نحــن.. وتركــيا

01 سبتمبر 2014 - 23:02

وقد ظن كثيرون أن تجربة «الإسلاميين في هذا البلد، اختصرت عليهم الطريق، وأنارت لهم سُبُل اقتفاء أثر نجاح «العثمانيين الجدد» في بلدانهم، فراحوا يستنيرون بأدائهم، ويقتدون بسلوكهم السياسي، بل وأحياناً يُمعنون في التشبّه والتماهي معهم.. وقد قرأت، واستمعت، في مناسبات كثيرة، من يجرأ على الجزم بأن تجربة حزب العدالة والتنمية التركي أقرب إلينا نحن العرب، من أي نموذج آخر، وأن الأمر يحتاج منا استيعاب أفكاره، وتمثّل قيمه، وحسن اعتماد أساليبه وطرقه، للظفر بالنجاحات التي كانت من نصيبه..ومن السذاجة السياسية أن هؤلاء نسوا، أو تناسوا أن النجاحات يصنعها الناس في سياقات بلدانهم..وأن ليست هناك وصفة سحرية يضعها البعض، ليطبقها آخرون تحت الطلب.  

 أكتب هذا العمود، وأنا أتابع باهتمام كبير ما يجري في تركيا من تطورات متصاعدة وعميقة: حزب مدني بمرجعية إسلامية يرسّخ قاعدته، ويُضاعف انتصاراته داخلياً وإقليميا ودوليا. تجدّد مستمر للأفكار وتعاقب للنخب داخل الحزب الحاكم. وسير حثيث لاستكمال بناء «تركيا الجديدة» في أفق 2023. كيف يستطيع المرء فهم ما يجري في تركيا بعقله لا بقلبه أو وجدانه؟

 ليس هناك سر في ما أنجزه «الأتراك» في زمن قياسي خلال حكم حزب العدالة والتنمية. ومع تشديدي على النسبية في معالجات العلوم الاجتماعية، أقدّر أن حزب العدالة والتنمية مدين في جانب مهم من شروط نجاحه إلى تراث الدولة الكمالية التي وضع أسسها «كمال أتاتورك»، ورسّخها بالإقناع والقوة معا. فحين سقطت الخلافة[1924]، تمت صياغة فلسفة جديدة للدولة والمجتمع والعلاقة الواجبة بينهما..ففُصل مجال العبادات عن فضاء المعاملات، وتم «تكريس حرية المعتقد والضمير، ونُسجت قواعد السياسة، التي هي فعل بشري بامتياز..ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، بل تمّ إقرار ضمانات دستورية لاحترام شرعية الدولة الجديدة التي أرست الكمالية أسسها العميقة (…)

 وفي سياق فهم ما يجري في تركيا، أذهب إلى الجزم بعدم صواب من يعتقد أن التجربة التركية قابلة لـ «الاستيراد» ، أو «الاستنساخ» في بلداننا العربية، لاعتبارات موضوعية، أهمها أن للتجربة تاريخيتُها الخاصة بها، أي الشروط العامة المنتِجة لها، والمتحكِّمة في مسارها. ولتعزيز هذا الادعاء، أستحضر خلاصات ورشة علمية ـ شاركت فيها قبل ست سنوات [2008]، التأمت أشغالها في إحدى الجامعات الخاصة في اسطنبول، وجمعت نخبة من الباحثين والأكاديميين العرب ونظرائهم الأتراك ـ  كان موضوعها المحوري النظر في ما إذا كانت هناك دروس مستفادة من تجربة حكم حزب العدالة والتنمية في تركيا بالنسبة إلى المنطقة العربية. 

 خلُص المشاركون، عرباً وأتراكاً، إلى استحالة الاقتداء بالتجربة التركية في تعزيز مسارات مشاركة «الإسلاميين»، أو تطلعاتهم للمشاركة في البلاد العربية، خلافاً لنظرائهم في تركيا. وقد أرجعوا هذه الاستحالة إلى عاملين اثنين، من طبيعة بنيوية، مُميِّزين للأتراك عن العرب. يتعلق الأول بوجود توافق، وضمانات لاحترام التوافق، حول قواعد اللعبة السياسية في تركيا، نظير ضعف وجود هذه القواعد أو انعدامها أصلاً في المجال السياسي العربي. وكما أسلفنا القول، تكونت مجمل هذه القواعد، وتراكمت، وتوطنت في الثقافة السياسية للدولة والمجتمع في تركيا منذ تأسيس الدولة الكمالية [1924]. أما في منطقتنا العربية فمازلنا نترنح ونتوق إلى الوصول إلى حدّ أدنى منها. أما العامل البنيوي الثاني، فيتمثل في تمكن حزب العدالة والتنمية في تركيا، ليس من الوصول إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع منذ العام 2002 فحسب، ولكن نجاحه في صياغة سياسات عمومية ومحلية، واقتداره في الإشراف على تنفيذها، وقطف ثمارها الإيجابية بالنسبة إلى أوضاع الناس وتطلعاتهم.. وهذا ما ساعده على استمراره حاكماً ومحافظا باستمراره على شعبيته. أما في بلادنا العربية، فحال التيارات الإسلامية، أو الأحزاب المدنية ذات المرجعية الإسلامية، إما الإقصاء والإبعاد، أو المشاركة الصورية في السلطة، أو المشاركة ضمن تحالفات وسياقات غير مضمونة النتائج، والخوف كل الخوف أن تؤول نتيجتها إلى الترهّل  والإضعاف..وتلك حكاية أخرى..

 

[email protected]

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي