شرعت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، الثلاثاء الماضي، في دراسة مشروع القانون التنظيمي رقم 35.24، المتعلق بشروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون، وذلك تنزيلا للفصل 133 من الدستور، الذي نص على هذه الآلية قبل 15 سنة.
ويتيح هذا القانون التنظيمي، المكون من 31 مادة، لأطراف القضايا المعروضة أمام محاكم المملكة، الدفع بعدم دستورية المقتضيات القانونية السارية المفعول، التي يعتبرون أن تطبيقها عليهم سيؤدي إلى خرق أو انتهاك حق من الحقوق، أو حرية من الحريات التي يضمنها لهم الدستور.
ويعد هذا المشروع القانوني الثالث من نوعه الذي يسعى المغرب من خلاله إلى تنظيم آلية الدفع بعدم دستورية القوانين، إذ سبق أن تقدمت حكومة سعد الدين العثماني بمشروع القانون رقم 86.15 سنة 2018، وقضت المحكمة الدستورية بعدم مطابقة عدد من مقتضياته للدستور، لتعمد حكومة عزيز أخنوش إلى إحالته مجددا، بعد التعديل، على البرلمان سنة 2023، لتقضي المحكمة الدستورية آنذاك بعدم دستورية الإجراءات المتبعة في إقراره، إذ لم يتم عرضه للمصادقة بالمجلس الوزاري.
وفي خضم المسار التشريعي لمشروع القانون التنظيمي الجديد، تثار تساؤلات حول أهمية آلية الدفع بعدم دستورية القوانين بالنسبة للمواطن العادي، وطبيعة الإجراءات التي يفرضها القانون لتفعيل هذه الآلية، إلى جانب أبرز الملاحظات التي أثيرت بشأن الصيغة الحالية لمشروع القانون التنظيمي رقم 35.24.
أهمية مزدوجة
يكتسي مشروع القانون التنظيمي رقم 35.24، وفق الباحث في القانون العام بلال لمراوي، أهمية مزدوجة؛ تتجلى في حماية الدستور من جهة، وحماية حقوق وحريات المواطنين والمواطنات من جهة ثانية.
وأوضح لمراوي، في تصريح لموقع « اليوم24″، أن إقرار آلية للدفع بعدم الدستورية « من شأنه أن يمنح للدستور، باعتباره تعبيرا عن فلسفة الدولة وتوجهاتها، حصانة ضد كل مقتضى قانوني غير دستوري يتجاوزه ».
وأضاف المتحدث أن هذه الآلية ستساهم أيضا في « ضمان الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور للمواطنين والمواطنات الذين يلجؤون للقضاء »، مستدركا أن « المشكل يكمن في ضعف الثقافة القانونية لدى المواطن العادي، مما قد يحول دون إقدامه على مخاصمة النصوص القانونية التي تخالف الدستور ».
وخلص لمراوي إلى أن « هذا القانون التنظيمي مهم وأساسي في تطور الديمقراطية ببلدنا، لكن من سيمارسه هم فقط النخبة المتتبعة، خصوصا في بعض المنازعات ذات الطابع الانتخابي »، مردفا أن « القوانين تحتاج لمواطن متشبع بقيم المواطنة لتجد البيئة المناسبة لبسط سيادتها ».
كيف يتم الدفع بعدم الدستورية؟
يتيح مشروع القانون التنظيمي رقم 35.24 إمكانية الدفع بعدم دستورية المقتضيات القانونية، وفق المادة 2، لكل مدع أو مدعى عليه في قضية معروضة على المحكمة، وكل متهم أو مطالب بالحق المدني أو مسؤول مدني، وكذا للنيابة العامة في الدعوى العمومية أو في القضايا المدنية التي تكون فيها طرفا أصليا أو منضما.
ويمكن للأطراف السالفة الذكر، حسب المادة 3، إثارة الدفع بعدم الدستورية أمام مختلف محاكم المملكة، وكذا أمام المحكمة الدستورية مباشرة بمناسبة البت في الطعون المتعلقة بانتخاب أعضاء البرلمان، في حين لا يمكن تفعيل هذه الآلية بمحكمة النقض إلا في الحالات التي ينعقد لها فيها الاختصاص كمحكمة موضوع.
