لعبة «ليغو»

25 أغسطس 2014 - 20:13

 دخول تهيمن عليه الأجندة الانتخابية لسنة 2015، حيث ستوضع القوانين الانتخابية وقانون الجهة، ومن خلال هذه القوانين سنعرف هل نحن إزاء ربيع مغربي ثان، يتميز بالقطع مع أساليب التلاعب الذكي بالاقتراع والتحكم في نتائج الانتخابات قبل إجرائها، أم إن دار لقمان ستبقى على حالها، وسيظل الخطاب الرسمي في وادي التفاؤل والتبشير، والواقع في واد آخر غير ذي زرع سياسي أو ديمقراطي حقيقي…

أنا واحد من المتشائمين، وهذه حقيقة لا أخفيها، ولدي ما يبرر هذا التشاؤم السياسي من قدرة الحكومة الحالية، والدولة معها، على فتح ورش سياسي كبير لإصلاح الأحزاب والنقابات والمجالس الجماعية والجهات، وعلاقة الناس بالسياسة عموما والانتخابات خصوصا، سأشرح أكثر… 

ستجرى انتخابات جماعية بلوائح ناخبين قديمة فيها عيوب كثيرة، ثم نضيف إليها نظاما انتخابيا يتميز بأنه اسمي أكثر منه لائحي، ثم يكمل التقطيع غير المتوازن للطبخة، وتصبح المدن رهينة للبوادي وأعيانها، ثم نغمض العين عن استعمال المال والنفوذ والأعيان الذين يقرصنون الأصوات البريئة التي لا تعرف قيمة الورقة التي تضعها في الصندوق، وإذا لم نتحكم في هذه اللعبة مائة في المائة تتدخل الإدارة الترابية بوسائل ناعمة، وترشد هذا للترشح هنا وباسم هذا الحزب، وذاك للترشح هنا وباسم هذه القبيلة، وعندما تظهر اللائحة المبلقنة للأصوات المعبر عنها تبدأ الهندسة الفعلية للمجالس في المدن والقرى تماماً مثل لعبة «lego».. لديك قطع كثيرة أمامك، وتستطيع أن تركب بها ما تشاء من الأشكال والأحجام.. تستطيع أن تصنع سيارة أو زرافة أو منزلا أو تراكتورا أو حمامة… حسب رغبتك مادامت اللعبة مفتوحة.. الانتخابات على دورة واحدة، والرئيس ليس ضروريا أن يكون من الأغلبية.. أساسا لا توجد أغلبية في هذا النظام الذي يشتت الأصوات بين حزبي وشبه حزبي ومستقل بلا لون ولا طعم، ثم هناك الأعيان الذين يلعبون دور الجوكير في لعبة الورق، ويحلون مكان أي رقم تريده السلطة… 

في هذا المشهد بنكيران وحكومته لا يملكان أوراقا كثيرة يلعبانها، والمقاعد الوزارية عوض أن تقوي موقعهم التفاوضي مع الدولة، ممثلة في وزارة الداخلية، العكس هو الذي حدث.. الكراسي الوزارية أصبحت عائقا ونقطة ضعف، ومكسبا يجب الحفاظ عليه والتفاوض المستمر حوله، والتنازل غير المنتهي من أجله…

لا توجد في المغرب سوى أربعة أو خمسة أحزاب حقيقية يمكن أن تحمل هذا الاسم، مع الكثير أو القليل من التحفظ.. الباقي دكاكين سياسية ونوادٍ تفتح أبوابها مرة كل أربع سنوات تبحث عن الأعيان والأغنياء وتجار الانتخابات، تمنحهم ألوانها، وتعيد بيعهم للدولة باسم الحفاظ على لعبة التوازن بين الأحزاب، حتى تبقى اليد الطولى للدولة في السياسة والحكومة والبرلمان وباقي المؤسسات. وحتى لا تقع أي مفاجآت، يتم تحصين هذا النظام الانتخابي بعدة متاريس حسب الظروف والأحوال. وفي كل مرة تظهر عيوب هذا النظام، تجري له الدولة عملية جراحية، وتركب له أعضاء اصطناعية ليشتغل على المنوال نفسه. آخر هذه الأعضاء كان حزب «البام» الذي جاء لمهمة محددة وهي مواجهة حزب العدالة والتنمية لأنه مرشح ليصير حزبا كبيرا بسبب ضعف وترهل باقي الأحزاب، وهذا خطر على لعبة التوازن. مرة أخرى يجب أن تبقى الأحزاب، صغيرها وكبيرها، في علبة معروفة الحجم، فللبلد أصحابه، وللسياسة قواعدها، وللانفتاح حدوده…

لم ينجح، إلى الآن، حزب العدالة والتنمية، وقبله حزب الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال، في إقناع الدولة بأنها يمكن أن تربح مع الديمقراطية أكثر مما ستخسره من سلطة.. مع الديمقراطية تربح الاستقرار والتنمية، ومع السلطوية تربح السلطة الواسعة والقرار النافذ، لكنها سلطة مهددة هشة، إذا هبت الريح تزعزعها، وإذا غضب الشارع يقلق راحتها… 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي