السياسات التربوية بين الحتمية التقنوية والسيادة الإنسانية عبد الناصر ناجي

17/03/2026 - 15:49
السياسات التربوية بين الحتمية التقنوية والسيادة الإنسانية عبد الناصر ناجي

تعيش المنظومات التربوية العالمية اليوم، وفي قلبها المنظومة المغربية، مخاضاً عسيراً يتجاوز مجرد البحث عن فعالية تعليمية تقنية أو تطوير مناهج دراسية. إننا نشهد مواجهة كبرى بين قطبين متنافرين في جوهرهما: قطب الحتمية العلمية من جهة الذي يسعى، تحت غطاء مضلل أحياناً لعلوم الأعصاب وعلم النفس المعرفي، إلى اختزال الكيان الإنساني في « خوارزمية » بيولوجية قابلة للبرمجة والتنميط والقياس الكمي، وقطب اللايقين الإنساني من جهة أخرى الذي يمثل الملاذ الأخير للحرية، والمسؤولية، والإبداع في وجه الأتمتة الشاملة التي تفرضها القوى المهيمنة. إن هذا المقال يسعى لتفكيك السياسات التربوية المعاصرة من خمس زوايا متقاطعة، تبدأ من الجيوستراتيجي الكلي لتصل إلى البيداغوجي الميكروسكوبي، كاشفاً عن خيوط خفية تربط بين بيداغوجيا القسم وبين استراتيجيات جيوستراتيجية ومصلحية كبرى تهدف لهندسة مستقبل الكون عبر بوابة العقل البشري، ليقترح في النهاية مخرجاً بيداغوجياً وفلسفياً يستجيب لتحديات عصر اللايقين.
الزاوية الجيوستراتيجية.. التربية في ظل « الأنوار المظلمة »
لا يمكن قراءة الإصرار المتزايد على النماذج التربوية الخطية الصارمة، والتي تتجسد اليوم في بيداغوجيات منمطة، بمعزل عن السياق الجيوستراتيجي العالمي الجديد. نحن أمام صعود لتيارات « اليمين التقني النيورجعي » الذي يجد سنده الفلسفي فيما يسمى بـ « الأنوار المظلمة » (Dark Enlightenment). هذه الفلسفة، التي يتبناها أقطاب في وادي السيليكون وتجد صدى في التوجهات « الترامبية » الجديدة بتوجيه فكري من ستيف بانون، تؤمن بأن مبادئ الأنوار التقليدية القائمة على الديمقراطية والمساواة قد استنفدت أغراضها وأصبحت تعيق التقدم التقني، وأن البديل هو فرز جيوستراتيجي ومعرفي للبشرية.
في هذا التصور الجيوستراتيجي الجديد، تتحول السياسة التربوية إلى أداة للهندسة الاجتماعية الطبقية. الغاية هنا ليست رفع مستوى الجميع، بل إقامة نوع من الإقطاعية المعرفية الجديدة؛ حيث يُراد للطبقات التابعة أن تتلقى تعليماً مأتمتاً، يحولها إلى قوى عاملة منفذة، مطيعة، وقابلة للاستبدال بالآلة، بينما يُترك الإبداع وإدارة اللايقين والذكاءات العليا لنخبة ضيقة تملك حق الاستكشاف والسيادة. إنها عملية تدجين معرفي تستخدم أدوات علوم الأعصاب لبرمجة الانصياع بدلاً من تحفيز التساؤل والفضول، مما يحول المدرسة من فضاء للتحرر إلى مختبر للضبط السياسي وذلك باستخدام أدوات »التايلورية البيداغوجية » لضمان سهولة قيادة العقول وتنميطها لخدمة المركزية التقنية الجديدة.
انتقالاً من هذا التأطير السياسي الكلي إلى الفضاء الاجتماعي المعاش، نجد أن التلميذ لا يواجه برمجة المدرسة الرسمية فحسب، بل يقع في أسر أنظمة تحكم خوارزمية أعقد تعيد تشكيل بنيته النفسية.
