أكد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أن الوقاية من منازعات الصفقات العمومية لم تعد رهينة بالتدخل القضائي اللاحق، بل أصبحت رهانا وقائيا يمر عبر تحسين جودة التدبير وتعزيز الحكامة والشفافية، مبرزا أن القضاء الإداري يضطلع بدور محوري في تحقيق التوازن بين حماية المال العام وضمان حقوق المتعاقدين.
وجاء ذلك في كلمة ألقاها، يوم 19 يناير 2026 بالرباط، خلال الجلسة الافتتاحية للندوة العلمية التي نظمتها وزارة التجهيز والماء تحت شعار “التدبير الأمثل للصفقات، مدخل للوقاية من المنازعات”، بحضور مسؤولين قضائيين وإداريين وخبراء في القانون الإداري والطلبيات العمومية.
وأوضح المسؤول القضائي أن الصفقات العمومية تشكل أحد المؤشرات الأساسية لقياس مدى التزام الإدارة بمبادئ الحكامة الجيدة والمنافسة وتخليق الحياة العامة، مذكّرا بالتوجيهات الملكية التي شددت على ضرورة ربط التعاقد العمومي بدولة القانون ومحاربة الريع والفساد، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة في إطار منافسة شريفة وشفافة.
وسجل أن نظام الصفقات العمومية عرف خلال السنوات الأخيرة إصلاحات تشريعية وتنظيمية متتالية، كان آخرها المرسوم رقم 2.22.431 الصادر في مارس 2023، والذي شكل، حسب تعبيره، نقطة تحول في مسار تحديث منظومة الطلبيات العمومية، انسجاما مع خلاصات المناظرة الوطنية للصفقات العمومية لسنة 2009.
وأشار في هذا السياق إلى أن الارتفاع الكبير في حجم الاستثمار العمومي، الذي قارب ثلاثة أرباع مجموع الاستثمارات الوطنية سنة 2024، انعكس بشكل مباشر على عدد المنازعات المعروضة على القضاء الإداري، حيث انتقل عدد القضايا المرتبطة بالعقود الإدارية والصفقات العمومية من 1969 ملفا سنة 2023 إلى 2218 ملفا سنة 2024، ليصل إلى 2577 ملفا سنة 2025. وأضاف أن المحاكم الإدارية أصدرت خلال هذه الفترة ما مجموعه 6928 مقررا قضائيا، استأثرت محاكم الرباط بنسبة 46 في المائة منها.
وأكد أن القضاء الإداري، وهو يواكب هذا النقاش العمومي، يحرص على حماية الشرعية التعاقدية دون تعطيل سير المرافق العمومية، مشددا على أن الامتيازات الممنوحة للإدارة في العقود الإدارية تقابلها ضمانات قانونية للمتعاقدين، بما يضمن التوازن العقدي ويصون الأمن القانوني والقضائي.
وأبرز أن الاجتهاد القضائي المغربي أسهم في تطوير قواعد متقدمة في مجال الصفقات العمومية، سواء من حيث الاختصاص القضائي أو شروط استحقاق مستحقات الصفقات، أو مراقبة قرارات الفسخ والجزاءات المالية، مع اعتماد مبدأ التناسب حماية للمال العام من جهة، وضمانا لحقوق المقاولات الجادة من جهة أخرى.
كما أعلن أن السلطة القضائية منخرطة في دينامية التعاون المؤسساتي مع مختلف القطاعات الحكومية، مذكرا باتفاقية الشراكة الموقعة بين محكمة النقض ووزارة التجهيز والماء في مارس 2022، والتي أفضت إلى إطلاق برامج مشتركة للتكوين وتنظيم ندوات علمية وإصدار منشورات متخصصة، مضيفا أن لجنة تقنية مشتركة تعمل حاليا على إعداد برنامج ندوات وطنية خلال سنة 2026 لتدارس الإشكالات القانونية المرتبطة بالصفقات العمومية والتوجهات القضائية ذات الصلة.
وختم الرئيس المنتدب كلمته بالتأكيد على أن الرهان الحقيقي يكمن في بناء منظومة وقائية شاملة، تقوم على تحسين إعداد وتتبع الصفقات، وتأهيل الموارد البشرية، ومواكبة الاجتهاد القضائي، وتطوير آليات بديلة لفض النزاعات، معتبرا أن هذه الندوة تشكل فرصة لتقاسم الممارسات الفضلى وتعزيز الثقة في منظومة الصفقات العمومية.