شهد مركز الدراسات والأبحاث في مؤسسة خالد الحسن بالرباط الأحد الماضي تنظيم لقاء فكري ضمن لقاءات الديوانية الرمضانية، لمناقشة سؤال محوري: هل يشهد العالم ولادة نظام دولي جديد تحدد واشنطن قواعده ومساره؟
وقد استضافت الديوانية في هذا اللقاء: الإعلامي الأستاذ الدكتور أمين صوصي علوي؛ والخبير المالي السيد راغب أبو محمد؛ وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور إسماعيل حمودي (بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس) الذي طلبت منه تقديم رؤيته حول مداخلتي الأستاذين المحاضرين راغب و علوي..
وقد جاء اللقاء في سياق التحولات المتسارعة في موازين القوى الدولية، والصراع الأمريكي–الصيني، وتداعيات الأزمات الاقتصادية، إضافة إلى انعكاسات ذلك على قضايا المنطقة، وفي مقدمتها فلسطين. لقد تناول النقاش عناصر القوة في تشكيل النظام الدولي: الدولار؛ القوة العسكرية؛ الطاقة؛ الذكاء الاصطناعي؛ العناصر الأرضية النادرة؛ الرأي العام العالمي؛ دور الأمم المتحدة.
أمين صوصي علوي والتحولات داخل الولايات المتحدة
تناول الأستاذ علوي التحولات البنيوية داخل أمريكا نفسها، معتبرًا أن: اللولبيات المالية مارست نفوذًا كبيرًا على القرار السياسي.. ومن هنا لعب المحافظون الجدد دورًا محوريًا في هندسة السياسات الخارجية الأمريكية وافتعال حروب تتماشى ورؤيتهم الإيديولوجية بدءا من حرب الخليج ووصولا للثورات الملونة.
وأشار إلى أن المنظومة التي تشكلت داخل الولايات المتحدة حدّدت خصومًا استراتيجيين هم:
– الصين – روسيا – العالم الإسلامي
• صعود خطاب « أمريكا أولاً »
اعتبر علوي أن وصول دونالد ترامب مثّل لحظة انعطاف، عبر خطاب: مناهض للعولمة، والدعوة إلى إعادة التصنيع، وفرض رسوم جمركية لحماية الصناعة الأمريكية. والتركيز على: الطاقة، الشرائح الإلكترونية، الدواء، وصناعة السيارات.. وجاء هذا التحول، بحسبه، بعد تجربة جائحة كورونا التي كشفت هشاشة الاعتماد على الخارج.
وقد تمثلت سياسات هذا الأخير في الحد من التوجهات الاقتصادية النيو ليبرالية التي كرسها المحافظون الجدد و التي خلقت عداوات خارجية أثرت على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية واستقرار العالم.
وتغيير عقيدة السياسة الخارجية من سيطرة إيديولوجيا حرب الحضارات إلى إعادة مبدأ مونرو.
راغب أبو محمد: الاقتصاد كأداة هيمنة في النظام العالمي
استعرض راغب الأسس التي قام عليها النظام الاقتصادي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة بعد اتفاقية مؤتمر بريتون وودز Bretton Woods التي أرست (عام 1944) الدولار عملةً مرجعية عالمية مرتبطة بالذهب.. وأوضح أن هذا النظام منح الولايات المتحدة موقعًا مركزيًا في حركة رأس المال العالمية، إذ أصبحت:
المواد الأولية ( مثل النفط، الحديد، الألمنيوم) تُسعّر بالدولار.
وهذا جعل الدول تحتفظ باحتياطاتها النقدية في البنوك الأمريكية، فتحولت السوق الأمريكية إلى أكبر مستهلك عالمي.. وأشار إلى لحظة التحول المفصلية عام 1971 حين أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون فك ارتباط الدولار بالذهب، ليصبح الدولار معيارًا بذاته، ما عزز الهيمنة النقدية الأمريكية.
• دور البنوك وحركة القروض
وقد أكد راغب أن النظام الرأسمالي يقوم أساسًا على تحريك القروض والاستثمار، وأن: البنوك المركزية تؤدي دور « المراقب الأعلى » لضبط النمو المالي. فحركة رأس المال إن لم تُضبط قد تُغرق النظام في أزمات.. فالتصنيع والاستهلاك في الاقتصاد الرأسمالي مرتبطان بديناميكية الإقراض.
وبالتالي فإن السيطرة على النظام المالي تعني التحكم في مسارات التنمية والتصنيع عالميًا.
وذهب راغب إلى أن إلغاء مرجعية الدولار لا يمكن أن يتم إلا بوجود قوة عسكرية–سياسية موازية، مبرزًا:
– الانتشار العسكري الأمريكي (مئات القواعد حول العالم).
– السيطرة الجوية والبحرية.