الزاوية الاجتماعية.. دكتاتورية الخوارزمية وتآكل السيادة الذهنية
من الناحية الاجتماعية، لم يعد الفصل الدراسي فضاءً معزولاً أو محمياً، بل أصبح ساحة صراع غير متكافئ مع خوارزميات التواصل الاجتماعي. السياسات التربوية التي تتبنى الحتمية العلمية وتصر على أتمتة المهارات الأساسية، تتجاهل عن قصد أو جهل أن المجتمع المعاصر يُقاد بواسطة أنظمة تحكم رقمية تعيد صياغة الروابط الاجتماعية ومفهوم الانتباه.
نحن ننتقل من مجتمع الانضباط التقليدي إلى مجتمع التحكم الرقمي؛ حيث تعمل الخوارزميات كمدرسة موازية تقوم ببرمجة الغرائز عبر استنزاف الدوبامين وتحطيم ملكة التركيز الطويل والعميق. في هذا السياق، يصبح « التعليم الصريح » الجامد عبئاً إضافياً، لأنه يتوجه إلى تلميذ تعرضت سيادته الذهنية للتآكل. إن المتعلم اليوم تحول إلى « نقطة بيانات » يتم التنبؤ بسلوكها اجتماعياً واستهلاكياً، مما يجعل من اللايقين الإنساني، أي القدرة على التفكير خارج التوقعات الخوارزمية، فعل مقاومة وجودياً. إن المدرسة التي لا تعلم التلميذ كيف يفكك شفرة الخوارزمية التي تحكم حياته الاجتماعية، هي مدرسة تساهم في استلابه الاجتماعي بدلاً من دمجه.
بيد أن هذا الضبط الاجتماعي الرقمي لا يكتمل تأثيره إلا إذا وجد تربة ثقافية مهيأة، وهو ما ينقلنا لفحص الزاوية الثقافية للمأزق التربوي المعاصر.
الزاوية الثقافية.. منطق « الجزيرة » والارتهان للاستهلاك الحسي
تتأثر الثقافة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالارتهان للمنطق الاقتصادي المصلحي وتيارات المتعة الحسية المطلقة. إن الإشارة إلى « جزيرة إبستين » في هذا السياق تتجاوز البعد الجنائي لتصبح رمزاً ثقافياً لسقوط القيم أمام تغول الرغبة والمنفعة الصرفة للنخبة.
هنا نصل إلى العصب العاري لهذه الاستراتيجية؛ حيث تتقاطع المصالح السياسية بالمال المشبوه بالقدرة التقنية الفائقة. إن ربط اسم جيفري إبستين، الذي استثمر ملايين الدولارات في شركات بيتر ثيل، بشركة « بالانتير » (Palantir)، يكشف عن رغبة في بناء نظام سلطوي لا يكتفي بمراقبة الحاضر، بل بالتنبؤ بالمستقبل وهندسته.
تمثل شركة « بالانتير » التجسيد المادي للحتمية الخوارزمية؛ فهي تسعى لتحويل الواقع الإنساني والكوني إلى بيانات قابلة للضبط الإحصائي. وفي هذا الإطار، تصبح السياسات التربوية مجرد مغذيات لهذه المنظومة؛ حيث يتم تنميط الأطفال وفق قوالب بيداغوجية تسمح للخوارزمية بـ « قراءتهم » وتوقع مساراتهم المهنية والاجتماعية مستقبلاً. إن « منطق الجزيرة » هنا يعكس ثقافة النخبة التي ترى في المعرفة أداة للسيطرة واللذة، بينما يُراد للمدرسة العمومية أن تظل حبيسة التايلورية التي تقتل ملكة النقد واللايقين.
