كشف تقرير المهمة الاستطلاعية المؤقتة حول وضعية الطب الشرعي بالبلاد، الذي أعدته لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، عن اختلالات بنيوية تعرقل تطوير هذا القطاع الحيوي، كاشفا عن واقع مقلق يطبع البنيات التحتية ومستودعات الأموات والخصاص المسجل في الموارد البشرية المتخصصة.
التقرير الذي قدم خلال دورة أبريل 2026، عن وضعية مستودعات الأموات، أثار نقاشا مستفيضا بين أعضاء اللجنة والمسؤولين الحكوميين، في ظل ما وصفه النواب باختلالات هيكلية تؤثر بشكل مباشر على جودة خدمات الطب الشرعي.
وأكد أعضاء اللجنة أن مستودعات الأموات التابعة للمستشفيات، إلى جانب تلك التي تديرها البلديات والجماعات الترابية، تعاني من إكراهات أبرزها تقادم ومحدودية تجهيزات التبريد، فضلا عن الخصاص الكبير في الفضاءات المخصصة لحفظ الجثامين والعينات الطبية والمخبرية الحساسة. واعتبر التقرير أن هذه الوضعية تثير إشكالات مرتبطة بالحفاظ على الأدلة الجنائية واحترام المعايير الصحية والبيئية المعتمدة.
ولم يتوقف النقاش عند تشخيص هذه الاختلالات بل امتد إلى مساءلة القطاعات الحكومية المعنية بشأن مدى إدماج المتطلبات العلمية والتقنية الخاصة بالطب الشرعي ضمن الدراسات الهندسية ومشاريع بناء المستشفيات الجديدة، بما يضمن توفير مرافق تستجيب للمعايير الحديثة، ويحول دون تكرار الاختلالات التي تعاني منها العديد من مستودعات الأموات الحالية.
وفي جانب آخر رصد التقرير أزمة متفاقمة تتعلق بالموارد البشرية، إذ أقر وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار بوجود عزوف حقيقي من طرف الطلبة الأطباء عن اختيار تخصص الطب الشرعي.
وأرجع الوزير هذا التراجع إلى مجموعة من العوامل المتداخلة في مقدمتها محدودية الآفاق المهنية وضبابية المسار الوظيفي بعد التخرج، إلى جانب طبيعة العمل التي تفرض ضغوطا نفسية واجتماعية كبيرة، مقابل ضعف التحفيز المادي والمهني، مقارنة بباقي التخصصات الطبية الأكثر استقطابا.
وتحدث التقرير عن إمكانية إحداث مسارات تكوين متخصصة لفائدة الأطر التمريضية والتقنيين والمساعدين في مجال الطب الشرعي، بهدف تكوين موارد بشرية مؤهلة قادرة على مواكبة عمل الأطباء الشرعيين والتخفيف من الضغط الذي تعرفه المنظومة، في أفق بناء منظومة أكثر كفاءة، واستجابة لمتطلبات العدالة والقطاع الصحي.