دخل مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول مرحلة حاسمة بإحالته على مجلس النواب، غير أن هذه الخطوة التشريعية فجّرت موجة غير مسبوقة من الاحتقان داخل المهنيين، الذين يرون أن المشروع في الصيغة الحالية يشكل « تهديدا مباشراً لمكانة المهنة داخل منظومة العدالة، ومسّاً بمكتسبات تاريخية راكمها العدول عبر عقود من الممارسة ».
ورغم تقديم الحكومة للمشروع باعتباره مدخلاً لتحديث الإطار القانوني لمهنة العدول، وتطوير شروط الولوج إليها، وتعزيز حضور المرأة، وتحسين تنظيم العقود والشهادات العدلية، فإن العدول يؤكدون أن الصيغة المعروضة تكرس في العمق، اختلالاً بنيوياً في مبدأ المساواة بين المهن التوثيقية، وتفتح الباب أمام تمييز تشريعي غير مبرر في إشارة واضحة إلى مهنة التوثيق العصري.
*ندوة فاس… رسالة تصعيد جماعي*
في هذا السياق، احتضن المركب الاجتماعي للمحامين بمدينة فاس، بعد زوال يوم الأربعاء 17 دجنبر 2025، ندوة وطنية علمية خُصصت لتدارس مضامين المشروع وانعكاساته القانونية والمهنية، بمشاركة أزيد من 600 عدل قدموا من مختلف جهات المملكة، في مشهد عكس حجم القلق المهني واتساع رقعة الرفض.

ونُظمت الندوة بمبادرة من تنسيقية المجالس الجهوية لعدول المغرب، بشراكة مع هيئات مهنية وطنية، من بينها الجمعية المغربية للعدول، والنقابة الوطنية لعدول المغرب، والجمعية الوطنية للمرأة العدل، والجمعية المغربية لهيئات المرأة العدل، في إطار حراك مهني منسق يروم التأثير في مسار النقاش البرلماني.
وقبل انطلاق أشغال الندوة، عبّر العدول عن رفضهم للصيغة الحالية للمشروع من خلال ترديد شعارات احتجاجية، محذرين من تمرير مقتضيات يعتبرونها مجحفة، وتمس بالدور الدستوري للعدل في ضمان الأمن التعاقدي وحماية المعاملات.
*إسقاط آلية الإيداع… جوهر الخلاف*
ويُجمع مهنيون داخل التنسيقية على أن النقطة الأكثر إثارة للجدل تتمثل في إسقاط آلية الإيداع من مشروع القانون، وهو ما اعتبروه تراجعاً خطيراً عن التزامات سابقة تم التنصيص عليها في ميثاق إصلاح العدالة، ومحاضر الحوار الموقعة بين الهيئة الوطنية للعدول ووزارة العدل.
وأكد مسؤول في تنسيقية المجالس الجهوية للعدول أن حرمان العدول من حساب الودائع لا يمكن تبريره قانوناً أو مهنياً، بالنظر إلى أن هذه الآلية تشكل أحد أعمدة حماية أموال المرتفقين، وضمان تتبع الحركية المالية، وتعزيز التزامات الدولة في محاربة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فضلاً عن دورها في تحقيق الأمن التوثيقي والتعاقدي.
وشدد المصدر ذاته على أن تمكين العدول من هذه الآلية ليس امتيازاً ولا منّة تشريعية، بل مقتضى تفرضه الحكامة الجيدة والعدالة التشريعية، ومبدأ المساواة بين المهن المكلفة بالتوثيق.
*اتهامات بتكريس “السرعتين” داخل التوثيق*
ويرى فاعلون مهنيون أن المشروع الحالي يعمّق منطق “السرعتين” داخل مرفق التوثيق، من خلال منح امتيازات لمهنة دون أخرى، وهو ما يتعارض، بحسبهم، مع التوجيهات الملكية الداعية إلى تحقيق العدالة في الحقوق والالتزامات، وضمان ولوج متكافئ للمواطنين إلى الخدمات التوثيقية دون تمييز.
كما عبّر العدول عن تخوفهم مما وصفوه بتضارب المصالح، معتبرين أن ضغوطاً مهنية تمارس داخل مسار إعداد المشروع أثّرت على توازن النص، وهو ما يطرح، في نظرهم، إشكالات مرتبطة بحياد التشريع وعدالته بين مختلف الفاعلين.
*نمطية المهنة وإشكالية اللفيف*
ومن بين النقاط الخلافية الأخرى التي أثيرت، ما يتعلق باستمرار بعض المقتضيات المرتبطة بنمطية المهنة، خاصة في ما يخص اللفيف وشروط الشهادة، حيث اعتبر مهنيون أن هذه المقتضيات لم تواكب التحولات التي عرفتها المهنة، ولا تنسجم مع واقع ممارسة المرأة العدل لمهام التوثيق.
وأكد المتدخلون أن الإبقاء على هذه الصيغة يكرس تناقضاً تشريعياً، ويقوّض مبدأ المساواة داخل المهنة نفسها، ما يستدعي مراجعة شاملة تراعي تطور المجتمع والتحولات المهنية.
*بيان المجالس الجهوية… رفض جماعي وتصعيد مفتوح*
وسبق للمجالس الجهوية لعدول محاكم الاستئناف بكل من الرباط، بني ملال، آسفي، طنجة، مكناس، وجدة، الراشيدية وتطوان والحسيمة، أن أصدرت بياناً مشتركاً أعلنت فيه رفضها القاطع لمشروع القانون رقم 16.22 بصيغته الحالية، معتبرة أنه لا يرقى إلى الحد الأدنى من تطلعات العدول، ويشكل تراجعاً تشريعياً عما تم التوافق عليه خلال جلسات الحوار.
ودعت إلى سحب المشروع ومراجعته مراجعة شاملة تضمن انسجامه مع الدستور وميثاق إصلاح العدالة، وتحفظ كرامة المهنة وتوازن الحقوق والواجبات، مع التأكيد على الاستعداد لخوض كافة الأشكال النضالية المشروعة دفاعاً عن استقلالية المهنة ومكتسباتها التاريخية.