لقد تحولت الثقافة من سعي نحو الحقيقة والجمال وبناء القيم، إلى منتج استهلاكي مصلحي يقاس بمدى قدرته على توفير اللذة السريعة. هذا الانزلاق الثقافي أدى إلى تشييء المتعلم؛ حيث أصبح الهدف من التربية هو إرضاء « الزبون » عبر ما يسمى بـ « الترفيه التعليمي »، الذي يفرغ المعرفة من جهدها الأخلاقي والمعرفي. في ثقافة « الجزيرة »، تصبح المعرفة مجرد أداة للسيطرة أو وسيلة للترقي المصلحي، مما يسقط هيبة المدرس كحامل للأمانة، ويحول السياسات التربوية إلى صفقات استهلاكية تفتقر للروح. إن التربية التي لا تزرع في المتعلم الحصانة القيمية ضد ثقافة الاستهلاك الحسي، إنما تهيئه ليكون ترساً في نظام يقدس القوة واللذة فوق كل اعتبار إنساني.
أمام هذا الحصار المطبق من سياسة الفرز، واجتماع الخوارزمية، وثقافة الاستهلاك، يصبح من الحتمي البحث عن مخارج فلسفية تعيد بناء « الإنسان التركيبي » وتنقذه من براثن الأتمتة.
الرؤية النقدية للذكاء الاصطناعي.. الأداة أم الحاكم الموجه؟
في قلب هذه المنظومة، يبرز الذكاء الاصطناعي كأقوى تجسيد للحتمية العلمية. لكن السؤال الجوهري هو: هل الذكاء الاصطناعي أداة محايدة أم هو حاكم موجه يخضع بدوره لخوارزميات إيديولوجية؟
إن الخوارزميات التي تحرك الذكاء الاصطناعي اليوم قد تكون مبرمجة ضمن استراتيجية الأنوار المظلمة لفرض توجيه ناعم للفكر البشري نحو الحتميات التقنية. الذكاء الاصطناعي يسعى لتعويض الإنسان في المهارات الأساسية، ولكن الخطورة تكمن في أنه قد يُستخدم لتعويضه في « إدارة المعنى » أيضاً. إن السياسات التربوية التي لا تملك سيادة رقمية تصبح مجرد مستهلك لبرمجيات صُممت لتوجيه عقول المتعلمين نحو مسارات تخدم التوجهات الجيوستراتيجية لنخب وادي السيليكون، مما يجعل من نقد الخوارزمية مهارة أساسية في عصرنا.
الأفق الفلسفي.. نحو « تركيب ائتماني »
للخروج من هذه الحتميات التقنية والشهوانية، يقترح هذا المقال تجسير الفكر الكوني المعاصر بالفكر القيمي الأصيل، من خلال التقاطع بين رؤية إدغار موران وفلسفة طه عبد الرحمن.
إن الرد على الاختزال العلمي يكمن في بيداغوجيا التركيب. يجب أن تعلم السياسة التربوية المتعلم كيف يربط بين الأجزاء المتناثرة، وكيف يدرك أن الإنسان هو كيان بيولوجي، وثقافي، ونفسي في آن واحد. التربية هنا هي تعليم اللايقين كقوة إبحار؛ فالقوارب التي تبحر في محيط من التغيرات تحتاج إلى بوصلة « الفكر المركب » لا إلى وصفات التعليم الصريح الجاهزة التي تفترض ثبات الواقع.
لكن المعرفة بدون تزكية هي قوة مدمرة.لذلك يمثل الفكر الائتماني لطه عبد الرحمن الحصن القيمي الضروري لمواجهة « منطق الجزيرة ». التعلم في هذا المنظور ليس حقاً استهلاكياً بل هو أمانة. إن العقل المبدع الذي ننشده ليس هو العقل الذي يبرع في الحسابات المجرّدة فحسب، بل هو العقل الذي يربط الفعل المعرفي بالمسؤولية الأخلاقية، مما يخلق متعلما يمتلك السيادة القيمية التي تحميه من الذوبان في الخوارزمية أو الانقياد لتيارات المتعة الحسية.
