأخطاء التي ارتكبتها بعض الدول العربية التي حاولت القضاء على الحركات الإسلامية والإجهاز عليها، فالحركات الإسلامية في المغرب التي لم يتم الاعتراف بها، مثل جماعة العدل والإحسان، هي كذلك منخرطة في ما نسميه بالإسلام المغربي، فالجماعة حركة مغربية لم يساهم في إنشائها الإخوان المسلمون ولا الحركات السلفية، وبالتالي، ففكرة إدماج الإسلاميين في المجتمع وفي السياسة هي جزء من تاريخ المغرب ولكنها ليست استثناء، لأننا عندما نقول استثناء فإننا نعني بذلك بأن المغرب لم يمر عبر العديد من مراحل التطور الاجتماعي، في حين أنه خضع لقوانين التطور الاجتماعي حتى وصل إلى المرحلة السياسية الحالية.

 

عن لافي إيكو

شارك المقال

شارك برأيك
التالي