البرامج الانتخابية ومحددات السلوك الانتخابي بالمغرب؟

30/08/2026 - 17:39
البرامج الانتخابية ومحددات السلوك الانتخابي بالمغرب؟

عبد الغني السرار: أستاذ العلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والسياسية بالجديدة.

 

بداية، لا بد من الإشارة إلى أن تتبع المسار الانتخابي بالمغرب، على الأقل منذ أول انتخابات تشريعية عرفها المغرب في ظل دستور 2011 إلى الآن، يبين أن الصورة التي توجد عليها الأحزاب المغربية تختلف عن مثيلاتها في التجارب الدولية والمقارنة. ذلك أن التعددية الحزبية لا تعكس بالضرورة تعددية سياسية ومذهبية، بحيث تشكل التعددية الحزبية، في الواقع، تكريسا للأحادية السياسية أو الإيديولوجية.

فالمتتبع للبرامج الحزبية الانتخابية التي صاحبت الانتخابات التشريعية التي عرفها المغرب منذ سنة 2011 إلى 2021، يجد أن ما يميز هذه الانتخابات هو غياب التنافس الإيديولوجي، وغياب برامج سياسية أو انتخابية مبنية على تصنيف الأحزاب السياسية إلى يمين أو يسار. ذلك أن كل الأحزاب المغربية، بمختلف مرجعياتها الإيديولوجية وتلاوينها السياسية، ترفع تقريباً نفس الشعارات، وتستخدم نفس العبارات والمفاهيم العامة.

ومن بين هذه المفاهيم: الدولة الاجتماعية، والعدالة الاجتماعية، واقتصاد الرفاه، وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، وتعميم التغطية الصحية، وتوفير فرص الشغل، وتحسين الدخل، والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين وتحسينها.

كما تلجأ الأحزاب إلى استخدام نفس المرجعيات الفكرية، التي يمكن حصرها في ثلاثة أصناف. أولا، المرجعية الدينية، من خلال الدفاع عن الإسلام والهوية الوطنية. وثانيا المرجعية الدستورية، ممثلة في الثوابت الدستورية الجامعة للأمة المغربية، كما حددها الفصل الأول من الدستور. وثالثا، المرجعية الاقتصادية والاجتماعية، من قبيل محاربة الفقر والهشاشة والبطالة، وتوفير السكن اللائق، ودعم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتحسين القدرة الشرائية، وتعزيز أداء المدرسة العمومية، وتحسين الخدمة العمومية والإدارية، بالإضافة إلى المرجعية الحقوقية وضمان فعلية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وهذا التشابه في استخدام المرجعيات الدستورية والاقتصادية والاجتماعية من قبل جميع الأحزاب المغربية أفقدها رونقها الإيديولوجي وطابعها التنافسي، مما يدفعنا إلى القول إن الحملة الانتخابية بالمغرب لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب، ذلك أنها لا تطرح إلا أهدافاً دعائية تقليدية ذات مضمون سياسي ذي مستوى تقليدي هزيل.

وغياب التنافس السياسي مرده إلى انعدام برامج حزبية وانتخابية حقيقية، إذ اعتادت أغلب الأحزاب السياسية، في مختلف الاستحقاقات، على رفع شعارات عامة وفضفاضة، مثل التغيير الديمقراطي، ومحاربة الرشوة والفساد، وتحقيق الرفاه الاقتصادي وتحسين القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، والرفع من نجاعة الإدارة العمومية.

بالإضافة إلى ذلك، تتخذ الانتخابات طابعا شخصانيا، وغالبا ما تتحول المنافسة السياسية والانتخابية إلى منافسة بين أشخاص، تكون فيها لعبة الشخصيات السياسية أهم من لعبة البرامج الانتخابية والحزبية.

هذه الخاصية التي تتميز بها البرامج الانتخابية والحزبية ما تزال حاضرة بقوة حتى وقتنا الحالي، ومن غير المستبعد أن تنطبق حتى على الانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها في 23 شتنبر 2026.

