خطة تسديد التبليغ: أهداف نبيلة ومقاربة ووسائل تحتاج إلى مراجعة

06/09/2026 - 09:41
خطة تسديد التبليغ: أهداف نبيلة ومقاربة ووسائل تحتاج إلى مراجعة

أطلقت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية منذ سنتين خطة تسديد التبليغ ضمن مقاربتها الهادفة إلى تعزيز وتقوية تأطيرها للخطاب الديني ولدور العلماء والخطباء، وحسب ما ورد في تقديم الدليل المرجعي لهذه الخطة المنشور بموقع الوزارة بتاريخ 5 شتنبر 2024 فإن هذا المشروع الذي يعتمد توحيد خطبة الجمعة، يهدف إلى:

– النهوض بأمانات العلماء في واجب تبليغ الدين من أجل تحقيق مقومات الحياة الطيبة في المعيش اليومي للناس بحيث يكون إيمانهم وعباداتهم ثمرات تنعكس على نفوسهم بالتزكية وصلاح الباطن، وعلى سلوكهم بالاستقامة وصلاح الظاهر.

– تقليص الهوة الفاصلة بين فضائل الدين، وبين أعمال كثير من الناس البعيدة عن تلك الفضائل؛ وإلى وصل ما انفصل في تاريخ المسلمين بين إيمانهم وتصديقهم الذي وقر في قلوبهم، وبين أقوالهم وأفعالهم الصادرة عن جوارحهم، وكأنه لا علاقة لأحدهما بالآخر، ولا تأثير لأحدهما في الآخر.

– أن يتحقق الناس بسعادتهم الدنيوية وبفلاحهم الأخروي، وتراهن في ذلك على تفعيل منظومة قيم الدين وأخلاقه في مجالات الحياة المختلفة انسجاما مع روح الدين وفلسفته في شمولها واستيعابها، وفي تأطيرها وتسديدها لأحوال الناس الخاصة والعامة.

وهي أهداف لا يمكن الاختلاف حول أهميتها ومشروعيتها ونبلها، غير أن الشكل العملي المعتمد لتحقيقها والمتمثل في إلزام الخطباء بإلقاء نصوص جاهزة معدة سلفا يطرح إشكالات وملاحظات على مستويات متعددة، سنحاول أن نقتصر في هذه المقالة على تلك المرتبطة منها بالمقاربة والشكل. وهي ملاحظات شخصية تبلورت من خلال الاستماع لخطب هذه الخطة منذ انطلاقها كل جمعة وفي مساجد متعددة:

أولا: تحويل الخطباء إلى مجرد « مكلفين بالإلقاء »

إن إعداد نص الخطبة مركزيا وإلزام الخطباء عمليا بالاقتصار على تلاوته، يلغي الدور الأساسي للخطيب كمربٍّ وموجه متفاعل مع خصوصيات جمهور المصلين واحتياجاتهم، ليتحول إلى مجرد مكلف بتلاوة نص لم يقم بصياغته ولا يعبر عن وجدانه ولا حتى عن أسلوبه الخاص في تناول القضايا والأفكار والتوجيهات الدينية. والنتيجة الحتمية لهذا الوضع أن يلقي الخطيب خطبته ببرود واضح، فتفتقد الخطبة إلى الحرارة والعاطفة الضروريتين لأي خطاب ديني مؤثر. ومعلوم أنه حين يفقد الملقي حماسه، يفقد المستمع تركيزه تلقائيا وقدرته على المتابعة، حتى وإن كان راغبا فعلا في المتابعة والاستفادة، لأن غياب التفاعل الحي بين الخطيب ونصه ينعكس مباشرة على غياب التفاعل بينه وبين جمهوره.

ثانيا: طبيعة النصوص المكتوبة لا تناسب فن الخطابة

يفاقم من حدة الإشكالية السابقة أسلوب صياغة النصوص المعتمدة وتسلسلها، والتي يغلب عليها الأسلوب المدرسي الأكاديمي، مما يجعلها أقرب إلى دروس تكوينية تصلح برنامجا تكوينيا للتلاميذ في الثانويات الإعدادية والتأهيلية، منها إلى خطب جمعة يفترض فيها التأثير والإقناع والحث على العمل.

فالخطابة فن قائم بذاته، له قواعده الخاصة التي تمكن من شد انتباه المستمع والتأثير فيه، وهذا كله يغيب في نصوص أعدت بمنطق تربوي-تعليمي بحت، لا بمنطق الخطابة المؤثرة.

ثالثا: غياب مراعاة الخصوصيات والمستوى المعرفي (للغة العربية والدين) لدى المخاطبين

من المسلمات الأساسية في فن الخطابة أن الخطيب الناجح هو من يراعي طبيعة جمهوره، سواء من حيث المواضيع المطروحة أو من حيث الأسلوب المعتمد أو حتى اللغة المستخدمة. فلا يعقل أن يخاطب سكان المناطق الجبلية النائية بنفس اللغة والأسلوب الذي يخاطب به طلبة الجامعات مثلا، ولا يمكن أن تكون الصياغات والأمثلة المعتمدة متماثلة في الخطب الموجهة لساكنة الأحياء الهامشية أو البوادي مع تلك الموجهة لساكنة الأحياء الميسورة، كما لا يستقيم أن تُلقى الخطبة بذات الصياغة في المناطق الأمازيغية والمناطق الناطقة بالدارجة المغربية.

إن التنميط الكامل للخطبة يلغي هذا التمايز الضروري، ويحول الخطاب الديني إلى قالب واحد لا يستجيب لتنوع المجتمع وتعدد شرائحه وحاجاته.

ومن تم فإن عددا من الخطب تكون بعيدة عن واقع فئات من المتلقين (نموذج الخطبة حول احترام قوانين السير مثلا بالنسبة لساكنة المناطق الجبلية والنائية التي لا تطرح فيها نهائيا مشاكل السير والجولان…). كما أن فئات واسعة من المتلقين مستوى ضبطهم للغة العربية أو رصيدهم من العلوم الدينية لا يمكنهم من فهم ما ينطق به الخطيب.

صحيح أن قلة من الخطباء تحاول الاجتهاد في تبسيط مضامين الخطبة وشرح بعض مقاطعها بالدارجة، ولكن عددهم يتقلص مع مرور الزمن، حسب ما لاحظت، كما أن هذا المجهود يبقى محدود الأثر.

وما يفاقم من تأثير الملاحظات أعلاه بعض المواضيع المتناولة من جهة، وطريقة تناول بعض المناسبات الوطنية في هذه الخطب من جهة أخرى.

لتكون الحصيلة عموما، حسب تجربتي الشخصية، ومن خلال ما اسمعه من كل من أتيحت فرصة الحديث معهم في الموضوع، هي فقدان الحماس للاستماع لهذه الخطب، وصعوبة التركيز في تتبعها. بل يصل الأمر بالبعض إلى تقصد التأخر في الحضور إلى المسجد حتى اقتراب انتهاء الخطبة.

والنتيجة العامة هي إضعاف دور المسجد والخطيب في التوجيه والتأطير.

رابعا: عدم استحضار خصوصيات المرحلة

السياق الزمني الذي تطبق فيه هذه الخطة سياق لا يسمح بالضبط ولا بمركزة التوجيه، فنحن نعيش عصر انفجار الوسائط الإعلامية والذكاء الاصطناعي، حيث تتزايد أعداد المستخدمين الذين يلجؤون للانترنت وإلى برامج وتطبيقات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومة والإجابة عن تساؤلاتهم، بما في ذلك في القضايا الدينية. خصوصا وأن هذه الأخيرة تقدم إجابات مباشرة على الاسئلة المطروحة عليها وبشكل تفاعلي، أصبح الكثيرون يفضلونه.

وحيث أن تنميط الخطبة وإضعاف الدور الحقيقي للخطباء والأئمة أدى إلى مزيد من إضعاف ثقة الناس في الخطاب الديني المؤسسي المباشر، فإن الأثر العكسي المرجح لهذه الخطة ولسياسة الضبط للخطاب الديني هو دفع فئات متزايدة، خاصة من الشباب، إلى البحث عن إجابات لأسئلتهم الدينية عبر المنصات الرقمية.

والأخطر من ذلك أن هذا التوجه لن يقتصر – كما كان الحال سابقا – على الانفتاح على مذاهب فقهية أخرى ضمن الفضاء الإسلامي عندما كان الأمر يقتصر على مواقع الانترنت، بل سيتجه نحو مصادر تتحكم في خوارزمياتها جهات أجنبية، بعضها معادٍ صراحة للإسلام، وبعضها الآخر يحمل أجندات خاصة قد لا تخدم بالضرورة مصلحة المتلقي أو تتماشى مع خصوصياته الدينية والثقافية عند اللجوء لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وهكذا تتحول خطة كان الهدف منها تحصين الحقل الديني، إلى عامل يسرّع من عملية اختراقه عبر بوابة أخرى أكثر خطورة.

مقترحات لتحقيق الأهداف المرجوة فعليا

انطلاقا من الملاحظات أعلاه، وحرصا على تحقيق الأهداف النبيلة التي تسعى إليها خطة تسديد التبليغ فعلا لا شكلا، وحتى لا يقتصر المقال على الانتقاد نقترح ما يلي:

أولا: عوض صياغة الخطب مركزيا وإلزام الخطباء بإلقائها كما هي، التركيز على توضيح مرامي وأهداف الخطة للخطباء أنفسهم بشكل جلي، وتحديد المواضيع ذات الأولوية التي ينبغي التركيز عليها بما يحقق الأهداف المرسومة، مع إمكانية تزويدهم – عند الاقتضاء – بنماذج استرشادية للخطب يمكنهم الاستئناس بها، على أن تترك لهم مساحة كافية لملاءمتها مع طبيعة متلقيهم وخصوصيات مناطقهم وأسلوبهم الخاص.

ثانيا:وضع برنامج شامل لتأهيل الخطباء، يركز على تطوير مهاراتهم في فنون الخطابة وأساليب الإلقاء الفعال القادر على شد انتباه المصلين، مع تكوينهم على كيفية ملاءمة خطابهم لمستويات جمهورهم المعرفية وخصوصياتهم الاجتماعية والثقافية واللغوية.

بهذا النهج، يمكن الجمع بين ضمان انضباط الخطاب الديني لثوابت الأمة وأولوياتها الوطنية من جهة، والحفاظ على حيوية وفعالية وتأثير خطبة الجمعة من جهة أخرى، بدل الوقوع في تناقض يهدد بإفراغ الخطبة من مضمونها المؤثر تحت ذريعة ضبطها وتقنينها.

 

 

شارك المقال