أردوغان.. هل يكون ملهما لبنكيران؟

16 أغسطس 2014 - 22:08

حين تُعلن نتيجة انتخابات تشريعية أو برلمانية أو حتى رئاسية الآن في تركيا، تكون فرحة العدالة والتنمية مزدوجة، يتقاسمها حزبان يحملان الاسم نفسه في كلّ من المغرب وتركيا. وفي مقابل نهجه القائم على نفي وجود أي تقارب بينه وبين جماعة الإخوان المسلمين، لا يجد رئيس الحكومة المغربية، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، أي حرج في إبداء إعجابه الكبير بنظيره رجب طيّب أردوغان، إلى درجة قال معها من فوق منصّة للخطابة في عزّ الحملات السابقة لانتخابات 25 نونبر 2011، «مصاب نقدر ندير داكشي للي دار أردوغان فتركيا.. وا طلعات لعبد الإله بنكيران وولاو الناس كايقارنوه بأردوغان..»، وذلك ردّا على تصريحات غريمه السابق، حليفه الحالي، صلاح الدين مزوار، قال فيها إن بنكيران يسعى إلى تكرار تجربة أردوغان.

تكرار التجربة لا يعني الانتصارات الانتخابية فقط، ولا إعلان المواجهة المفتوحة والمباشرة مع مؤسستي القضاء والجيش المدافعتين عن العلمانية الأتاتوركية، وهو ما لا يمكن تصوّره في المغرب لاختلاف النظامين السياسيين؛ بل يعني تحقيق المعجزة الاقتصادية والتنموية، التي نقلت تركيا من لائحة الدول النامية إلى المراتب الأولى في ترتيب اقتصادات العالم. «يلا بغا الله نديرو داكشي للي دار أردوغان فتركيا ونديرو أكثر من داكشي حيت حنا ما كانديروش السياسة بالجهد ديالنا، كانديروها بجهد الله»، يقول بنكيران.

فإلى جانب تشابه الاسم والرمز الحزبيين، يرى كثير من أعضاء ومناصري حزب العدالة والتنمية في تجربة أردوغان كثيرا من التشابه مع تجربتهم الخاصة. ويركّز البعض على كيفية التعاطي مع نزعة الرفض والمقاومة ضدّهم في النواة الصلبة للدولة، للاستدلال على هذا التشابه، ليصبح نجاح إسلاميي تركيا في تخطّي هذه العقبة والوصول إلى قمة هرم السلطة والانتصار في معارك كثيرة ضد الفساد والتخلّف، مصدرا للإلهام والرغبة في إعادة القصة نفسها. ويضيف عنصر الميل نحو الاعتدال وبناء تجربة تستند إلى الخصوصيات الوطنية لدى كل من إسلاميي المغرب وتركيا، في شحنة التقارب والحلم لدى البعض بالسير على الخطى نفسها.

إلا أن تدقيق الفحص في مميّزات كلّ تجربة يكشف لائحة من الاختلافات بينهما، ليُفتح الباب أمام تخفيض سقف التفاؤل برؤية المعجزة السياسية الاقتصادية التركية تتكرّر في المغرب على يد حزب عبد الإله بنكيران. هذا الأخير نفسه يعتبر أحد الذين ينفون إمكانية معاودة التجربة نفسها، حيث قال، في حوار أجري معه قبيل انطلاق الربيع العربي، إن «هناك تشابها في الاسم، لكن ينبغي أن نعترف بأن حزب العدالة والتنمية التركي هو حزب من حجم آخر وبعد آخر، لا على مستوى الإنجاز ولا على المستوى الفكري ولا على مستوى الطرق والوسائل»، مضيفا أن من الضروري الأخذ بعين الاعتبار الظروف المختلفة، باعتبار أن المغرب دولة إسلامية والدولة التركية تشهر العلمانية، والظروف الاقتصادية وحجم الدولة وعدد السكان كلها أشياء مختلفة…

معطى المرجعية الدينية للدولة جعلته باحثة في جامعة «إنديانا بلومنغتون» الأمريكية، محور دراسة مقارنة قامت بها بين حزبي العدالة والتنمية المغربي والتركي. الباحثة فريحا بيركلي قالت إن علمانية تركيا كانت من العوامل المساعدة على نجاح تجربة إخوان أردوغان في تركيا، رغم أنهم حزب إسلامي. وقدّمت الدراسة عدة مقارنات، بيّنت فيها كيف أن حزب العدالة والتنمية المغربي وجد صعوبة في إقناع السلطة بحقه في الوجود، نظرا إلى صفة الملك أميرا للمؤمنين واحتكاره الشأن الديني. كما كشفت الدراسة أن البنوك الإسلامية لن تتحقّق بسهولة في المغرب ذي المرجعية الإسلامية، بينما سمحت بها تركيا العلمانية منذ الثمانينيات. 

