المغرب وفرنسا.. إلى أين؟

14 سبتمبر 2023 - 12:00

سليمان الزوير

لم يستسغ الإعلام الفرنسي رفض المغرب للمساعدات التي اقترحتها فرنسا للتخفيف من آثار الزلزال المدمّر الذي ضرب منطقة الحوز بالمغرب يومه الجمعة الثامن من شهر شتنبر 2023، واعتبرت منابر إعلامية عديدة القرار ازدراء وإهانة لفرنسا، وذهبت التصريحات والتحليلات في ذلك مذاهب متعددة، لكن الجميع يقر على أن التوتر الظرفي الذي تعرفه العلاقات المغربية الفرنسية قد يكون سببا مباشرا وراء هذا القرار، الذي اعتبرته صحيفة « لوبوان » علامة على توتر العلاقات بين البلدين، واعتبرته « لوباريزيان » دليلا على عمق التوترات، فيما كتبت صيفة « ليزيكو » أن القرار ازدراء واضح لفرنسا. ونحت العديد من القنوات و المواقع الالكترونية الفرنسية نفس المنحى، بل تجاوزته للمس بكرامة المغرب والمغاربة من خلال الاستهزاء بالقرار إما بتصريحات لشخصيات عمومية هنا وهناك عبر القنوات التلفزيونية، أو بالتعبير عبر الرسومات الكاريكاتيرية.

وصرح المؤرخ الفرنسي « بيير فيرميرين » أن اختيار الرباط الاستغناء عن باريس يمثل علامة واضحة على البرود الديبلوماسي بين البلدين. ورغم أن المغرب استند في عدم قبوله لجميع الطلبات على رغبته في تفادي الفوضى التي يمكن أن تنجم عن حضور كل هذا الكم من فرق الانقاذ وما يمكن أن يسببه من صعوبة في التنسيق بينها، وهو الأمر الذي أكدته عضو الاتحاد الدولي للصليب الأحمر « كارولين هولت » من أن: « أحد أسوأ الأشياء التي يجب القيام بها في وضع فوضوي بالفعل، هو إحداث مزيد من عدم اليقين والفوضى المحتملة، من خلال فتح الأبواب ودخول الجميع »، فإن صحافة فرنسا ونخبها لم يتقبلوا الأمر واعتبروه استغناء مغلفا بالازدراء لدولة تعتبر نفسها أحق بالتدخل في بلد تعتبره حديقتها الخلفية.

العديد من الدول الأوروبية وغير الأوروبية لم يستجب المغرب لطلبها في مد يد المساعدة، لكن ردود الفعل لديها كانت عادية أو عادية جدا، فألمانيا صرحت أنها لا تعتقد أن قرار رفض المغرب المساعدة مدفوع بأسباب سياسية، وصرح وزير الخارجية الإيطالي، « أنطونيو تاياني »، لإذاعة « آر.تي.إل » أن الرباط اختارت تلقّي المساعدات من الدول التي تربطها بها علاقات وثيقة فقط. في حين أن ردة فعل الإعلام الفرنسي كانت قوية لدرجة تجاوزت معها حدود اللياقة وما يفرضه الفعل الديبلوماسي.

ولفهم ردة الفعل الفرنسية هاته لا يكفي أن نرجع إلى التوتر الذي عرفته العلاقات في الشهور الأخيرة، بل ينبغي أن نغوص أكثر في فهم الفرنسي بصفة خاصة لحدود علاقاته مع الدول التي كانت تستعمرها دولته، وتخوفاته العميقة من انقلاب الوضع في غير صالح الدولة الفرنسية، ولا بأس أن نعرج على الانقلابات التي حدثت مؤخرا في بعض هذه الدول خاصة بوركينافاسو وغينيا الاستيوائية، والتوسع المحتمل لدائرة الكره في إفريقيا وتمدده لكل ما هو فرنسي.

الإعلام الفرنسي يعتبر أن حدثا بسيطا كرفض طلب تقديم يد المساعدة، من طرف دولة من حجم المغرب قد يعطي زخما إضافيا لما يحدث بإفريقيا، وقد يعتبره الأفارقة دعما غير مباشر لتوجهاتهم ضد فرنسا، وإضافة نوعية لتحالف إقليمي غير مصرح به؛ وهو ما يفسر الخروج الفوري للرئيس الفرنسي بتصريح عقب قرار الرفض، حاول فيه تدارك الأمر: « من الواضح أنّه يعود إلى جلالة الملك والحكومة المغربية، بصورة سيادية بالكامل، تنظيم المساعدات الدولية، وبالتالي نحن بتصرف خيارهما السيادي ». ويحمل رسائل إلى الإعلام الفرنسي: « أود من كل السجالات التي تفرق وتعقّد الأمور في هذا الوقت المأساوي للغاية أن تصمت، احتراما للجميع ».

هل يمكن أن نستنتج أن العلاقات المغربية الفرنسية قد تدخل بشكل رسمي إلى نفق التوتر في القابل من الأيام؟

الجواب على هذا السؤال يفرض الإجابة قبل ذلك على ماهية هذه العلاقة؛ وما هي المعطيات المتوفرة لفهم أبعادها التاريخية ومساراتها ومآلاتها والقوى المتحكمة فيها؟

إذا كانت المسارات و الأبعاد التاريخية معروفة ومفهومة، فإن القوى المتحكمة في هذه العلاقة تتجاوز ثنائية مغربي-فرنسي، سواء على مستوى العلاقات السياسية الواردة والتي تتضمن العلاقات مع الاتحاد الأوربي، أو الصادرة والتي لا يمكن الجزم بأن المغرب يملك القرار النهائي حولها، وهو ما يحتم صعوبة التنبؤ بالمآلات التي ستكون عليها هذه العلاقة في المستقبل سواء بالسلب أو الإيجاب، في ظل التقاطب الحاد بإفريقيا بين قوى عظمى متعددة، لا سيما الولايات المتحدة وروسيا والصين. هذا التجاذب الاستراتيجي تتحكم فيه المصالح الاقتصادية، ومحاولة القوى المذكورة إعادة ترتيب الأوراق بالمنطقة، على اعتبار أن فرنسا تستأثر بثروات مناطق كثيرة بإفريقيا منذ القرن الماضي، وللحد من هذا الاستئثار المجحف في نظر القوى العظمى، لا بد من تسخير بعض القوى المحلية لخلخلة التوازنات الكلاسيكية، والمغرب يعتبر دوره محوريا في هذه العملية.

إن استثناء فرنسا من قبول طلبات المساعدات التضامنية يعتبر حدثا مهما قد تكون له تداعيات على العلاقات المغربية الفرنسية، خاصة مع قبول طلب دول أخرى مجاورة كبريطانيا واسبانيا، من حيث كونه -كما عبر المؤرخ الفرنسي « بيير فيرميرين »- استغناء وليس رفضا، وكلمة استغناء منتقاة بشكل دقيق جدا، فلم يحدث منذ الاستقلال أن تم استبعاد فرنسا بهذا الشكل الفاضح. إذا أضفنا هذا الحدث إلى المشاكل الجيوسياسية، والتجاذبات الديبلوماسية، أو الضغوط الدورية من هنا أو هناك التي تفرضها إما الأوضاع الحدودية منذ الاستعمار المباشر، التي لا يراد لها أن تعرف الحل كملف الصحراء الذي يعتبره المغرب النظارة التي ينظر بها إلى العالم، فيما تقف فرنسا إزاءه موقف المشدوه الذي لا يعرف كيف يتصرف: هل يساند موقف الحكم الذاتي في الصحراء الذي يقترحه المغرب كحل وحيد للملف، كما فعلت اسبانيا ودول أخرى، أو يدعم الجزائر في موقفها الثابت الذي تقايض به الغاز بالموقف من الصحراء المغربية. أو تصويت البرلمان الأوروبي الذي تبنّى في يناير من هذه السنة، قرارا غير ملزم للمفوّضية انتقدت تراجع حرية التعبير بالمغرب، واتهم المغرب بخصوصها فرنسا بالوقوف وراءها. وكذلك مسألة التأشيرات وقبلها قضية بيغاسوس، هذا عدا المتابعات القضائية والحملات الإعلامية.

كل هذه الأحداث والمعطيات الميدانية مجتمعة لا يمكن أن تكون سببا حقيقيا في التوتر العميق المفترض للعلاقات المغربية الفرنسية، قد تكون لها تداعيات على المدى القريب، يمكن تجاوزها بكل بساطة عند أول منعطف سياسي إيجابي، لكن على المدى المتوسط أو البعيد فهذه العلاقات ستبقى صامدة، ليس لأنها علاقات مبنية على الندّية الاقتصادية والمصالح الاستراتيجية المشتركة، لكن لاعتبارات أخرى لها علاقة من جهة بمجالات وامتدادات علائقية ثنائية لا يمكن حصرها في الاقتصاد والسياسة، بل تتجاوزها إلى العلاقات الثقافية والأكاديمية وبين النخب. ومن جهة أخرى بالتوازنات الدولية التي تعتبر فيها العلاقة الإيجابية بين المغرب وفرنسا ضرورية لتجاوز الكثير من المطبّات الإقليمية.

 

شارك المقال

شارك برأيك

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

التالي