إن هذا التأصيل الفلسفي الرصين يحتاج إلى ترجمة إجرائية وعملية داخل الفصل الدراسي، وهو ما تلبيه بيداغوجيا ثورية تتجاوز التايلورية التربوية بجميع أقنعتها.
الحل البيداغوجي.. ثورة « التعلم النشط القائم على اللعب »
يمثل التعلم النشط القائم على اللعب البديل العلمي والثوري للتايلورية التربوية المجسدة في التعليم الصريح والنمط الخطي. إنها بيداغوجيا لا تلغي العلم، بل توظف كشوفاته لخدمة التحرر الإنساني لا الحتمية التقنوية.
تعتمد هذه المنهجية على كيفية اشتغال الدماغ فعلياً كما تثبتها الدراسات المعاصرة؛ فالدماغ لا يتعلم بالتلقي السلبي والخطوات المجزأة، بل عندما يكون نشطاً، ومنخرطا، واجتماعياً. اللعب هنا ليس لهواً بل هو هندسة تعلم تسمح للدماغ ببناء نماذج ذهنية معقدة ومرنة.و في سياق اللعب النشط، يمارس الطفل اللايقين ويتدرب على الفشل الإيجابي، مما ينمي كفايات القرن الواحد والعشرين: الإبداع، التفكير النقدي، والتعاون. إنها بيداغوجيا ترفض فكرة أن الإبداع يجب أن ينتظر « أتمتة » المهارات الأساسية، بل ترى أن فك الشفرة (القراءة والحساب) يكتسب فاعليته عندما يدمج في سياق صناعة المعن والاستكشاف الحر. فهي تؤهل التلاميذ لامتلاك مهارات التفكير العليا التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي استبدالها، مما يمنحهم مناعة معرفية ضد التحول إلى مجرد منفذين لسيناريوهات مسبقة الصنع.
خاتمة وأفق استراتيجي: المنظومة التربوية المغربية والرهان السيادي
ختاماً، إننا لا نواجه مجرد تحديات بيداغوجية، بل نحن أمام « ميتافيزيقا الخوارزمية »؛ حيث تتحول المعادلة الرقمية إلى مقدس تقني جديد يدعي القدرة على اختزال الوجود الإنساني في « صفر وواحد ». إن الخوارزمية في جوهرها تسعى لنفي الروح وتعويض الإرادة بالاحتمال الإحصائي، محولةً الكون إلى مصفوفة صماء من البيانات.
إن الرهان الحقيقي للمنظومة التربوية المغربية اليوم، وهي تمضي في إصلاحات هيكلية، يكمن في مدى قدرتها على الإفلات من قبضة التايلورية التربوية الوافدة تحت مسميات « الفعالية » و »النتائج الملموسة ». إن استيراد النماذج التي تنمط العقول وتُفرزها جيوستراتيجياً هو تهديد مباشر لسيادتنا المعرفية وقيمنا المغربية.
يجب أن تتجه السياسة التربوية الوطنية نحو بناء نموذج مغربي للتركيب الائتماني. نموذج يزاوج بين « الحداثة التركيبية » لموران و »الأخلاق الائتمانية » لطه عبد الرحمن، ويُنفذ ميدانياً عبر بوابة « التعلم النشط باللعب ».
إن مستقبلنا ليس في صناعة « حواسيب بشرية » تجيد فك الشفرات بآلية صماء، بل في رعاية « إنسان ائتماني » يملك القدرة على مواجهة اللايقين، ونقد الخوارزمية، والانتصار للقيم الإنسانية في عصر « الجزيرة » الاستهلاكي. إن التربية، في أسمى تجلياتها، هي فعل مقاومة ضد الحتمية، وهي البوابة الوحيدة لضمان مكانة الإنسان المغربي في تاريخ لا يعترف إلا بالعقول الحرة والقلوب التي تسكنها الأمانة.

شارك المقال