من جانبه، قال الباحث المصري الراحل حسام تمام، الذي تخصّص في دراسة الحركات الإسلامية خاصة في تركيا، في دراسة له أنجزها بعد إقامته في المغرب بضعة أشهر عام 2007، إن تغيير سعد الدين العثماني واستبداله بعبد الإله بنكيران في قيادة حزب العدالة والتنمية، كان تعبيرا عن رفض مغربي لتكرار حدّ التماهي لتجربة حزب أردوغان. الباحث المصري قال إن العثماني كان شديد الارتباط بالنموذج التركي، خاصة في النقطة المتعلّقة بالفصل التام بين السياسي والدعوي، وهو ما عبّر انتخاب بنكيران عن رفضه. «صوتت قواعد العدالة والتنمية ضد كثير من مواقف العثماني وسياساته، لكن أتصور أن أهم ما صوتت ضده القواعد هو ما بدا من قفز على قضية الهوية «الإسلامية»، وما يتعلق بها من سياسات ومواقف»، يقول حسام تمام، مضيفا أن «قواعد حزب العدالة والتنمية وهو يصوت ضد العثماني كان يصوت أيضا ضد ما بدا وكأنه محاولة لاتباع النموذج التركي، فمشروع التمييز بين الدعوي والسياسي بدا أقرب إلى نوع من «العلمانية» وإن كانت «علمانية مؤمنة» خاصة مع مبالغة العثماني في تأكيد التمييز حتى صار أقرب إلى الفصل»، بينما كانت القواعد نفسها «وهي تصوت لبنكيران تعيد تأكيد قضية أولوية سؤال الهوية الإسلامية التي تتعرض لاعتداء وتحرش، لا ينفع معهما التجاهل».

 

أردوغان.. حلم بنكيران في الدين والدولة

«مصاب نقدر ندير داكشي للي دار أردوغان فتركيا.. واطلعات لعبد الإله بنكيران وولاو كايقارنوه الناس بأردوغان..»، بهذه العبارات يمكن تلخيص كلّ ما يتعلّق بنظرة رئيس الحكومة المغربية الأمين العام لحزب العدالة والتنمية إلى نظيره زعيم حزب العدالة والتنمية التركي، رجب طيّب أردوغان.

الجملة أعلاه ردّ بها بنكيران نهاية العام 2011 على تصريحات لرئيس التجمع الوطني للأحرار، صلاح الدين مزوار، الذي قال إن بنكيران يريد أن يفعل في المغرب ما فعله أردوغان في تركيا. «يلا بغا الله نديرو داكشي للي دار أردوغان فتركيا، ونديرو أكثر من داكشي حيت حنا ما كانديروش السياسة بالجهد ديالنا، كانديروها بجهد الله والتوكل على الله، وربي غا يوفقنا وينصرنا إن شاء الله»، يضيف بنكيران. 

 رجب طيب أردوغان كان أحد أول المسؤولين الدوليين الذين اتصلوا ببنكيران هاتفيا لتهنئته على تعيينه رئيسا للحكومة، ودعاه في تلك المكالمة إلى زيارة أنقرة، وهو ما لم يتحقّق حتى الآن رغم إعجاب بنكيران بأردوغان وتجربته، بل إن ابني رئيس الحكومة المغربية في تركيا للدراسة فيها كما فعل العديد من إخوانه في قيادة الحزب والحكومة، فقد تردّد وزير الخارجية والتعاون السابق، سعد الدين العثماني، عدة مرات على تركيا، كما قام كل من الحبيب الشوباني وعزيز الرباح بزيارات رسمية إلى دولة أردوغان، فيما كان الوزير عبد القادر عمارة أحد ركاب سفينة «أسطول الحرية» التركي الشهير، الذي حاول عام 2010 كسر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، وتعرّض لهجوم عسكري عنيف من طرف قوات الدولة العبرية. فهل يمكن أن يكرر إسلاميو المغرب إنجازات إسلاميي تركيا؟ وهل تسمح الظروف والسياقات المختلفة في البلدين بحدوث ذلك؟

الجواب يرد مرة أخرى على لسان عبد الإله بنكيران، وذلك في حوار صحافي نُشر سنة واحدة قبل الخرجة التي تمنى فيها أن يحقق ما حققه أردوغان. «هناك تشابه في الاسم، لكن ينبغي أن نعترف بأن حزب العدالة والتنمية التركي هو حزب من حجم آخر وبعد آخر، لا على مستوى الإنجاز ولا على المستوى الفكري ولا على مستوى الطرق والوسائل»، يقول بنكيران في حوار مع موقع «قنطرة» الثقافي، مضيفا للزميلة ريم نجمي: «حتى أكون واضحا معك هم تقدُميون ومُتقدمون أيضا. ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار الظروف المختلفة، باعتبار أن المغرب دولة إسلامية والدولة التركية تشهر العلمانية، والظروف الاقتصادية وحجم الدولة وعدد السكان كلها أشياء مختلفة، لكن فلنقل إننا نتشابه معا في محاولة كل منا الاستفادة من الروح الدينية الموجودة في المجتمع للدفع بعجلة الإصلاح إلى الأمام، وتمتيع الشعب بحقوقه الطبيعية والتقدم في تصحيح مجال حقوق الإنسان والحريات لكن في إطار المرجعية الإسلامية وحدودها الممكنة».  وعما إن كان ممكنا الحديث عن نقل التجربة التركية إلى المغرب، ردّ بنكيران، وهو بعد في موقع المعارضة بالنفي القاطع: «لا، لا أعتقد ذلك بتاتا، لا تنس أن هناك فروقا جوهرية: تركيا جمهورية ونحن عندنا الملكية، وفي ملكيتنا يبقى الملك هو المتصرف السياسي الأساسي، والأحزاب السياسية تعمل معه، مادام هو من يعين الوزير الأول (رئيس الوزراء) وأعضاء الحكومة. هذا يعني أن الأفق الذي يمكن أن يكون مفتوحا لحزب العدالة والتنمية، أو أي حزب سياسي آخر، هو أن يكون مساهما في الإصلاح، ولا يمكن أن يدعي أي حزب أنه سيتولى عملية الإصلاح بنفسه». وقبل أن يكون في موقع رئاسة الحكومة وما يمثّله من إكراهات، قال بنكيران آنذاك إن في المغرب ملكا يريد إصلاح الوضع، «لذلك التنافس ما بين الأحزاب يتجلى في من سيكون قادرا أكثر على مساعدة جلالته في تحقيق هذه الأهداف التي يصبو إليها».

 

مصدر أمل

هذا الحرص على الاحتفاظ بمسافة معينة تحمي «الخصوصية المغربية» حتى في السعي إلى التغيير والإصلاح، لا يخفي الإعجاب الشخصي لبنكيران بالتجربة التركية، والرغبة في إظهاره. فقبل أسابيع قليلة، كانت الأنظار كلّها تتّجه نحو تركيا لمعرفة ما إن كانت الحرب الضروس، التي خاضها خصوم أردوغان ضده منذ مواجهات ساحة التقسيم الشهيرة، قد نجحت في كسر شعبيته، وبالتالي، تحقيق خطّتهم القائمة على إسقاطه من الموقع نفسه الذي بدأ منه الصعود، أي الانتخابات البلدية. لكن الأسطورة أردوغان خرج من هذه الانتخابات منتصرا، واحتفظ بالمعاقل التي أراد خصومه إخراجه منها كبداية لدحره من السلطة، أي مدينتي اسطنبول وأنقرة.

فبعد توالي نكبات الإسلاميين في البلاد العربية، تلقى الإسلاميون المغاربة جرعة تفاؤل قادمة من تركيا، أعادت الفرحة إلى بيتهم الذي توالت عليه أخبار النكبات في الفترة الأخيرة مخلفة حالة من التوجس والقلق. الزعيم الأسطوري الجديد لتركيا ضمن لحزبه 45 في المائة من أصوات الناخبين، بفارق كبير عن أول منافسيه، وهو حزب الشعب الجمهوري الذي نال 28 في المائة فقط، بل إن أردوغان حصد نتيجة أفضل من تلك التي حققها في الانتخابات البلدية السابقة، التي نال فيها عام 2009 أقل من 39 في المائة من الأصوات. وصبيحة اليوم الموالي للانتخابات البلدية الأخيرة، لم يتردّد رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، في التصريح لـ«أخبار اليوم» بأنه تابع بدوره هذه الاستحقاقات، معلّقا على نتيجتها الإيجابية لحزب أردوغان بالقول إن «الدرس المستخلص هو أن الشعب أبان عن نضج كبير، وعرف الصح من البضاعة المغشوشة، وأثبت أن التشويش والمكر والإعلام المغرض يصدق عليه ما قاله العرب من أن حبل الكذب قصير، حين تكون هناك ديمقراطية».

 الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي، وردا على سؤال «أخبار اليوم» حول ما إن كانت مشروعية الإنجاز التي يتمتع بها أردوغان هي السلاح القوي الذي مكّنه من الصمود، قال إن «الإنجاز مهم طبعا، لكن أيضا الرجل كان معقول وصادقا في خطابه، بينما الآخرون استعملوا الإشاعات والدّس واللف والدوران والتنصّت، وكلّ ذلك تجاوزه بفضل المعقول». وعمّا يمكن للشعوب العربية، التي تعيش تبعات تحوّل الربيع العربي إلى خريف، أن تستخلصه مما يجري في تركيا، قال بنكيران إن «الشعوب في نهاية المطاف تكون لها الكلمة الأخيرة، لهذا على الإنسان أن يتّقي الله ويصبر».

أكثر من ذلك، عمّت أجواء الفرح بيت إسلاميي المغرب، وشمل ذلك حركة التوحيد والإصلاح، الذراع الدعوي لحزب المصباح، التي سارعت بدورها إلى التعليق على الأخبار «السارة» القادمة من تركيا، حيث عنون موقعها الرسمي مقاله حول الموضوع بـ: «أردوغان يدق أبواب رئاسة تركيا بعد فوز كاسح في الانتخابات البلدية»، في إشارة إلى تمهيد الفوز الجديد بالانتخابات البلدية الطريق أمام أردوغان لتولي رئاسة تركيا بعد انتهاء ولايته الثالثة والأخيرة في رئاسة الحكومة، وهو ما تحقق شهورا قليلة بعد ذلك.

 وتحت صورة لأردوغان وهو يرفع شارة رابعة بيديه معا، كتب موقع الحركة إن «رئيس الحكومة التركية، رجب طيب أردوغان، حقق انتصاراً واضحاً على خصومه»، مضيفا أن الفوز جاء «رغم أن الانتخابات البلدية جرت عقب ضجة كبيرة أثارتها المعارضة بسبب حديثها عما زعمت أنها «فضائح فساد» في حكومة أردوغان، وأيضا بسبب سلسلة من الهجمات استهدفته وفريق عمله، وتسريبات لاجتماعاته مع مسؤولين كبار في الدولة»، وأضاف موقع الحركة أن «شعبية أردوغان وحزبه فاقت ما كانت عليه نسبة تأييده في الانتخابات السابقة في عام 2009».

 

دروس ميدانية

القيادي الشاب في حزب المصباح، النائب البرلماني سعد حازم، قضى أسبوعا كاملا في تركيا شهد خلاله أقوى فصول الحملة الانتخابية التي أوصلت حزب أردوغان إلى نصر تاريخي بدّد طموحات خصومه، وشارك ضمن قياديين شباب أتوا من 60 دولة وتوزّعوا بين 8 ولايات لمتابعة تجربة حزب أردوغان في التدبير المحلي وخوض المعركة الانتخابية. «الخلاصة التي عدت بها من هناك، هي أن الشعب الذي ذاق الرفاهية يصعب أن يتراجع، والناس يحكمون أولا انطلاقا من الإنجازات الملموسة»، يقول حازم، مضيفا أن حملة جماعة فتح الله كولن ضد حزب العدالة والتنمية التركي كان وقعها محدودا، «صحيح أن الناس يقولون إنه لولا هذا الصراع لحصل حزب العدالة والتنمية على نتائج أفضل، حيث خسر الحزب أصوات أتباع كولن كما خسر أصوات الشيعة بسبب موقف أردوغان المؤيّد للثورة في سوريا، لكن الفيديو الأخير الذي تمّ تسريبه، ويكشف حديث مدير المخابرات عن تدبير عملية اقتحام منطقة سورية، انقلب لصالح أردوغان، لكون الناس هناك شديدي التعلّق بالوطن ومصالحه».

سعد حازم قال  إن من بين ما لاحظه في حملة حزب العدالة والتنمية التركي في ولاية «أضنة» جنوب تركيا، «هو أن الحزب يطرق بيوت جميع السكان واحدا واحدا، ويقدّم لهم مشاريعه وبرامجه، بل إن جميع الشباب الذين يبلغون سنّ التصويت، يتلقّون رسالة مباشرة من توقيع أردوغان، يحثّهم فيها على المشاركة في الانتخابات والتصويت لحزبه». حازم قال إن من بين التقنيات التي استعملها حزب أردوغان في حملته، «اعتماده على أغنية رسمية للحملة الانتخابية، وقيام كلّ مرشّح بإعداد أغنية خاصة به، وحتى المناطق التي تكون للحزب الأغلبية فيها، حرص على إنجاح تجاربه في تدبير بعض بلدياتها، ليقنع باقي الناخبين بالتصويت له».