– وهذا ما يبرز الترابط بين القوة العسكرية والاقتصاد.
ورأى أن أي تحول عالمي يتطلب طفرة عسكرية عالمية قادرة على فرض توازن جديد.
وتوقف راغب عند صعود الصين، واستثماراتها في الطاقات المتجددة وصناعة الألواح الشمسية، مقابل سعي واشنطن للسيطرة على النفط ومصادر الطاقة التقليدية، وأشار الى ان استثمار الصين في الألواح الشمسية على حساب الأراضي الزراعية جعلها تدخل سباقا مكلفا، في حين أن الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت عبر إيلون ماسك استعدادها عبر شركة SpaceX إنتاج الكهرباء من خلال الأقمار الصناعية في مدار الكرة الأرضية. وهو ما من شأنه خلق تحول في إنتاج الطاقة وتوزيعها على الكرة الأرضية.
من جهته اعتبر الدكتور إسماعيل حمّودي أن النظام الدولي الراهن يعيش مرحلة انتقالية (وليس بالضرورة حسماً نهائياً) وذلك بفعل الضغوط غير المسبوقة التي يتعرّض لها
وقد قدّم حمّودي، أستاذ العلوم السياسية، رؤيته حول موضوع الديوانية والمداخلتين ، مبيّناً أن النقاش حول تحول النظام الدولي الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية من الأحادية نحو التعددية، بات قضية مدرجة على أجندات البحث في العلاقات الدولية والعلوم السياسية، ما يعني وجود قناعة لدى المفكرين والباحثين بتراجع قدرة القوة الأمريكية على السيطرة بل على الهيمنة، بفعل صعود قوى دولية منافسة أبرزها الصين وروسيا.
في هذا الإطار، أشار حمودي إلى وجود إسهامات فكرية أمريكية حول تحولات النظام الدولي الليبرالي، ذات خلفيات نظرية قوية (جون ميرشايمر، جون آيكينبيري، روبرت كوكس….)، تتفق حول وجود تحول في النظام الدولي الليبرالي من الأحادية نحو التعددية، بفعل صعود الصين وروسيا، لكن تختلف حول مدى وعمق هذا التحول، بين من يعتبر أن هذا النظام الدولي بصدد التفكك والتآكل كما يقول ميرشايمر لأنه يحمل « بذور تفككه في ذاته »، وبين من يرى أن النظام الدولي الليبرالي يعيش أزمة فقط، سببها تراجع الدعم الأمريكي له، وكذا بفعل صعود قوى غير ليبرالية مثل الصين، لكن النظام لم يتفكك، ويمكنه الاستمرار معدلا. في حين يرى كوكس أن ما يحدث هو تعبير عن أزمة في بنية الهيمنة الأمريكية، قد تؤدي إلى إعادة تشكيل النظام وليس إلى تفككه وانهياره.
وقد خلص حمودي إلى أن النظام الدولي الليبرالي بقيادة أمريكا ربما لم يصل بعد إلى مرحلة التفكك، لكنه يعيش أزمة هيمنة مؤكدة، بفعل تراجع إغراء وفعالية القيم والمؤسسات والأفكار الغربية التي يقوم عليها، باتت تكشف تدريجيا عن أزمة شرعية كامنة في النموذج القائم، ما يدفع القوى الصاعدة إلى ابتداع نماذج بديلة، خصوصا في المجالات المالية والاقتصادية والعسكرية، وهو ما تحاول الصين وروسيا القيام به (اللجوء إلى العملات المحلية بدل الدولار). مستدركا أن التوازن في القوى بين الصين وأمريكا وروسيا لم يتحقق بعد، لكن التحول قائم، علما أن تفكك القوى العظمى لا يحدث بضغط خارجي دائما، بل قد يحدث نتيجة تفكك داخلي أيضا.
• • وخلصت المداخلات إلى أن العالم يشهد مخاضًا لنظام عالمي جديد، غير أن الولايات المتحدة ما تزال تملك:
– مركزية الدولار
– التفوق العسكري
– عمق السوق الاستهلاكية
– التحكم في سلاسل التمويل العالمية
لكن في المقابل، تتعاظم قوة الصين اقتصاديًا وتقنيًا، ما يجعل المرحلة انتقالية وليست حسمًا نهائيًا.
وخلص اللقاء إلى أن الاقتصاد ليس مجرد أداة تنموية، بل هو ركيزة للهيمنة السياسية والعسكرية. فالنظام الذي تأسس منذ بريتون- وودز ما يزال قائمًا، لكنه يتعرض لضغوط غير مسبوقة بفعل:
صعود الصين، ثورة الذكاء الاصطناعي، صراعات الطاقة، وتحولات الداخل الأمريكي.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام تعديل في النظام الدولي، أم إعادة إنتاج لهيمنة أمريكية بأدوات جديدة؟