في مشهد يتجدد مع كل مناسبة دينية، ويستعيد فيه المغرب عبق أصالته الروحية وامتداده التاريخي العريق، استدعى الديوان الملكي، عبر التشريفات الملكية والأوسمة الشريفة، ثلة من كبار شيوخ الزوايا ورجال الله العارفين، لحضور المجالس النورانية التي يترأسها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين، أعزه الله ونصره، في المناسبات الدينية الكبرى التي تُقام بالقصور الملكية العامرة.
وقد كان آخر هذه المحافل الروحية الجليلة، حفل إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف لعام 1448هـ، الذي احتضنه القصر الملكي العامر بالرباط، في أجواء إيمانية خاشعة، جمعت بين هيبة الملك وجلال المقام النبوي وسمو المجلس السلطاني، فامتزجت فيها روحانية الذكر بجمال البروتوكول الملكي العريق، وتعانقت فيها معاني الحب النبوي بمظاهر الإجلال الرسمي لمقام سيد الخلق صلى الله عليه وسلم.
المولد النبوي في المغرب… تقليد ملكي متجذر
تحتفل المملكة المغربية بذكرى المولد النبوي الشريف احتفالا يتسم بالخصوصية والتفرد، إذ يجمع بين البُعد الرسمي والبُعد الشعبي، وبين المظاهر الدينية والمظاهر الحضارية. وقد رسّخ ملوك الدولة العلوية الشريفة، جيلا بعد جيل، تقليد إحياء هذه الذكرى العطرة، إيمانا منهم بأن الاحتفاء بمولد المصطفى صلى الله عليه وسلم هو احتفاء بالرسالة الخالدة التي حملها، وبالقيم السمحة التي جاء بها.
ويأتي حفل المولد النبوي الشريف الذي يترأسه أمير المؤمنين ليجسد هذا الامتداد التاريخي، وليؤكد أن المغرب، بقيادة ملوكه الأشراف، ظل ولا يزال حصنا منيعا لصيانة السنة النبوية، وحاميا لمنهج المحبة النبوية في مواجهة تيارات التطرف والغلو التي تسعى إلى تشويه صورة الإسلام السمحة.
حضور مشيخي وازن يعكس عمق التلاحم الروحي
وقد تشرّف بحضور هذا الحفل البهيج ثلة من كبار شيوخ الطرق الصوفية المغربية الأصيلة، الذين يمثلون امتدادا حيا لسلسلة نورانية متصلة من العلماء والعارفين والصالحين، وفي مقدمتهم كنماذج:
– مولاي علي الريسوني، شيخ الزاوية الريسونية العريقة، سليل بيت علم وجهاد وتصوف، تلك الزاوية التي أنجبت رجالا كانوا شموسا في سماء المغرب الروحي، وأسهمت في تحصين الشمال المغربي علميا وروحيا وجهاديا.
– مولاي الغالي الحراق، شيخ الزاوية الحراقية ذات الإشعاع الروحي والعلمي، والتي أسسها العلامة الصوفي الكبير سيدي محمد الحراق التطواني، صاحب الديوان الشعري الصوفي الشهير، الذي لا تزال قصائده تُنشد في المجالس والحضرات في المغرب وخارجه.
– مولاي معاذ القادري بودشيش، شيخ الزاوية القادرية البودشيشية، الممتدة عبر مريديها في المغرب والعالم، والتي كان لها إسهام كبير في نشر التصوف السني المعتدل، وتربية الأجيال على مكارم الأخلاق ومعاني السلوك السني القويم.
وهو حضور يعكس المكانة الرفيعة لهذه البيوتات الروحية في وجدان المغاربة، وامتدادها التاريخي الضارب في عمق الهوية الدينية للمملكة، ويكشف عن العناية الملكية السامية بهذه المؤسسات الروحية العريقة.
دلالات عميقة لهذا الاستدعاء الملكي الكريم
إن استدعاء شيوخ الزوايا إلى المجالس الملكية النورانية ليس مجرد تشريف بروتوكولي عابر، بل هو رسالة ذات أبعاد متعددة ودلالات عميقة، يمكن استجلاء أبرزها في ما يلي:
أولا: التأكيد على مركزية التصوف كثابت من ثوابت الأمة
يُعدّ التصوف السني المعتدل، القائم على تزكية النفوس وتصفيتها، والتخلق بأخلاق النبوة، أحد الأركان الكبرى للنموذج الديني المغربي، إلى جانب العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي وإمارة المؤمنين. وهذه الثوابت الأربعة تشكّل الحصن المنيع الذي يحمي الأمة المغربية من كل انحراف فكري أو عقدي، ويضمن استمرار وحدتها الروحية والوطنية.
فالتصوف في المغرب ليس ترفا فكريا أو ممارسة هامشية، بل هو منهج تربوي عميق، أسهم على مدى قرون في صناعة الإنسان المغربي المتوازن، الذي يجمع بين صلاح الظاهر وصلاح الباطن، وبين العبادة والمعاملة، وبين الدين والدنيا.
ثانيا: تجسيد التلاحم الروحي بين إمارة المؤمنين ورجال الزوايا
هذا اللقاء الملكي بشيوخ الزوايا يجسّد تلاحما روحيا عميقا بين مؤسسة إمارة المؤمنين ورجال الله، في خدمة المنهج النبوي الأبوي السمح، الذي يقوم على الوسطية والاعتدال، ونبذ الغلو والتطرف، وإشاعة قيم المحبة والتسامح والتعايش.