إعجاب وانجذاب نحو المعجزة التركية التي حقّقها حزب إسلامي، لم يولد مع خيبات الربيع العربي أو صعود أتباع حزب المصباح المغربي إلى السلطة، بل تعود جذوره إلى زمن بعيد. بل إنه لا يقتصر على إسلاميي المغرب، حيث كشف تقرير للمعهد العربي الأمريكي، يهدف إلى تقييم مستوى شعبية الرئيس الأمريكي باراك أوباما لدى الشعوب العربية في ذروة الربيع العربي، أن المغاربة يعارضون بشدة سياسات الرئيس الأمريكي، وينفرون منه أكثر مما كان عليه الحال مع سلفه جورج بوش، مقابل إعجاب وانبهار كبيرين برئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان. الدراسة التي أجراها المعهد الأمريكي، شملت المغاربة ضمن شعوب ست دول عربية، هي كل من المغرب ومصر ولبنان والأردن والعربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وجوابا عن سؤال حول الدولة التي تساهم أكثر في إقامة السلم في العالم العربي، جعل المغاربة تركيا في المرتبة الأولى، حيث قال 82 في المائة من المستجوبين إنها تساهم بقوة في إقامة السلم في المنطقة العربية.

إعجاب تولّد بفعل المنجزات التنموية والاقتصادية، لكن أيضا بفضل عمل دعائي إعلامي وفنّي غير مسبوقين حوّلا تركيا حزب العدالة والتنمية إلى حلم عربي بامتياز. «الولايات المتحدة الأمريكية تسعى بالفعل إلى إقامة نموذج تركي جديد في المنطقة، عن طريق دعم الإسلاميين المعتدلين والضغط على المتطرفين. ومن خلال سياسة الدعم والتقرب التي اتخذتها الولايات المتحدة تجاه الحركات الإسلامية، يتم تجنّب دفع المعتدلين إلى اتخاذ مواقف متطرفة. بالعكس من ذلك، يتم العمل على جعل هؤلاء المعتدلين أكثر مرونة، كي لا يعاد مثلا إنتاج النموذج التسلطي نفسه الذي كان قائما بعد عهد القذافي على يد الثوار الذين أطاحوا بنظامه»، يقول الباحث المتخصص في الحركات الإسلامية، رشيد مقتدر، مضيفا أنه ورغم كل ذلك، «لا يمكننا أن نجزم بإعادة إنتاج النموذج التركي في المنطقة العربية، لأن تركيا حقّقت تجربتها في ظروف خاصة، وبعدما رسّخت طابعها العلماني واستفادت من عوامل إقليمية ودولية أهلتها للبروز كقوة معتبرة، علاوة على المنطق الذكي والمرن الذي انتهجه حزب العدالة والتنمية التركي».

منطق حاول إخوان عبد الإله بنكيران الاستلهام منه منذ زمن بعيد، حيث يعيد القيادي في حزب العدالة والتنمية المغربي، والمتخصص في العلاقات مع تركيا، إدريس بوانو، هذه العلاقات إلى عقد الثمانينيات على الأقل، حينها كانت الحركة الإسلامية المغربية تتلمّس طريقها نحو العمل السياسي العلني والقانوني، وكانت، حسب بوانو، تقتدي بالتجربة التركية لما حقّقته من نجاح، وإن كان بسيطا حينها، في التعايش مع السلطة القائمة والمساهمة في الإصلاح. فيما تطوّرت العلاقات في التسعينيات، موازاة مع تسارع وتيرة خروج تجربة الحزب الإسلامي إلى الوجود في المغرب، حيث باتت هناك، حسب بوانو، اللقاءات المباشرة بين قياديي حركة التوحيد والإصلاح والجمعيات المندمجة فيها وبين قادة حزب الرفاه الذي كان يقوده الراحل نجم الدين أربكان وحركة «الرأي الوطني» ثم حزب «الفضيلة»…

أحد مؤسسي تجربة الحركة الدعوية الداعمة لحزب العدالة والتنمية المغربي، أي حركة التوحيد والإصلاح، الفقيه والمفكر فريد الأنصاري، كان شديد التعلّق والإعجاب بالتجربة التركية، ومن إشارات القدر الغريبة ربما أنه توفي في إحدى المصحات الطبية في اسطنبول، بل إن الراحل ذهب في إحدى الندوات، التي شارك فيها سنة 2006، إلى القول إن حركة التدين التي يقودها فتح الله غولن في هذا البلد «من خلال ما رأيت من مظاهر متعددة، سواء على المستوى الديني أو الثقافي أو الاقتصادي أو المؤسسي، أكدت لي نبوءة لرسول الله (ص) تحدث عنها في حديث شريف». وتتمثل النبوءة في أن الله «يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها، ونجد له تفسيرا لا أقول لغويا أو بيانيا بل تفسيرا الآن في هذه المرحلة، وهو تفسير واقعي من خلال حركة دينية تسير في الأرض، وأزعم أن هذا التجلي لحركة الدعوة الإسلامية في شخص الأستاذ غولن ومن يتبعه، وهو أوج المعاني الموجودة في هذا الحديث».

