اختار كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، لحسن السعدي، التزام الصمت عقب الجدل الواسع الذي أثاره ظهوره وهو يقدم هدية على شكل صليب خلال نشاط رسمي خارج المغرب.
وظهر الوزير وهو يهدي صليبا خشبيا منقوشا من خشب العرعار المغربي إلى راهب يوناني بالعاصمة اليونانية أثينا، خلال مشاركة رسمية في فعاليات الأسبوع الوطني للصناعة التقليدية المغربية باليونان ما بين 19 و24 ماي 2026 بمشاركة حرفيين وصناع تقليديين مغاربة.
الواقعة تحولت إلى محور جدل سياسي وإعلامي بشأن طبيعة الرموز الدينية وحدود استخدامها في التمثيل الرسمي للدولة المغربية.
وأثارت الواقعة ردود فعل متباينة، غير أن الجزء الأكبر من الانتقادات ركز على البعد الرمزي للهدية، باعتبار أن الصليب يمثل رمزا دينيا مركزيا في العقيدة المسيحية، في وقت يقوم فيه النظام الدستوري المغربي على المرجعية الإسلامية وعلى مؤسسة إمارة المؤمنين التي يتولاها الملك بصفته أميرا للمؤمنين وحاميا للدين.
ويرى منتقدو الخطوة أن الإشكال لا يتعلق بموقف من الديانة المسيحية أو من مبدأ التعايش الديني الذي يميز المغرب تاريخيا، وإنما بطبيعة الرمز الذي تم تقديمه خلال نشاط رسمي باسم مؤسسة حكومية مغربية، معتبرين أن الدولة، عندما تمثل نفسها دبلوماسيا، تكون مطالبة باحترام الانسجام بين رموزها الرسمية ومرجعيتها الدستورية والدينية.
ويعتبر هؤلاء أن تقديم رمز ديني يرتبط بعقيدة تختلف عن العقيدة الرسمية للدولة يفتح الباب أمام أسئلة سياسية وبروتوكولية حساسة، خصوصا في ظل الطابع الرمزي الكبير الذي تحمله الصور والهدايا في العلاقات الدبلوماسية، حيث لا تُقرأ الأشياء فقط من زاوية النية، بل أيضا من زاوية الرسائل التي يمكن أن تُفهم منها داخليا وخارجيا.
في المقابل، يدعو مدافعون عن السعدي إلى عدم الانزلاق نحو خطاب ديني متشنج، معتبرين أن الواقعة لا تعدو أن تكون اختيارا مرتبطا بمنتج تقليدي أو قطعة فنية، دون أي خلفية عقدية أو سياسية، مؤكدين أن المغرب راكم صورة دولية تقوم على التسامح الديني والتعدد الثقافي، وأن العلاقات الدبلوماسية الحديثة كثيرا ما تتضمن تبادل رموز ثقافية متنوعة.
غير أن الجدل يتجاوز شخص الوزير نفسه، ليتحول إلى جدل أوسع حول آليات تدبير البروتوكول الرسمي داخل المؤسسات الحكومية، ومدى وجود معايير دقيقة لاختيار الهدايا والرموز المعتمدة في الزيارات والأنشطة الخارجية.
ويرى متابعون أن القضية تكشف حساسية متزايدة لدى الرأي العام المغربي تجاه كل ما يرتبط بالرمزية الدينية والهوية المؤسساتية للدولة، خاصة في سياق إقليمي ودولي تتصاعد فيه النقاشات المرتبطة بالهوية والقيم والمرجعيات الثقافية.
كما أعادت الواقعة طرح سؤال التوازن الذي يحاول المغرب المحافظة عليه منذ سنوات بين الانفتاح الديني والحضاري من جهة، والحفاظ على ثوابته الدستورية والدينية من جهة أخرى، وهي معادلة تجعل أي تصرف رمزي صادر عن مسؤول رسمي قابلا لتأويلات سياسية وإيديولوجية متعددة.
وبينما يواصل الوزير التزام الصمت دون إصدار أي توضيح رسمي إلى حدود الساعة، تستمر الواقعة في تغذية الجدل في وقت تحولت صورة الوزير الشاب وهو يسلم الصليب إلى الراهب إلى موضع تعليقات ساخرة وغاضبة