وهو تلاحم ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لعلاقة تاريخية عميقة، جمعت دائما بين السلاطين الأشراف وشيوخ التصوف، وكانت هذه العلاقة قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون الوثيق في خدمة الدين والوطن.
ثالثا: إضفاء الطابع الرسمي على التصوف وتراث أهل الله
من خلال هذه المجالس، تُبرز الدولة المغربية اعتزازها بتراثها الصوفي، وتُضفي الطابع الرسمي على مؤسسات الزوايا، التي تعبق بالتاريخ والجهاد والعلم وحب الوطن. فالزوايا المغربية ليست فقط مراكز للذكر والعبادة، بل هي أيضا مدارس علم، ومقاومات للاستعمار، وحلقات وصل اجتماعي، ومنابر للتربية على قيم المواطنة الصالحة.
رابعا: الاعتزاز الرسمي بالهوية الدينية المغربية
يعكس هذا المشهد اعتزاز الدولة المغربية بهويتها الدينية المتفردة، تحت الرعاية السامية لأمير المؤمنين، حامي حمى الملة والدين، والضامن لصيانة ثوابتها من كل انحراف أو تحريف. فالمغرب، بقيادة ملوكه الأشراف، اختار منذ قرون طويلة نموذجا دينيا خاصا به، يستلهم من الوحي أصوله، ومن الاجتهاد المقاصدي فروعه، ومن الواقع تنزيلاته.
خامسا: تحصين الجبهة الروحية للأمة
في زمن تكثر فيه الفتن، وتتعدد فيه دعاوى التطرف والغلو من جهة، والانحلال والتمييع من جهة أخرى، تبرز أهمية تحصين الجبهة الروحية للأمة، وذلك عبر تفعيل دور المؤسسات الدينية الأصيلة، وفي مقدمتها الزوايا، التي تمثل صمّام أمان روحي واجتماعي، وتُسهم في نشر ثقافة الاعتدال والتسامح والمحبة.
الزوايا المغربية… ذاكرة الوطن ومنارات الروح
لقد ظلت الزوايا المغربية عبر التاريخ حصون علم وإشعاع روحي، ومدارس لتربية الأجيال على قيم الإسلام السمحة، وحلقات وصل بين مختلف أقاليم المملكة. فمنها تخرج علماء أعلام، وقادة مصلحون، ومجاهدون أبطال، ومربّون فضلاء.
وقد امتدت أنوار الزوايا المغربية إلى إفريقيا جنوب الصحراء، فكانت جسرا روحيا وحضاريا بين المغرب وشعوب القارة السمراء، وأسهمت في نشر الإسلام السني المعتدل على المذهب المالكي في تلك الأصقاع، مما جعل الزوايا المغربية سفيرا حضاريا وروحيا للمملكة عبر التاريخ.
كما أن دور الزوايا في مقاومة الاستعمار لا يمكن إنكاره، فقد كانت في طليعة المؤسسات التي حرّضت على الجهاد، وأمدّت المقاومة الوطنية بالرجال والعتاد والدعم المعنوي، وحفظت الهوية الوطنية من الذوبان في ظل المحاولات الاستعمارية لطمسها.
ومن ثم، فإن إبراز هذا الحضور المشيخي في المجالس الملكية إنما يُعيد للزوايا الاعتبار الذي تستحقه، ويؤكد أن الدولة المغربية، بقيادة أمير المؤمنين، ماضية في صون هذا الموروث الروحي العظيم، وتوظيفه في خدمة قضايا الأمة الكبرى، وترسيخ الأمن الروحي للمواطنين.
النموذج الديني المغربي… تفرد يستلهمه العالم
إن ما يميّز التجربة المغربية في تدبير الشأن الديني هو قدرتها على التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، وبين الثبات على الثوابت والانفتاح على المستجدات. وقد أصبح هذا النموذج المغربي محل إعجاب واستلهام من قِبل كثير من الدول، خاصة في إفريقيا وأوروبا، التي بعثت بأئمتها ليتكونوا في معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات بالرباط.
وتُشكّل الزوايا جزءا لا يتجزأ من هذا النموذج، إذ تقوم بدور التربية الروحية والتزكية النفسية، في مقابل الدور العلمي الذي تقوم به المؤسسات الرسمية كالمجالس العلمية والرابطة المحمدية للعلماء ودار الحديث الحسنية وغيرها.
خاتمة
إن هذه المشاهد النورانية التي تجمع أمير المؤمنين بشيوخ الزوايا في القصر الملكي العامر، تختزل في مضمونها فلسفة الحكم في المغرب، القائمة على الجمع بين السلطتين الزمنية والروحية في شخص أمير المؤمنين، وعلى الاعتماد على المكونات الأصيلة للأمة في بناء نموذجها الديني المتفرد.
كما تحمل هذه المشاهد رسائل عميقة، ليس فقط للمغاربة، بل للعالم أجمع، مفادها أن الإسلام دين محبة ورحمة ووسطية واعتدال، وأن المؤسسات الدينية الأصيلة، حين تحظى بالرعاية والدعم، تكون قاطرة للتنمية الروحية والاجتماعية، وسدا منيعا في وجه كل مشاريع التطرف والانحراف.
فحفظ الله مولانا أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وأدام على المغرب نعمة الأمن والإيمان والاستقرار، تحت قيادته الرشيدة السديدة، ونصر الله وليّ عهده الأمير المحبوب مولاي الحسن، وشدّ أزره بشقيقه الأمير الجليل مولاي رشيد وسائر الأسرة الملكية الشريفة، ورحم الله من كانوا لهم سندا، أبا وجدا.