 

فوارق التجربتين

الباحثة في جامعة «أنديانا بلونغتون» الأمريكية، فريحا بريكلي، أنجزت بحثا حول علاقة حزبي العدالة والتنمية المغربي والتركي، وخلصت إلى أن هذا الأخير يمثّل مصدر إلهام كبير لنظيره المغربي، وذلك أساسا لحرص قيادييه على الحفاظ على عملهم السياسي ضمن دائرة القانون والشرعية، رغم كونهم في دولة علمانية ترفض أي إشارة إلى المرجعية الإسلامية. 

وضع شبّهته الباحثة المتخصصة بالوضع في المغرب، حيث قالت إن هناك ملكية مهيمنة على المشهد السياسي، ومستندة إلى مرجعية دينية ترفض أي منافسة حولها. وأوضحت الباحثة أن إقناع إسلاميي المغرب للمؤسسة الملكية بتمكينهم من ولوج العمل السياسي لم يكن سهلا، بل إنهم واجهوا رفضا من داخل الحركة الإسلامية لفكرة العمل البرلماني، خاصة من جانب جماعة العدل والإحسان.

 الدراسة، التي حصلنا على نسختها الكاملة، تقول إن العدالة والتنمية المغربي استفاد كثيرا من نظيره التركي في التأسيس لهيئة سياسية ببرنامج عملي منفصل عن الحركة الدعوية التي انبثق منها الحزب، لكن خلاصات الدراسة ركّزت على عامل اختلاف رئيس بين التجربتين، يتمثل في العلمانية المتّبعة في تركيا، والتي قد تكون عاملا مساعدا في حماية التجربة الديمقراطية للإسلاميين، بينما في المغرب يوجد تنصيص دستوري صريح على إسلامية الدولة، وهو ما قد يكون سيفا ذا حدّين.

ويضيف الباحثون إلى مظاهر الاختلاف بين الحزبين، كون العدالة والتنمية التركي يتفرّد بخاصية تتمثل في نفيه عن نفسه الصفة الإسلامية، وجمعه بين مكونات فكرية وإيديولوجية مختلفة، واعتناقه الرأسمالية الاقتصادية، وتحالفه مع الغرب رغم خطابه الديني المناصر للقضايا العربية. الاختلاف يزداد من حيث العلاقة بالعمل الدعوي المباشر، حيث يختلف الحزبان المغربي والتركي باعتبار أن هذا الأخير، ورغم علاقته الودية إلى وقت قريب بجماعة فتح الله غولن، إلا أنه استطاع الانفصال عنها بأدوات تنظيمية مستقلة، وهو ما سمح له في الفترة الأخيرة بالدخول في مواجهة مع هذه الجماعة نفسها، دون أن يكلّفه ذلك ثمنا سياسيا. في المقابل، يحتفظ حزب العدالة والتنمية بعلاقته الوطيدة بجناحه الدعوي، ممثلا في حركة التوحيد والإصلاح، ويستمر البعد الدعوي الديني في شغل مساحة كبيرة في اهتمامات وخطابات قيادييه.

أهم وأكبر اختلاف يكاد يجمع عليه الباحثون، هو البرنامج والتصوّر السياسيان الواضحان لدى حزب العدالة والتنمية التركي، واللذان مكّناه من عدم تضييع فرصة الوصول إلى السلطة، وإقناع الناخبين بجدوى بقائه واستمراره من خلال النتائج الاقتصادية والتنموية الكبيرة التي حققها، بالإضافة إلى خياره الحاسم لمواجهة الفساد داخل دواليب الدولة التركية. فيما يواصل حزب العدالة والتنمية المغربي تلمّس طريقه لإيجاد الوصفة المناسبة لإقناع الناخبين، الذين صوّتوا لفائدته في انتخابات 25 نونبر، بصواب خياره القائم على التدرّج واتخاذ القرارات «اللاشعبية».