فرغم أن هذه الانتخابات هي رابع انتخابات سيتم تنظيمها في ظل دستور 2011، وفي إطار مواصلة مسلسل الإصلاح والتخليق الانتخابي، فإذا ما حاولنا إجراء مسح بخصوص الخطوط العريضة التي من المحتمل أن تؤثث الحملة الانتخابية مستقبلا سنجد أنها، لا محالة، ستعرف توظيف نفس العبارات السابقة، مثل تقوية الاقتصاد التضامني والاجتماعي، ومحاربة الفقر والهشاشة، وتقوية متطلبات الدولة الاجتماعية، وتعميم التغطية الصحية، وتحسين أداء المرافق العمومية.

فبرنامج أي حزب يكاد لا يخلو من استعمال هذه المفاهيم والشعارات السياسية، الشيء الذي يدل على أن البرامج الحزبية لم تشهد أية تغييرات جوهرية، بحيث ستتضمن نفس المواضيع، مع اختلاف في التعبيرات المفاهيمية والدلالية.

فإذا أخذنا مثلا، البعد الحقوقي في البرامج الانتخابية السابقة منذ 2011 على الأقل، فإننا نجدها تذهب في اتجاه واحد يتمثل في سمو الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان على القوانين الداخلية، وضمان المساواة أمام القانون لجميع المواطنين والمواطنات، وإقرار مبدأ قرينة البراءة وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، وإصلاح القضاء، وتوسيع صلاحيات البرلمان في مجالي الرقابة والتشريع والمجال الدبلوماسي.

وهو ما يجعل الأحزاب تتبنى نفس الأفكار والمطالب، رغم كونها تؤكد في مرجعياتها السياسية على تبنيها إيديولوجيات سياسية متباينة.

أما في ما يتعلق بالسلوك الانتخابي، خصوصا في أوساط الفئات الفقيرة المنحدرة من أحياء هامشية بالمجال الحضري، وفي العالم القروي خاصة، فإنه بدوره ما زالت تؤطره وتحدده العديد من العوامل التقليدية، من قبيل العلاقات الشخصية وعلاقات القرابة أو العلاقات القبلية.

أي أن الناخب هنا لا يختار برنامجا انتخابيا أو بروفايل سياسيا بقدر ما يختار مترشحا أو منتخبا بناء على المعايير السابقة، وهو ما أنتج لنا علاقات زبائنية وشبكات نفوذ سياسي ذات أبعاد وتأثيرات انتخابية، خاضعة وتابعة لمراكز التأثير والنفوذ التي تحكمها الولاءات وشبكات النفوذ التابعة للمترشحين في الدوائر الانتخابية المحلية.

صحيح أنه حصل تطور وتقدم على مستوى الممارسة الانتخابية بالمغرب، بفضل الترسانة القانونية وتضييق الخناق في مواجهة شراء الأصوات وتوظيف المال السياسي. وصحيح كذلك أن وسائل الإعلام والمنصات الرقمية أصبحت تلعب دوراً شبه موجّه للسلوك الانتخابي بمناسبة الاستحقاقات التشريعية.

بيد أنه، رغم كل التحولات الرقمية والسوسيوثقافية والسياسية والقانونية التي شهدها الفضاء السياسي العمومي بالمغرب، فإن السلوك الانتخابي ما زالت تؤطره وتحكمه العديد من المظاهر التقليدية التي يبقى لها دور حاسم في الاختيارات الانتخابية، مثل الأبعاد القبلية والقروية والشخصية والعائلية، والزبائنية الانتخابية وما شابهها من الولاءات التقليدية.

ولعل ما يبرر ذلك هو شيوع ظاهرة الترحال السياسي بمناسبة كل استحقاق انتخابي وتشريعي. ذلك أنه، قبل أسابيع من استحقاقات 23 شتنبر 2026، برزت من جديد هذه الآفة السياسية القديمة، على خلفية تغيير حوالي 37 نائبا برلمانيا لانتماءاتهم الحزبية التي فازوا بلونها بالمقعد البرلماني برسم انتخابات 2021.

وهذا يكشف أن عملية التصويت في العملية الانتخابية تتحكم فيها العلاقات الشخصية والقبلية والزبائنية أكثر مما تتحكم فيها الانتماءات الحزبية أو السياسية.

شارك المقال