توفي المفكر والفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران، Edgar Morin عن عمر ناهز 104 أعوام، بعد مسيرة فكرية امتدت لأكثر من ثمانية عقود، ترك خلالها بصمة عميقة في الفلسفة وعلم الاجتماع والدراسات الإنسانية المعاصرة. وأكدت وسائل إعلام فرنسية، نقلاً عن أسرته، أن موران فارق الحياة في باريس، بعدما ظل حتى سنواته الأخيرة حاضراً في النقاشات الفكرية والسياسية الكبرى داخل فرنسا وخارجها.
ويُعد موران واحداً من أبرز الوجوه الفكرية الفرنسية خلال القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، واشتهر بتطوير مفهوم «الفكر المركب»، الذي دعا من خلاله إلى تجاوز النظرة التجزيئية للمعرفة وربط مختلف العلوم والحقول الفكرية لفهم تعقيدات العالم المعاصر. كما عُرف بمواقفه النقدية تجاه الأيديولوجيات المغلقة، ودفاعه المستمر عن الحوار والتعددية والإنسانية.
ولد موران سنة 1921 في باريس باسم إدغار ناحوم داخل أسرة يهودية سفاردية، وعاش تحولات القرن العشرين بكل تناقضاتها، إذ شارك في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية، قبل أن ينخرط في العمل الفكري والبحثي داخل المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي. كما مرّ بتجربة الانتماء إلى الحزب الشيوعي الفرنسي قبل أن يبتعد عنه وينتقد الستالينية والأنظمة الشمولية.
وخلف موران عشرات المؤلفات التي تُرجمت إلى لغات عديدة، أبرزها سلسلة «المنهج» التي صدرت في عدة أجزاء بين 1977 و2004، إضافة إلى أعمال تناولت الثقافة الجماهيرية والسينما والسياسة والبيئة والهوية الإنسانية. كما ارتبط اسمه عالمياً بنظرية «التعقيد» التي أثرت في مجالات التربية والعلوم الاجتماعية والفكر البيئي.
ونعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، المفكر الراحل، واصفاً إياه بأنه «تجسيد للإنسانية»، مشيداً بقدرته على الاستمرار في التفكير والنقاش وإثارة الأسئلة الكبرى حتى آخر سنوات حياته.
درس موران الفلسفة، علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا، والفكر السياسي. من أبرز إنجازاته: تأسيس نظرية «الفكر المركب» أو «التفكير في التعقيد». وقد شارك في المقاومة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية.
عمل باحثاً بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي. ومن أشهر مؤلفاته: «المنهج»، «الإنسان والموت»، «روح العصر»، و«مدخل إلى فكر معقد».
حظي موران بعشرات الدكتوراه الفخرية والتكريمات الدولية، وأصبح مرجعاً فكرياً مؤثراً في أوربا وأمريكا اللاتينية وعدد من الجامعات حول العالم.
وبرحيل إدغار موران، تفقد فرنسا أحد آخر كبار مثقفيها الذين عايشوا أحداث القرن العشرين وأسهموا في صياغة أسئلة القرن الحادي والعشرين، تاركاً وراءه إرثاً فكرياً واسعاً ما زال يُدرّس ويُناقش في الجامعات ومراكز البحث عبر العالم.
كان متزوجاً من الباحثة وعالمة الاجتماع المغربية صباح أبو السلام، وهي من مواليد مدينة مراكش ومتخصصة في علم الاجتماع الحضري والتخطيط العمراني. وقد تزوجا سنة 2012.
ولم تكن العلاقة بينهما شخصية فقط، بل تحولت أيضاً إلى شراكة فكرية وأكاديمية؛ إذ ألّفا معاً عدداً من الكتب والمقالات، من بينها كتاب حول دروس جائحة كورونا، كما شاركا في مشاريع فكرية تتعلق بالحوار بين الشمال والجنوب وقضايا التنمية والإنسانية.
وخلال السنوات الأخيرة، كان موران يقضي فترات طويلة في المغرب، خصوصاً بمدينة مراكش، حيث امتلك مع زوجته إقامة هناك، وظهر في عدة لقاءات صحافية وثقافية وهو يتحدث عن ارتباطه بالمغرب وتأثيره في حياته الفكرية. كما وصفت بعض التقارير صباح أبو السلام بأنها أقرب مساعديه وحارسة إرثه الفكري في سنواته الأخيرة.
وكانت صباح أبو السلام حاضرة إلى جانبه في مناسبات رسمية وثقافية عديدة، من بينها مأدبة رسمية أقيمت في الرباط خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للمغرب سنة 2024.