هذه منجزات أردوغان.. هل يعيدها بنكيران؟

< الفوز في الانتخابات:

 أهم وأكبر نجاحات أردوغان وحزب العدالة والتنمية التركي، هو التفوّق المتوالي على خصومه السياسيين، من قوميين وعلمانيين ويساريين. تفوّق انطلق قبل 12 عاما على المستوى التشريعي، لكن بوادره ظهرت منذ التسعينيات بمناسبة الانتخابات البلدية. التحدّي الأول الذي أمام حزب عبد الإله بنكيران لمحاولة السير على خطى أردوغان، هو تقديم نتائج ملموسة وتدبير ناجح على مستوى المجالس المحلية وتسيير المدن. تحدّ يجعل محطة الانتخابات الجماعية المقبلة أحد أكبر رهانات حزب المصباح. إلا أن النظام الانتخابي الذي أعلنت وزارة الداخلية نيتها عدم تغييره، وطبيعة اللوائح الانتخابية والعادات الانتخابية، خاصة في الدوائر الواقعة في المجال القروي، كلّها تحول دون تحقيق حزب بنكيران الاكتساح المحلّي الذي كان أول فخر لأردوغان، حيث نال حزبه الأغلبية في جلّ المدن التركية، تعبيرا عن ثقة المواطنين في حزبه وفي قدرته على تغيير حياتهم نحو الأفضل.

المؤشرات التي صدرت عن استطلاعات الرأي الأخيرة، كشفت احتفاظ عبد الإله بنكيران بقدر كبير من الشعبية، لكنه أقل مما كان عليه الحال في نونبر 2011. وبعد تأخير الانتخابات المحلية التي كان يفترض أن تتم عام 2012، وتوالي اتخاذ الحكومة للقرارات «اللاشعبية»، سيكون من الصعب رؤية تجربة مماثلة لحزب العدالة والتنمية التركي في المحطات الانتخابية المقبلة لنظيره المغربي.

 

< ترويض «الدولة العميقة»: 

رغم الأسلوب المهادن الذي اعتمده حزب العدالة والتنمية التركي في السنوات الأولى لتأسيسه تجاه المؤسسات الماسكة بزمام السلطة الحقيقية في تركيا، وهي أساسا الجيش والقضاء؛ إلا أنه، وبعد استقرار حزبه في السلطة وكسبه مزيدا من الشعبية والثقة في المحطات الانتخابية اللاحقة، شرع رجب طيّب أردوغان في تقليم أظافر الجنرالات وكبار القضاة، خاصة الحاملين لخلفيات سياسية وإيديولوجية متعصّبة للعلمانية الأتاتوركية والرافضة لوجود إسلاميين في الحكم. عمليات كبرى وغير مسبوقة من الاعتقالات والمحاكمات، قامت بها حكومة أردوغان على طول السنوات الماضية، موازاة مع تعديلات دستورية وقانونية بسطت سلطة الحكومة باعتبارها منتخبة وممثلة للشعب، على كامل المؤسسات والأجهزة التنفيذية للدولة.

معطى غير مطروح في السياق المغربي مع حزب عبد الإله بنكيران بالنظر إلى السياق الدستوري والمؤسساتي المختلف، حيث تقع مثل هذه المؤسسات الحساسة تحت السلطة المباشرة للملك. وضع لا يمنع الدور المنتظر من حزب يرفع شعار الإصلاح، خاصة في مجال إصلاح القضاء الذي باشره وزيره مصطفى الرميد منذ ثلاث سنوات تقريبا. إصلاح يبدو أن حكومة بنكيران تبذل فيه الجهد الكبير، خاصة مع توالي قرارات تأديب وفصل القضاة المرتشين. إلا أن الإصلاح الأكبر المنتظر هو الذي يتعلّق بالنصوص القانونية الجديدة، التي ستكون السنة التشريعية المقبلة موعدا لها.

 

< محاربة الفساد: 

خلال الحملة الانتخابية للعام 2011، رفع حزب العدالة والتنمية المغربي شعار: «صوتك فرصتك ضد الفساد». وركّز الحزب كثيرا، في سجالاته وخرجاته التواصلية، على حتمية الشروع في حرب شاملة ضد الفساد ومظاهره، بمجرّد منحه الثقة الشعبية لقيادة الحكومة، إلا أنه وبتعيين عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة، بدأ هذا الشعار يخفت تدريجيا، مفسحا المجال لشعار آخر هو: «عفا الله عما سلف». العبارة الأخيرة واجه بها بنكيران صحافي الجزيرة أحمد منصور خلال لقاء تلفزيوني، مشدّدا على أنه لن ينخرط في «مطاردة الساحرات».

