دعا الخبير الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي Thomas Piketty أوروبا الى تعزيز قدرتها السياسية والاستراتيجية على التأثير في موازين القوى العالمية، في ظل ما وصفه بـ“الانحراف الحربي” للرئيس الأميركي دونالد ترامب. وجاء ذلك في مقال رأي نشرته صحيفة Le Monde، تناول فيه التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم، في ظل الحرب على إيران وموقع أوروبا داخلها.
ويعتبر بيكيتي أن تصاعد النزعة العسكرية في الخطاب والسياسات الأميركية يعكس في جزء منه حالة من القلق داخل الولايات المتحدة بشأن موقعها في النظام الدولي، في ظل المنافسة المتزايدة مع قوى كبرى أخرى. ويرى أن اللجوء إلى القوة العسكرية أو التلويح بها قد يصبح وسيلة للحفاظ على النفوذ العالمي، خاصة في سياق تراجع نسبي للهيمنة الاقتصادية الأميركية مقارنة بمرحلة ما بعد الحرب الباردة.
وفي هذا السياق، يشير الخبير إلى أن الاتحاد الأوروبي يمتلك مقومات اقتصادية كبيرة تؤهله ليكون فاعلاً رئيسياً على الساحة الدولية، غير أن هذه القوة الاقتصادية لا تُترجم دائماً إلى نفوذ سياسي أو استراتيجي حقيقي. ويرجع ذلك، بحسب تحليله، إلى تشتت القرار الأوروبي بين الدول الأعضاء، وغياب رؤية موحدة في مجالات السياسة الخارجية والدفاع.
ويؤكد بيكيتي أن أوروبا ما تزال تعتمد إلى حد كبير على المظلة الأمنية الأميركية، خصوصاً في إطار الحلف الأطلسي NATO، وهو ما يحد من قدرتها على تبني سياسات مستقلة في القضايا الدولية الكبرى. لذلك يدعو إلى تعزيز التكامل السياسي الأوروبي، وتطوير مؤسسات قادرة على اتخاذ قرارات مشتركة في مجالات الأمن والدبلوماسية.
كما يشدد على أن تعزيز الدور الأوروبي في العالم لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يشمل أيضاً استخدام القوة الاقتصادية والتنظيمية التي يتمتع بها الاتحاد الأوروبي للتأثير في القواعد الدولية، سواء في مجالات التجارة أو البيئة أو التنظيم المالي.
ويرى بيكيتي أن العالم يتجه نحو نظام دولي أكثر تعددية، تتراجع فيه الهيمنة الأحادية لصالح توازن بين عدة قوى كبرى. وفي هذا السياق، يمكن لأوروبا ـ إذا نجحت في تجاوز انقساماتها الداخلية ـ أن تلعب دور قوة توازن تسهم في استقرار النظام الدولي، بدل أن تبقى مجرد قوة اقتصادية دون وزن سياسي مكافئ.