فماذا جرى له في ضيافة الشرطة القضائية في كلميم. لن أعتمد على الشهادة الصادمة للضحية، الحسين لهذه الجريدة، لأن شهادته مجروحة، بل سأعتمد على ما جاء في الشهادة الطبية التي حررها الكولونيل الشجاع، مدير المستشفى العسكري بكلميم، بعد أن أحيل عليه المتهم وهو في حالة يُرثى لها وكأنه كان في ضيافة (داعش)، وليس في مخفر نظامي وبين يدي حُماة القانون يا حسرتاه…
ماذا قالت الشهادة الطبية الصادرة عن المستشفى العسكري بكلميم : (إن الحسين بوحلس وأثناء عرضه على الخبرة الطبية، اتضح أنه يحمل كدمات وعدة جروح سطحية متعددة على مستوى وجهه وسائر جسده، وجرحا آخر مع وجود آثار الحذاء على مستوى كتفه الأيسر، (الضابط الرياضي رسم علامة adidas في كتف الضحية، وهذا يكشف القوة التي كان يركل بها الضحية)، كما يوجد في جسد الحسين ست ندب ناجمة عن كيّ على مستوى صدره. (كان الضابط يحرق الضحية بأعقاب السجائر وكأنه يبحث عن معلومات خطيرة من الشاب البائس)، وأن الفحص المدقق الذي أجري على أذن الحسين اليمنى أثبت وجود ثقب في هذه الأذن، وأن مدة الثقب في شبكة الأذن المذكورة تعود إلى أقل من ثلاثة أيام، نتج عن ذلك نقصان حاد في حاسة السمع… إن كل الجروح والكدمات التي عاينتها الخبرة الطبية، ناتجة في غالب الأمر عن اعتداء جسدي وقع خلال ثلاثة أيام، وحُددت مدة العجز في 21 يوما…
مدة ثلاثة أيام هي المدة الفاصلة بين اعتقال الحسين وعرضه على الخبرة الطبية….
في هذه القصة خمسة أطراف، اثنان قاما بعملهما وواجبهما بنزاهة واستقلالية وجرأة يستحقان عليها التنويه، وهما الطبيب الكولونيل مولاي الحسن الطاهري، الذي أنجز الخبرة الطبية وحدد بدقة آثار ومواضع التعذيب في جسد الحسين، والطرف الثاني الذي خرج مرفوع الرأس من هذه الورطة، هو الهيئة التي أصدرت حكم براءة المتهم، الذي تعرض للتعذيب وهي الهيئة المكونة من السادة الفضلاء محمد عزام الرحالي، رئيسا، ونورالدين العلام، مقررا، وعلي أيت كاغو، مستشارا. وهؤلاء قضاة في محكمة الاستئناف في أكادير وهم من ألغوا الحكم الابتدائي، الذي حكم على الحسين بسنة سجنا وقضوا ببراءة الأخير لأن محضر الاستماع إليه باطل، لأنه جرى تحت التعذيب والحرق والرفس والركل….
الطرف الثاني الذي خرج من هذه الورطة وآثارها فوق يديه بتفاوت، هو أولا، الضابط المتهم بالتعذيب، والذي أشرف على حفلة سلخ وضرب وكي، انتهت بالتسبب في عاهة مستديمة للضحية في أذنه وحاسة السمع لديه. دعك من الآثار النفسية للتعذيب وامتهان الكرامة، هذا الضابط حِسابه عند الله، وأمام القضاء، إن فُتح تحقيق جدي معه.
الثاني، هو وكيل الملك في سيدي إفني، الذي امتلك نصف الجرأة بأن عرض الحسين على الخبرة الطبية، لكنه لم يمتلك النصف الآخر من الجرأة لكي يفتح تحقيقا مع الشرطي المتهم بالتعذيب بعد أن رجع إليه التقرير الطبي، جازما بأن الحسين عُذّب وثقبت أذنه، وتبهدل في ضيافة الشرطة القضائية. ترك الوضع على حالته ودفع بالملف إلى القضاء، وحتى ممثل النيابة العامة في المرحلتين الابتدائية والاستئنافية لم ينتبها إلى أن التعذيب يُبطل المحاضر، وأن الحسين كان يجب أن يخرج من المحكمة إلى بيته في أول جلسة للمحكمة الابتدائية، لكن هذه الأخيرة، وهذا هو الطرف الثالث الذي خرج من هذه النازلة وآثارها تلاحقه، هو القاضي في المحكمة الابتدائية، الذي أصدر عقوبة سنة في حق المتهم رغم وجود شهادة طبية من المستشفى العسكري، تُجزم بتعذيب المتهم أثناء استنطاقه، وبأن المحاضر وقعت بالدم والعرق والأنين…القاضي الابتدائي، وإن ألغى مفعول المحاضر من الملف، فإنه لم يصرح ببراءة المتهم، بل اعتبر أن الأدلة الأخرى، التي وصلت إليها الشرطة القضائية في هذه النازلة (رغم استعمالها أساليب عنيفة وغير قانونية ومجرمة)، وسائل صالحة لإدانة المتهم، وهذا (اجتهاد) فندته محكمة الاستئناف وفق المادة 293 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على: (لا يُعتد بكل اعتراف ثبت انتزاعه بالعنف والإكراه)، فكيف تقرر المحكمة إبعاد المحاضر وتطمئن لباقي القرائن الأخرى التي قدمتها الشرطة القضائية لإدانة المتهم !!!
هذه النازلة تكشف عن أعطاب الشرطة القضائية في بلادنا، وعن الطريقة التي مازال بعض أفراد الشرطة يتعاملون بها مع المغاربة (الضرب، الحرق، السب، الركل، ثم ثقب الآذان). السؤال الآن عندما كان هذا الضابط يقيم حفلة التعذيب هذه في مخفر الشرطة بلا شك، فإن رئيسه وزملاءه استمعوا إلى صراخ الحسين ورأوا آثار السجائر مرسومة على جسده. لماذا لم يتحركوا للتبليغ عن جريمة التعذيب، وهي جريمة يُعاقب عليها القانون؟ كيف رجع الشرطي لمزاولة عمله بعد صدور التقرير الطبي، الذي يدينه في شهر يونيو وإلى الآن مازال صاحبنا في مكانه مثله مثل الشرطي، الذي تسبب في وفاة كمال العماري في آسفي بشهادة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إنها حالات معزولة وتعذيب غير ممنهج !!!