أزمة المحاماة في المغرب: حين تتحول الأزمة من قطاعية إلى شاملة 

أزمة المحاماة في المغرب: حين تتحول الأزمة من قطاعية إلى شاملة 

سبق أن كتبت مقالا تحت عنوان: « أزمة إحالة قانون المحاماة حين يتحول تصلب الأغلبية إلى عجز سياسي ومؤسساتي وقانوني »، وكان ذلك قبل أن يتقرر نشر القانون 66.23 إيدانا بتطبيقه وبأثر فوري، وتلى ذلك اجتماع لمجلس جمعية هيئات المحامين بالرباط بتاريخ: 27 غشت 2026، وكان ربما أطول اجتماع في تاريخ الجمعية وأكثرها إثارة للجدل، إذ استمر من الساعة العاشرة والنصف إلى الثانية ما بعد منتصف الليل. مع ما رافق ذلك من نقاش وتجاذبات وتقاطبات في وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بالمحامين بين فريق مؤيد للاستمرار في التوقف وآخر مناهض له، وكل يدعي أن موقفه هو الأسلم نصرة للمهنة واستقلاليتها.

وإن كنت لا أشك في نوايا الفريقين معا، فإنني استنكفت عن الانخراط في هذا الجدال لكوني ببساطة أومن، من جهة أنني عندما صوتت على مجلس هيئتي أكون قد فوضته اتحاذ القرار الصائب، ومن جهة ثانية، أنني أنظر إلى الأمر من زاوية أكثر خطورة وأكبر أثرا، ألا وهي الزاوية السياسية.

في اعتقادي فإنه اليوم، لم تعد أزمة المحاماة أزمة مهنة فقط، ولا مجرد خلاف مع وزير العدل، إنها اختبار حقيقي لقدرة الدولة ومؤسساتها على تدبير الخلاف، وحماية استقلال الدفاع، وصون الثقة في المؤسسات.

فهناك محطات في حياة الدول لا يكون فيها أخطر ما يحدث هو وجود الخلاف، وإنما عجز المؤسسات عن حل الخلاف، وأزمة قانون مهنة المحاماة في المغرب تبدو اليوم واحدة من هذه اللحظات.

فبعد مسار طويل من الاحتجاج والحوار والتصعيد، لم تعد القضية تتعلق فقط بمقتضيات قانونية تختلف حولها وزارة العدل وهيئات المحامين بل انتقلت إلى مستوى أعلى: كيف تصنع الدولة قانوناً يهم مهنة هي جزء أساسي من منظومة العدالة؟ وكيف تتعامل مؤسساتها مع رفض مهني واسع له؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يستمر النزاع دون حل؟

والأكثر إثارة للقلق أن الدولة تبدو، في هذه اللحظة، وكأنها حاضرة بأجهزتها وغائبة بقرارها.

هل الدولة اختزلت في وزارة العدل وحدها؟

قد يكون من المشروع سياسياً أن تدافع وزارة العدل عن تصورها للإصلاح، وقد يكون من حق الحكومة أن تتمسك بخياراتها التشريعية، وقد يكون للبرلمان أن يمارس اختصاصه في التشريع، لكن المؤكد أن الدولة أكبر من الحكومة، والحكومة أكبر من وزارة العدل، والمؤسسات الدستورية ليست جزرًا منفصلة لا يجمع بينها سوى الاختصاصات التقنية.

وأعتقد لذلك أنه عندما يتحول خلاف مهني مع المحامين إلى أزمة تمس سير العدالة وحقوق الدفاع والثقة في المؤسسات، فإن السؤال يصبح سؤال دولة:

أين هي آليات الدولة لحل الأزمة؟

فقد تقول مؤسسة ما إنها غير مختصة وتقول أخرى إن شروط التدخل غير متوفرة، وقد يكون لكل موقف سنده القانوني ولكن مجموع هذه المواقف لا يمكن أن ينتج عنها دولة تقول للمجتمع في النهاية: لا أحد يستطيع أن يفعل شيئاً.

فالقول بعدم الاختصاص قد يكون جواباً قانونياً صحيحاً في حالة محددة، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى نظرية عامة لإعفاء الدولة من المسؤولية السياسية وهنا تحديداً تكمن خطورة ما يحدث.

هل يصبح «تعذر البت» تعذراً في تحمل المسؤولية؟

إذا كان من المسلم به أن لا أحد يطالب المؤسسات الدستورية بأن تتجاوز اختصاصاتها، ولا أحد يطالب القضاء بأن يصدر حكماً تحت ضغط الشارع، ولكن المطلوب هو شيء آخر تماماً:

أن تبحث الدولة عن المخرج داخل منظومتها المؤسساتية بدل انتظار انتهاء الأزمة من تلقاء نفسها، وأن تقوم كل مؤسسة – فعليا وعمليا – بدورها بدون مواربة.

فالديمقراطية ليست فقط توزيع الاختصاصات فقط، بل هي أيضاً قدرة المؤسسات على التفاعل والتكامل عندما تواجه الدولة أزمة حقيقية، وإذا كانت مؤسسة لا تستطيع أن تتدخل، فهذا مفهوم، لكن من يستطيع إذن أن يجد الحل؟

هل هي الحكومة؟

هل هو البرلمان؟

هل هو الحوار المؤسساتي؟

هل هي المراجعة التشريعية؟

هل هو القضاء؟

هل هي الرقابة الدستورية حيث تتوافر شروطها؟

فكل هذه الآليات موجودة في دولة المؤسسات، ويمكن تفعيلها بصفة مسؤولة طبقا لمقتضيات الدستور.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي بالنسبة لي: من يملك الاختصاص؟ بل: من يتحمل المسؤولية عن إيجاد المخرج؟

وهو سؤال يرفع مستوى النقاش ليتجاوز قطاع المحاماة في صراعه مع الجهة التي أوعزت بتشريع القانون: 66.23.

وزير العدل لم يعد وحده في الواجهة:

لقد أصبح – نتيجة لهذه الأزمة – اسم وزير العدل حاضراً بقوة، خصوصاً بعد تمسكه بمشروع إصلاح قانون مهنة المحاماة ودفاعه السياسي عن تمريره.

لكن اختزال الأزمة في شخص الوزير قد يكون خطأ، لأن الوزير، في نهاية المطاف، عضو في حكومة، والقانون، عندما يصبح قانوناً، لا يعود قانون وزير ولا قانون وزارة، بل يصبح نتاجا تشريعيا للحكومة ومحسوب عليها.

كما أن الأزمة، عندما تستمر بهذا الحجم، لا تعود أزمة شخص، بل تصبح اختباراً حقيقيا للحكومة وللأغلبية وللبرلمان ولطريقة اشتغال المؤسسات كلها.

ولهذا، فإن استمرار الأزمة أو حلها سيشكل، شاءت الحكومة أم لم تشأ، جزءاً من تقييم حصيلتها السياسية.

الساعة السياسية تضيق عن إيجاد الحلول:

إن الأمر الأكثر أهمية حسب ظني في الظرف السياسي الحالي هو ضيق الوقت بسبب الاستحقاقات المقبلة ونهاية ولاية هذه الحكومة المثيرة للجدل .

فالبلاد مقبلة على استحقاق انتخابي في 23 شتنبر، والحكومة تدخل عملياً المرحلة الأخيرة من عمرها السياسي، وهنا تظهر المفارقة التالية:

ما كان يمكن أن يعتبر في بداية الولاية مجرد إصلاح تشريعي قابل للنقاش والتفاوض، تحول في نهايتها إلى ملف سياسي حارق تحاسب عليه الحكومة برمتها وأصحاب القرار في الدولة.

ومن هذه الزاوية، وكما قلت في بداية المقال، فإنني – شخصيا – أنظر إلى الأزمة من زاوية أشمل وأطرح السؤال على الفاعلين السياسيين، الذي هو ليس فقط:

كيف أدرتم إصلاح العدالة؟ كيف تعاملتم مع المحامين؟ هل نجحتم في بناء توافق حول قانون مهنة المحاماة؟ وهل خرجتم من الأزمة بقانون يحظى بالقبول أم تركتم وراءكم جرحاً مؤسساتياً مفتوحاً؟

لأنتقل إلى سؤال أعم وأشمل:

ماذا فعلتم بمقاربتكم الاقصائية والانفرادية في الاقتصاد؟ وفي التعليم؟ وفي الصحة؟ وفي القضايا الوطنية الأخرى … داخليا وخارجيا ؟

حين تحول الموضوع من: «المحامون ضد الحكومة» إلى: «المجتمع يسائل الدولة»:

ففي نظري، نجح المحامون في هذه المعركة لأنهم غيروا زاوية النظر إلى الموضوع، وأظهروا أن المعركة الأقوى ليست: المحامون ضد وزير العدل و لا: المحامون ضد الحكومة.

بل: المجتمع يسائل الدولة عن المقاربة الاقصائية والانفرادية في معالجة مشاكل المواطنين كافة في الاقتصاد وفي التعليم وفي الصحة ثم في استقلال الدفاع وجودة العدالة وطريقة صناعة القوانين التي تمس الحقوق والحريات والقضايا الوطنية الأخرى … داخليا وخارجيا.

وفي هذه النقلة النوعية تغيير في ميزان القوة.

لأن المحامي عندما يدافع عن مصلحة مهنية فقط، يمكن للسلطة أن تقول: هذه قضية فئوية، أما عندما يشرح أن استقلال المحامي هو ضمانة للمتقاضي، وأن استقلال الدفاع جزء من المحاكمة العادلة، وأن جودة التشريع تؤثر في المواطن قبل أن تؤثر في المهني، فإنه ينقل القضية إلى مجال أوسع بكثير يهم فئات المجتمع برمتها.

وخلاصة الجزء الأول من مقالي أنه في اعتقادي المحامون نجحوا في نقل النقاش من مستوى أزمة التشريع لفئتهم إلى مستوى أوسع يسائل الحكومة برمتها عن المقاربة الاقصائية والانفرادية في التعامل مع الفئات المجتمعية الحية، ويسائل الدولة عن الاستنكاف عن تفعيل الأدوات الدستورية لحل الأزمات.

يتبع … الجزء الثاني من المقال: رصد أثر أزمة المحامين على الانتخابات التشريعية القادمة.

 

 

 

 

 

شارك المقال