الرباط تستعيد ذاكرة الحلقة والضحك الشعبي في تكريم حكواتي عمره 105 سنوات

20/05/2026 - 11:00
الرباط تستعيد ذاكرة الحلقة والضحك الشعبي في تكريم حكواتي عمره 105 سنوات

في واحدة من اللحظات النادرة التي امتزج فيها الحنين بالوفاء، عاد اسم ياسين الركراكي، الشهير ب « لقرع »، ليتردد  في حي يعقوب المنصور بالرباط، ليس هذه المرة من قلب « الحلقة » التي صنع بها مجده الشعبي لعقود، بل من داخل لقاء تكريمي احتضنته العاصمة احتفاء بأحد رواد الفرجة الشعبية المغربية.
اللقاء الذي نظمته جمعية « آمال المنصور للتضامن والتنمية » بشراكة مع جمعية « المبادرة لحي يعقوب المنصور »، مساء الثلاثاء 19 ماي، تحول إلى ما يشبه استعادة جماعية لذاكرة حي كامل، بعدما حضره عشرات ممن كبروا على حلقات « لقرع » منذ ستينات القرن الماضي، وعادوا اليوم كهولا رجالا ونساء ليكرموا الحكواتي الذي رافق طفولتهم وشبابهم بصوته الجهوري وقفشاته وحكاياته الساخرة.


ورغم بلوغه 105 سنوات، بدا « لقرع » شامخ القامة، مرتديا لباسه التقليدي المعروف، مستعيدا بسرعة مذهلة روح الحلقة القديمة، وكأنه عاد إلى ساحة « النوايل » بحي يعقوب المنصور، حيث كانت تتشكل حلقاته التي امتدت لعقود وأصبحت جزءا من الذاكرة الشعبية للعاصمة.
حسن الصبار، رئيس جمعية المبادرة لحي يعقوب المنصور، قال إن « لقرع من رجالات الزمن الجميل، ومن حراس الذاكرة الشعبية ورواد فن الحلقة والفرجة »، مضيفا أن هذا الاحتفاء « لا يتعلق فقط بتكريم شخص، بل بمرحلة كاملة من الفن الشعبي المغربي ».
ولم يكن اللقاء مجرد مناسبة احتفالية، بل تحول إلى جلسة حكي مفتوحة، بعدما قاطع « لقرع » أكثر من مرة مداخلة الباحث في العلوم الاجتماعية بجامعة محمد الخامس، سعيد بنيس، لينخرط بعفوية في سرد الحكايات والتعليقات الساخرة التي صنعت شهرته لعقود، وسط ضحكات وتصفيقات الحاضرين.
بنيس، الذي قدم عرضا بعنوان « الحاجة إلى الضحك الشعبي: ياسين الركراكي “لقرع” نموذجا »، اعتبر أن المحتفى به لا يمثل مجرد شخصية فكاهية، بل يشكل جزءا من « السردية الرمزية » لحي يعقوب المنصور، مشيرا إلى أن الضحك الشعبي الذي كان يقدمه « لقرع » لم يكن ترفيها عابرا، بل آلية اجتماعية للنقد والتربية وتخفيف توتر الحياة اليومية.


وأوضح الباحث أن « لقرع » استطاع عبر الحلقة أن يصنع « تواطؤا جماعيا » مع جمهوره، من خلال لغة شعبية بسيطة لكنها مشبعة بالمعاني والدلالات الاجتماعية، حيث كان يسخر من البخل والنفاق والتصنع والتفاخر، ويقدم في الآن نفسه « حكمة شعبية » متجذرة في الثقافة المغربية.
واستعاد الحاضرون خلال اللقاء تفاصيل من عالم « لقرع »، الذي كان يجوب مدنا مغربية عديدة من مكناس وفاس ووجدة إلى تمارة والصخيرات، قبل أن يختار الاستقرار في الرباط، وتحديدا في حي يعقوب المنصور، إلى درجة أنه أقنع والده بالانتقال إلى العاصمة حيث عاش إلى أن توفي.
كما أعاد المشاركون إحياء طقوس الحلقة التقليدية، من خلال جمع « المساهمات » المالية وسط الحلقة، وهي اللحظة التي كان يعقبها « لقرع » بالدعاء للمساهمين، قبل أن يفاجئ الحضور بخلع جلبابه وإظهار لباسه التقليدي الذي اعتاد الظهور به في حلقاته القديمة، في مشهد أعاد للأذهان زمن الفرجة الشعبية المفتوحة.
ولم تخل الجلسة من لحظات طريفة، بعدما سأله أحد الحاضرين عن مصير سيارته الشهيرة من نوع « رونو 12″، التي كان يحمل في صندوقها الخلفي معدات الحلقة وينتقل بها بين الأحياء والأسواق والساحات.
سعيد بنيس توقف أيضا عند البعد الفلسفي والاجتماعي لتجربة « لقرع »، معتبرا أن الضحك الشعبي يشكل جزءا من « الذكاء الجماعي » ومن هوية الأحياء الشعبية، وأن الحلقة لم تكن مجرد فضاء للفرجة، بل فضاء لإنتاج المعنى والانتماء والتواصل الإنساني.
وأشار إلى أن « لقرع » كان يمتلك أسلوبه الخاص ونبرته الفريدة، ما جعله « فكاهيا ترابيا » مرتبطا عضويا بحي يعقوب المنصور، أكثر من كونه مجرد فنان عابر للمدن، مضيفا أن تجربة الحلقة كانت تقوم على الفضاء المفتوح والتفاعل المباشر، لذلك كان « لقرع » يفقد جزءا من جاذبيته حين يتم نقله إلى التلفزيون أو الاستوديوهات المغلقة.


واستعرض بنيس عددا من العبارات والحكايات التي اشتهر بها « لقرع »، والتي كانت تختزن قيما اجتماعية وتربوية، من قبيل « يمشي الجمال ويبقى العمل »، و »الصواب تيغلب النسب »، و »لي نهاك بغاك »، معتبرا أن هذه المتون الشعبية كانت تؤدي دورا في ترسيخ قيم العيش المشترك والتضامن والحكمة الشعبية.
وفي ختام اللقاء، دعا المتدخلون إلى ضرورة توثيق الإرث الشفهي الذي يحمله « لقرع »، بالنظر إلى ما يختزنه من ذاكرة شعبية مهددة بالاندثار، مع اقتراح إطلاق اسم « ساحة لقرع » على الفضاء الذي كان يحتضن حلقاته بحي الشريج، وإنشاء فضاء أو خزانة لحفظ ذاكرة حي يعقوب المنصور وشخصياته الرمزية.
وبينما كان « لقرع » يتابع كلمات المحتفين به، بدا واضحا أن الرجل الذي أضحك أجيالا كاملة لم يكن مجرد حكواتي شعبي، بل جزءا من روح حي كامل، ومن زمن كانت فيه الحلقة مدرسة للحياة، والضحك شكلا من أشكال المقاومة الجماعية لقسوة الأيام.

شارك المقال