« مصالحة ».. برنامج أطلقته المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، من أجل تأطير نزلاء المؤسسات السجنية المدانين في إطار قضايا التطرف والإرهاب.
هي تجربة فريدة من نوعها تختلف عن كل ما سبقها وطنيا ودوليا، لأنها وفق المشرفين عليها، متكاملة الأبعاد ومتعددة الأهداف والاختصاصات.
تجربة وضعت في المقام الأول، تحقيق مصالحة بين ضحايا الفكر المتطرف والنص الديني، لتعزيز بناء جسور العيش المشترك، ومكافحة خطاب الكراهية ونشر ثقافة الحوار.
من خلف القضبان، التقى « اليوم 24 » سجناء مدانين في قضايا الإرهاب والتطرف، منهم من يواجهون عقوبة السجن المؤبد، للتقصي في تجاربهم مع « مصالحة »، وذلك في إطار « برنامج زمالة الصحافة للحوار » لتعزيز بناء جسور العيش المشترك، ونشر ثقافة الحوار في وسائل الإعلام، بتأطير ودعم من مركز الحوار العالمي (كايسيد).
ضيوفنا من خلف القضبان
تتراوح أعمارهم بين 28 و64 سنة، أربعة مدانين في قضايا الإرهاب، التقيناهم خلف القضبان، ليحكوا لنا تجاربهم، أكبرهم جمال، ذو الـ64 سنة، محكوم بثلاثين سنة على في إثر اعتقال خلية إرهابية، صدر الحكم على أعضاءها سنة 2008، يقول إنه أدين بالانتماء لخلية إرهابية لديها أسلحة وتهدد النظام العام ونظام الدولة.
أصغر الأربعة الذين التقيناهم، ينحدر من مدينة الناظور، وأدين بـ8 سنوات ابتدائيا ثم 7 سنوات في الاستئناف.
أما طه فيبلغ الآن من العمر 40 سنة، يقول إنه اعتقل سنة 2004، حين كان عمره 21 سنة، مشيرا أنه أدين بالسجن المؤبد في قضايا الإرهاب والتطرف، وقضى حتى الآن في السجن قرابة 19 سنة، ونال خلال مرحلة الاعتقال شهاديتين للباكالوريا و4 شهادات للإجازات.
وأخيرا، كان اللقاء أيضا مع معتقل في الأربعينيات من عمره، أدين أيضا بالسجن المؤبد، قضى منها حتى الآن 19 سنة.
كيف وقعوا في مستنقع الطرف؟
البرنامج الذي يقوم على الطواعية، حسب القائمين عليه، لقي تجاوبا كبيرا من طرف السجناء المستفيدين، وتطورا ملحوظا بخصوص تمثل الذات، وفهم استيعاب الدرس الديني ومقاربة القيم الصحيحة.
وتقول المندوبية، إن « مصالحة » هو امتداد للإجراءات والمبادرات التي تقوم بها الدولة، في إطار مكافحة الإرهاب، من خلال استراتيجية مندمجة ومتعددة الأبعاد، لم تغفل أهمية تأهيل المعتقلين المحكوم عليهم في إطار قانون مكافحة الإرهاب.
يقول جمال في حديث مع « اليوم 24″، إن هناك سياق تاريخي لاعتقاله، مضيفا، « مشكلتي هي الانتماء لحزب ثوري أو يدعي ذلك، والانتماء للحركة الثورية ذات المرجعية الدينية، وهذه المسألة كانت نتيجة علاقات نسجتها حين كنت أدرس في أوروبا، حيث وقعت في فوضى وكنت أنتظر أحدا يخلصني من الواقع الذي كنت فيه، وحين لا تجد ترتمي في أحضان أي جهة أو شبكة بحسب الرصيد الثقافي للشخص ».
يضيف المعتقل في قضايا الإرهاب والتطرف، « أنا كنت في ألمانيا بعدها انتقلت إلى بلجيكا حيث واجهت ضغوطات وعراقيل ولم أستطع أن أواكب وأثبت ذاتي، حيث التقيت مجموعة من الأشخاص اعتنقت أفكارهم، فرجعت للمغرب، من بعد بدأت أسأل نفسي وأحاول أن أراجعها، وفي 2007 حين اعتقلت خلية إرهابية في الشرق وذكر اسمي بحكم علاقاتي القديمة مع أعضاء الخلية، واتهمنا بزعزعة استقرار البلاد ».
أما أصغر من التقينا من معتقلي الإرهاب والتطرف، فيتذكر أنه خرج من مرحلة الطفولة، قبل ثلاث سنوات من الاعتقال، مضيفا، « من الصعب أن تقول أنني كنت ناضج فكريا، هناك حماس الصغار وأفكار متطرفة، قبل مجيء برنامج مصالحة، عرفنا أن المدخل الذي تسرب إلينا منه الفكر المتطرف هو الجهل، فأول ما بدأنا به هو التحصيل العلمي عن طريق الدراسة، الحمد لله كلما تقدمنا في السن إلا ونزداد نضجا ».
ويرى طه، أنه كان شابا عاديا يدرس في الكلية قبل أن « يتأثر بالربيع العربي ومواقع التواصل الاجتماعي »، مسترسلا، « حاولت أن أعرف مستجدات ما يقع في العالم، فكنت أدخل إلى مواقع إلكترونية مشبوهة، فإذا بي انبهرت بفئة كان يظهر لي بأنها هي التي تدافع عن المسلمين، وتعاطفت معها، وتحول التعاطف مع هذا التيار المتطرف إلى الإعجاب ثم إلى الإشادة، إلى أن وجدت نفسي غارق مع تيار التطرف ».
أما المعتقل الثالث المدان بالمؤبد، فيقول، « الأفكار التي كنا نعتنقها قبل الاعتقال ليست هي نفسها بعد الاعتقال، وليست نفسها بعد التحول الذي طرأ لنا بعد الاستفادة من برنامج مصالحة »، مؤكدا أنه « كانت هناك أفكار متطرفة وأفكار تمتح من التأويل العنيف للدين، كنا نسمع لعض شيوخ السلفية الجهادية، كانوا يدعون إلى هذا الفكر في المساجد وفي اللقاءات، بينما لم نكن نملك المعرفة الدينية الصحيحة، فاعتنقنا بعض الأفكار المتطرفة ».
فكرة برنامج « مصالحة »
يقول مولاي ادريس أكلمام، مدير العمل الاجتماعي بالمندوبية العامة للسجون، إن « برنامج مصالحة هو برنامج تأهيلي إدماجي، ما يميزه عن باقي البرامج التأهيلية والإندماجية، التي توفرها المندوبية العامة لإدارة السجون، لكافة المعتقلين بمن فيهم المعتقلين المحكومين في قضايا الإرهاب والتطرف، وهو أنه موجه بصفة حصرية لهذه الفئة، فئة التطرف والإرهاب ».
وأوضح أكلمام في حديث مع الموقع، أن « مصالحة » هو « برنامج مغربي خالص، تمت بلورته باعتماد مقاربة تشاركية بين المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج ومجموعة من الشركاء وكذلك الخبراء، وهو يتميز عن باقي التجارب المماثلة التي نظمتها بعض الدول، بكونه يرتكز على الطواعية، أي أن السجناء من يقدموا طلبات الاستفادة من البرنامج ».
وأوضح المسؤول بإدارة السجون، أنه من « الممكن اعتبار برنامج مصالحة كذلك، كامتداد للإجراءات والمبادرات التي تقوم بها الدولة في إطار مكافحة الإرهاب وهي استراتيجية مندمجة ومتعددة الأبعاد، دون إغفال جانب تأهيل المعتقلين المحكوم عليهم في إطار قانون مكافحة الإرهاب ».
من جهة أخرى، يقول عبد الرزاق روان، خبير في مجال حقوق الإنسان وعضو في لجنة مناهضة التعذيب بالأمم المتحدة، في حديث مع « اليوم 24″، إنه « لا يمكن إلا الإشادة بهذا البرنامج المتميز جدا، والذي يستفيد منه السجناء المحكومون في قضايا الإرهاب، وهو متنوع، ومن شانه أن يساهم في مراجعة عدد من السجناء لأفكارهم المتطرفة، مما يؤهلهم إلى إعادة الاندماج مجددا في المجتمع ».
وأضاف الخبير المغربي، « الهدف نبيل جدا وهو مساعدة عدد كبير من السجناء الذين أبانوا عن استعدادهم لمراجعة أفكارهم السابقة المتطرفة في الاندماج مجددا في الحياة العادية والمجتمع، ومساهمتهم كمواطنين في خدمة بلدهم ».
بين الأحلام والأوهام
بين الأحلام والأوهام، كانت تتم عملية استقطاب الشباب بدعوى الحاجة لتطبيق شرع الله، حتى وإن كانوا جاهلين بتطبيق شروط القاعدة الشرعية، التي تتطلب الإلمام بالوقائع والإحاطة بالرؤية الكلية والمقاصدية ثم اكتساب المهارات والكليات.
يقول « جمال » المدان بـ30 سنة في قضايا الإرهاب والتطرف، إن « برنامج مصالحة هو شيء جميل »، مضيفا، « حين جاء البرنامج استطعنا أن نفهم ونستوعب الكثير من الأمور، وأدركنا الخطأ الذي ارتكبناه ».
وأوضح « جمال »، أن الذين اختاروا مسارا معينا في حياتهم تغيرت قناعاتهم باستفادتهم من برنامج « مصالحة ».
ويؤكد أصغر من التقيناهم من المدانين في قضايا الإرهاب والتطرف، أنه « طرح وزملاءه كل أفكار التطرف للمناقشة والحوار »، مضيفا، « استطعنا أن نصحح مجموعة من الأفكار ».
وشدد المتحدث على أهمية « التكامل بين المقاربات لمحاربة الفكر المتطرف، والتحصين التام من أي فكر دخيل، ولا يمكن لأي أحد أن يتأثر بالفكر المتطرف إن استفاد من برنامج مصالحة ».
من جهته يقول طه، إنه منذ أن اعتقل بدأ يطرح السؤال عما إن كان على حق أم باطل، مضيفا، « شاركت في برنامج مصالحة وهو برنامج مكنني من التصالح مع ذاتي ومع المجتمع، وفتح أعيننا على تصورات نبيلة تنبني على قيم الانفتاح والتسامح واكتساب المعارف ».
ويمضي طه قائلا، « كانت عندنا تصورات خاطئة، ترى تكفر النظام الذي لا يحكم بالشريعة، وبدأن نناقش ما نعتقده صوابا، إلى أن عرفنا بقيم الدين الإسلامي وعرفنا أحكامه والتفسير الصحيح للدين الإسلامي، وصححنا مفاهيم الوسطية والاعتدال، وتراجعنا عن الأخطاء التي ارتكبناها في الماضي ».
وأخيرا، يتذكر مدان بالمؤبد ما غيره برنامج « مصالحة » في حياته، وقال، « ما صححه برنامج مصالحة أهلنني أن أتابع دراستي في سلك الماستر في تخصص الدبلوماسية الدينية، واخترت نفس الموضوع الذي اعتقلت بسببه وهو الإرهاب، فكتبت رسالة حول الاستراتيجية المغربية في مكافحة الإرهاب ».
أثر « مصالحة »
يرى مولاي ادريس أكلمام، مدير العمل الاجتماعي بالمندوبية العامة للسجون، أن برنامج « مصالحة » ساهم بشكل كبير في إدماج السجناء، مضيفا، « أولا، في تصحيح مجموعة من الأفكار لدى هؤلاء السجناء وكذلك فتح أعينهم على المجتمع بجميع مكوناته وبجميع ما تقدمه الدولة لمواطنيها في إطار حقوق المواطنة، سواء في الجانب الاقتصادي والحقوقي والقانوني، حيث تنظم الحياة داخل المجتمع ».
وأوضح المسؤول في إدارة السجناء، أن « هناك مجموعة من المعتقلين الذين استفادوا من هذا البرنامج، واستطاعوا الاندماج في المجتمع بصفة عادية وسلسة، منهم من قام بمبادرات شخصية وأصبحت له مقاولة ذاتية، ومنهم من اشتغل ببعض المؤسسات مثل الرابطة المحمدية للعلماء، التي هي شريك في البرنامج مع المندوبية العامة لإدارة السجون ».
من جهة أخرى، يرى المصطفى رزرازي، عضو اللجنة المشرفة على برنامج مصالحة ورئيس المرصد المغربي حول التطرف والعنف، أن « برنامج مصالحة لعب دورا مهما في دعم المشاركين نحو إزالة الراديكالية والتخلي عن الفكر المتطرف ».
وأضاف المتحدث في حديث مع « الموقع »، « البرنامج لا يركز على الجانب الديني فقط، هو مهم طبعا لكن هناك جوانب أخرى، منها التثقيف القانوني والحقوقي والمصاحبة النفسية بالإضافة إلى مصاحبة المستفيدين من أجل امتلاك حرف أو وسائل للعيش الكريم بعد مغادرة السجن ».
وتحدث رئيس المرصد المغربي حول التطرف والعنف، عن وجود « أنشطة موازية أخرى مثل البستنة وأنشطة فكرية وأيضا المناظرات التي تعتبر أنشطة مميزة عالميا، بحيث أنه يتم مصاحبة هؤلاء المشاركين إلى بناء فكر متطرف وهدمه ».
ندم على ما مضى
وبنبرة ندم على ما مضى وأخرى يطبعها التفاؤل بما هو قادم، يتحدثون عن اعتقادهم بعد اعتقالهم باستحالة العودة من جديد للاندماج في المجتمع، غير أن مشاركتهم في برنامج « مصالحة »، غيرت كثيرا من تصوراتهم.
يقول جمال إن « الإنسان يضع نفسه في ميدان ليس من اختصاصه، لم يكن علي أن أقوم بذلك، المسؤولون يقومون بدورهم، ما كان علي أن أقوم بما يجب عليهم أن يقوموا به ».
ومضى جمال المحكوم بالسجن ثلاثين سنة قائلا ومعبرا عن ندمه، « لا يمكن أن أنصب نفسي في منصة للعلم بما في ذلك العلوم المادية، أو أن أقوم بخطوة ستضرني ومحيطي ».
سجين آخر ممن التقيناهم، قال أيضا في نفس الشياق، « الإنسان حين يكون في فكر ضال وينتقل إلى فكر الوسطية والاعتدال يحس وكأنه مات ثم حيا من جديد »، مضيفا، « أنا فعلا نادم على أشياء كثيرة، نادم على أي شيء اقتنعت به يدعو إلى غير الوسطية والاعتدال ».
نفس شعور الندم عبر عنه معتقل في الأربعينيات من عمره، أدين أيضا بالسجن المؤبد، قضى منها حتى الآن 19 سنة، وقال، « أكبر خطأ ارتكبته هو أنني منحت عقلي للآخر، فحين تعطي عقلك للآخر ويملأه بما يريد في سياق آخر وليس السياق الحالي الذي نملك فيه الحجة، بينما الذي لا يملك الحجة سيترك المجال لأي شخص ليؤثر فيه ويستقطبه لأمور خطيرة جدا ».
حصيلة « البرنامج » في أرقام
بالنسبة للحصيلة، وبلغة الأرقام، يقول مولاي ادريس أكلمام، مدير العمل الاجتماعي بالمندوبية العامة للسجون، « البرنامج هو الآن في دورته العاشرة، واستفاد منه لحد الآن 239 نزيلا، من ضمنهم 10 نزيلات، ويمكن القول أن هذا البرنامج يتميز عن باقي البرامج المعتمدة في الدول الأخرى، ونتائجه كانت جد إيجابية، والمؤشرات الدالة على نجاحه كون 68 بالمائة من المستفيدين من البرنامج، استفادوا أيضا من العفو الملكي، وهذا من ضمن مؤشرات نجاح البرنامج ».
ومن مؤشرات النجاح وفق المسؤول، « استفادة عدد من الأشخاص من المشاريع المدرة للدخل، بمواكبة من مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، حيث استطاعوا الانخراط الإيجابي والسلس في النسيج الاجتماعي والاقتصادي ».
وتحدث المدير المسؤول عن « انخراط المعتقلين، ممن أفرج عنهم أو من لازالوا قيد الاعتقال، في نشر ثقافة الاعتدال وتفكيك الخطابات المتطرفة، كما لوحظ تطور على مستوى تمثيل الذات وفهم واستيعاب النص الديني ومقاربة القيم المجتمعية الصحيحة ».