وتلزم المادة 4 الأطراف المعنية بضرورة إثارة الدفع بعدم الدستورية بواسطة مذكرة كتابية، تقدم بصفة مستقلة، وتحمل توقيع محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض، ويؤدى عنها رسم قضائي، وتتضمن المقتضى التشريعي موضوع الدفع، إلى جانب الحق أو الحرية موضوع الخرق أو الانتهاك.
وتتولى المحكمة التي قدمت إليها المذكرة، وفق المادة 5، التأكد من استيفائها للشروط السابقة داخل أجل أقصاه ثمانية أيام، مع منح إمكانية لمثير الدفع لتصحيح مسطرة الدفع داخل أجل أربعة أيام، قبل أن تصدر قرارها النهائي، الذي يكون مبررا وغير قابل للطعن.
وفي حالة استيفاء الدفع للشروط المطلوبة، تصدر المحكمة التي أثير أمامها مقررا بقبوله، تحيله مرفقا بمذكرة الدفع إلى محكمة النقض داخل أجل ثمانية أيام، لتتأكد هذه الأخيرة، حسب المادة 9، من وجود صلة بين المقتضى التشريعي المطعون فيه والحق أو الحرية موضوع الخرق، وألا يكون قد سبق البت في مطابقة ذلك المقتضى للدستور إلا إذا تغيرت الأسس التي بني عليها القرار السابق.
وداخل أجل 15 يوما، تصدر محكمة النقض مقررا معللا يبلغ إلى المحكمة التي أثير أمامها الدفع، وتتولى في حالة توفر الشرطين السابقين، إحالة مذكرة الدفع إلى المحكمة الدستورية خلال نفس الأجل السابق، لتباشر هذه الأخيرة مسطرة دراسة الدفع، قبل أن تصدر قرارها النهائي، الذي يتم تبليغه إلى محكمة النقض، وإلى المحكمة التي أثير أمامها الدفع، إلى جانب الملك، ورئيس الحكومة، ورئيسي مجلسي البرلمان، فضلا عن نشره في الجريدة الرسمية.
وحسب المادة 27 من مشروع القانون التنظيمي، فإن صدور قرار بعدم دستورية مقتضى تشريعي يؤدي إلى نسخه ابتداء من تاريخ تحدده المحكمة الدستورية، طبقا لأحكام الفصل 134 من الدستور، دون ترتيب أي مسؤولية على الدولة عن تطبيق النص قبل نسخه.
ملاحظات ونقاط خلافية
سجل « نادي قضاة المغرب » عددا من الملاحظات حول المقتضيات القانونية الواردة في مشروع القانون التنظيمي 35.24، وذلك في مذكرة أصدرها بمناسبة عرض المشروع على أنظار لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب.
ويعد المقتضى الوارد في المادة 4، والذي ينص على إلزامية توقيع محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض على مذكرة الدفع بعدم الدستورية، أحد أكثر المقتضيات إثارة للجدل، إذ اعتبر النادي في مذكرته أن فيه « حرمان لفئة عريضة من المحامين من الحق في إثارة الدفع المذكور نيابة عن موكليهم »، فضلا عن كونه يحول دون إمكانية إثارة الدفع مباشرة من طرف المواطنين.
واعتبر الإطار المهني ذاته أن أجل 4 أيام، المنصوص عليه في المادتين 5 و18 لإنذار الطرف بإصلاح مسطرة الدفع، « يخالف الآجال المحددة في قانون المسطرة المدنية، وغير كاف خاصة بالنسبة للمحاكم ذات الدائرة القضائية الشاسعة؛ كالمحكمة الدستورية ومحاكم الاستئناف الإدارية والتجارية ».
وإلى جانب ما سبق، انتقد « نادي القضاة » تنصيص المادة 27 على عدم مسؤولية الدولة عن إصدار تشريعات غير دستورية، معتبرا أن في ذلك « تناقض مع المبادئ الدستورية التي تربط المسؤولية بالمحاسبة وتجعل من التقاضي حقا دستوريا بدليل الإقرار الصريح بالتعويض عن الخطأ القضائي ».
وطالب النادي، بإصدار القانون التنظيمي المذكور في أقرب وقت ممكن، مع التنصيص على دخوله حيز التنفيذ « خلال أجل معقول من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية ودون أي تأخير »، وذلك تعليقا على المادة 31 من مشروع القانون التنظيمي، التي نصت على أن هذا الأخير لا يدخل حيز التنفيذ إلا بعد 24 شهرا من صدوره بالجريدة الرسمية.