أثار مشروع قانون جديد لتنظيم مهنة العدول موجة واسعة من الجدل والاحتجاج في صفوف ممارسي المهنة، الذين عبّروا عن تحفظات جوهرية بشأن مضامينه، معتبرين أنه لا ينسجم مع تطور الممارسة التوثيقية ولا مع التحولات القانونية والرقمية التي يعرفها المغرب، بل يحمل في طياته ما وصفوه بـ“تراجعات خطيرة” تمسّ استقلالية العدل، ومبدأ المساواة، والأمن التعاقدي للمرتفقين.
ويرى مهنيون أن النص الذي أعدّته وزارة العدل وصادقت عليه الحكومة اتجه نحو مقاربة زجرية وتنظيمية مفرطة، بدل تعزيز الثقة في المهنة وتثمين دورها التاريخي في التوثيق وحماية المعاملات.
ومن أبرز المؤاخذات التي أثارها العدول حذف ديباجة القانون، التي كانت تشكّل إطارًا مرجعيًا يبرز فلسفة المشرّع وروح المهنة، وتعويضها بمقدمة ذات طابع زجري. ويعتبر المهنيون أن هذا التوجه يختزل مهنة العدول في بعدها التأديبي، ويغيب بعدها الحقوقي والمؤسساتي المرتبط بخدمة العدالة وحماية الحقوق.
حذف مقتضيات قائمة وتغيير التسمية
وسجّل العدول حذف عدد من المقتضيات الأساسية الواردة في القانون الجاري به العمل، دون تقديم بدائل واضحة، ما يخلق، بحسبهم، فراغًا تشريعيًا وإرباكًا في الممارسة. كما أثار تغيير التسمية من “خطة العدالة” إلى “مهنة العدول” انتقادات حادة، باعتباره تكريسًا لعدم المساواة مع باقي المهن التوثيقية. ويؤكد مهنيون أن التسمية الأنسب والأدق هي “التوثيق العدلي”، بما يعكس طبيعة الوظيفة ودورها داخل المنظومة القانونية.
التلقي الثنائي وخطاب القاضي
ومن النقاط الخلافية الإبقاء على إلزامية التلقي الثنائي للعقود، أي تحريرها من طرف عدلين معًا، رغم وجود اجتهادات قضائية تقرّ بصحة التلقي الفردي. ويرى العدول أن تجاهل هذه الاجتهادات يشكّل قطيعة مع التطور القضائي. كما انتقدوا الإبقاء على “خطاب القاضي”، معتبرين إياه إجراءً تنظيميًا لا ضرورة شرعية له، ويقيّد استقلالية العدل دون سند قانوني مقنع.
ويُعتبر “خطاب القاضي” على العقود العدلية إعلامًا بالأداء والمراقبة، ويتجلى ذلك عندما يقدّم العدلان العقود التي حرّراها إلى القاضي ليطالعها ويتأكد من كونها صحيحة وتامة، مما يجعلها مقبولة في الاحتجاج بها. غير أن منتقدي هذا الإجراء يرون أنه إجراء شكلي كان ينبغي التخلي عنه في مشروع القانون الجديد.
وأوكلت المادة 46 من مشروع القانون للعدول مهمة “تلقي وتحرير العقود والشهادات التي يفرض القانون إضفاء الصبغة الرسمية عليها، أو تلك التي يرغب الأطراف في إضفاء هذه الصبغة عليها، وكذلك تلك التي يسند له القانون اختصاص تلقيها وتحريرها”.
ويرى العدول أن هذا المقتضى يكرّس اختصاصهم في إضفاء الرسمية على العقود، خاصة مع طريقة التلقي التي جاء بها المشروع، والتي تطابق طريقة إعداد الوثيقة لدى الموثقين، غير أنها تختلف من حيث الآثار والنتائج، إذ يشترط مشروع القانون، لرسمية العقود، خطاب القاضي، وليس فقط توقيع أطراف العلاقة التعاقدية أمام العدلين.
وسجّل المهنيون تناقضًا في هذا السياق، إذ يمنح مشروع القانون، من جهة، العدول حق إضفاء الرسمية في باب الاختصاص، لكنه يتراجع عن ذلك في الباب السابع المعنون بـ“الخطاب على العقود والشهادات”، ويسند هذه الصلاحية إلى القاضي المكلف بالتوثيق.
الإيداع والعقار المحفظ
كما عبّر المهنيون عن رفضهم لحرمان العدول من آلية الإيداع لدى صندوق الإيداع والتدبير، محذرين من أن ذلك قد يعرّض أموال المرتفقين لمخاطر حقيقية. واعتبروا أن إقصاء العدول من توثيق العقار المحفظ والسكن المدعم يشكّل إخلالًا صارخًا بمبدأ المساواة مع الموثقين، ويمسّ بحماية المستهلك وبالأمن التعاقدي.
شهادة اللفيف ونظام المراقبة
وفي ما يخص شهادة اللفيف، انتقد العدول عدم تقليص عدد الشهود، والإبقاء على نصاب اللفيف في صورته الحالية، حيث يُلزم المشهود له بالإتيان باثني عشر رجلًا لإثبات حق أو واقعة، مع حرمان النساء من أداء الشهادة في اللفيف، رغم أن المرأة التي تمارس مهنة العدالة تتلقى شهادة اللفيف، في حين لا تؤدي واجب الشهادة نفسها.
كما أثار العدول مخاوفهم من نظام المراقبة والتأديب المقترح، الذي يفرض رقابة خماسية (إدارية، قضائية، مالية وغيرها)، معتبرين أنها تمسّ بكرامة المهنة واستقلاليتها، وتفتح الباب أمام التوقيف بمجرد الشبهة دون صدور حكم قضائي.
تراجع عن الرقمنة
وسجّل العدول، بقلق كبير، حذف المقتضيات المرتبطة باستعمال التكنولوجيا والرقمنة، ومنع التلقي عن بعد، معتبرين ذلك تراجعًا غير مبرر عن مسار التحديث، في وقت تتجه فيه منظومة العدالة إلى الرقمنة وتبسيط المساطر.
وأعلن مهنيون رفضهم القاطع لهذا المشروع، مطالبين بسحبه الفوري من مسطرة التشريع، معتبرين أنه مشروع مرفوض شكلًا ومضمونًا، يمسّ بشكل مباشر استقلال المهنة والأمن التعاقدي للمواطنين، ويقوّض مكتسبات تاريخية راكمتها المهنة عبر عقود من الممارسة والمسؤولية.