العدالة والتنمية المغربي كان في فترة حكمه الأولى، وقبلها سنوات المعارضة، يستشهد بما قاله رجب طيب أردوغان في حوار تلفزيوني حول السرّ وراء نجاحه الباهر في الاقتصاد وتحقيق التنمية. أردوغان قال: «إن الأمر بسيط، بمجرّد ما تحارب الفساد ترى التنمية قادمة». شعار كان النظراء المغاربة لأردوغان يترجمونه إلى أرقام، حيث وعدوا بنقطتين إضافيتين في معدّل النمو بمجرّد تقليص الفساد. إلا أنه وبعد محاولات جريئة في البداية، من خلال نشر لوائح حاملي رخص النقل ومقالع الرمال وغيرها من مظاهر الريع، بدأ هذا التوجّه في الانحسار، وبات رئيس الحكومة يدعو إلى التركيز على المستقبل وعدم النبش في الماضي.

 

< المعجزة الاقتصادية: 

توالي الانتصارات الانتخابية لأردوغان في الحالة التركية، لم ينبع من كاريزما شخصية وشعبية كبيرة لهذا الرجل، بل من منجزات تنموية اقتصادية ملموسة، حوّلت تركيا إلى واحدة من أكبر 16 اقتصادا في العالم. شرعية إنجاز يصر عبد الإله بنكيران على إضافة عنصر «المعقول والصراحة» إليها لتفسير النجاحات الانتخابية.

ورغم التفسيرات التي قدّمها بنكيران، قبيل تولّيه رئاسة الحكومة، لشرح المعجزة التركية، من معطيات ديمغرافية وتاريخية وجيوسياسية تفسّر نجاح التدبير الاقتصادي لأردوغان، إلا أن اللحاق بهذا الأخير في مساره الناجح يتطلّب تقديم نتائج ولو جزئية لتدبيره الحكومي تنعكس على تحسين الوضع المعيشي للمغاربة. هدف يبدو صعب المنال في السياق الحالي، حيث استغرقت الحكومة الحالية جلّ وقتها في إنقاذ صناديق مفلسة وسدّ ثقوب كبيرة في المالية العمومية، في مقابل عجزها عن تقديم دعم مالي مباشر للفئات الفقيرة، طالما وعد به حزب العدالة والتنمية. وأولى الخطوات التي سيكون على الحكومة الحالية إنجازها، هي إطلاق سراح الدعم الخاص بالأرامل، الذي صودق عليه في القانون المالي الحالي، ثم تعميم هذا النوع من الدعم على باقي الفئات الهشة. وفي حال احتفاظ إخوان بنكيران بمرتبة الصدارة في الانتخابات التشريعية المقبلة، قد تكون الجهود، التي تبذلها الحكومة حاليا في إعادة التوازن إلى المالية العمومية، مساهمة في إنتاج ثمار تنموية واقتصادية تكسبها شرعية إنجاز ملموسة.

 

< ندّية وانفتاح على الخارج: 

تعتبر السياسة الخارجية من أهم نقط الاختلاف بين حزبي العدالة والتنمية في المغرب وتركيا، فبينما تعطي هذه الأخيرة الصلاحية الكاملة في رسم توجهات الدولة الخارجية للحكومة المنتخبة، يعتبر هذا مجالا محفوظا للملك في الحالة المغربية. معطى مؤسساتي ودستوري لا يخفي الدور المطلوب من حزب العدالة والتنمية القيام به على الواجهة الخارجية، حيث مُنح حقيبة الخارجية في النصف الأول من ولايته الحكومية الحالية، وقام الوزير حينها، سعد الدين العثماني، بتحركات مكثفة وغير مسبوقة تزامنت مع شغل المغرب مقعدا في مجلس الأمن الدولي.

ورغم إخراج العثماني من الحكومة، فإن التكليفات الملكية المتوالية لرئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، لتمثيله في عدد كبير من المناسبات والمؤتمرات الدولية، وإيفاده مبعوثا شخصيا للملك إلى دول مهمة وحساسة مثل العربية السعودية، كشفت أهمية العلاقات الخارجية في دور حزب إسلامي مثل العدالة والتنمية. والتحدي الذي ينتظر من بنكيران رفعه، هو السير على خطى أردوغان، من حيث تقديم صورة منفتحة على الآخر، خاصة منه القوى الغربية، ووفي الوقت نفسه، الحفاظ على مواقف تعكس الرأي العام الشعبي ووجهة نظر قواعد الحزب. وصفة يبدو بنكيران حريصا عليها، من خلال التزامه شخصيا بالمواقف الرسمية للدبلوماسية، مع وضعه توقيعاته الرسمية على بيانات الحزب الرافضة للوضع السياسي في مصر على سبيل المثال.

 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي