من إدخال الذكاء الاصطناعي إلى مسميات الحقائب الوزارية، مقابل غياب قطاع التواصل المعني بالإعلام والصحافة، إلى إعادة توزيع المسؤوليات الاقتصادية بين الوزراء، تحمل الحكومة المغربية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تغييرات في هيكلها الإداري وتوازناتها الحزبية، مع استمرار عدد من الوزراء في مناصبهم، خصوصا في القطاعات السيادية.
والجمعة، ترأس الملك محمد السادس، بالقصر الملكي في الرباط، مراسم تعيين أعضاء الحكومة الجديدة، التي تضم 31 وزيرا ووزيرا منتدبا إلى جانب المنصوري، أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ البلاد.
وتستند الحكومة إلى ائتلاف رباعي يضم أحزاب « الأصالة والمعاصرة » و »الاستقلال » و »الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية » و »التقدم والاشتراكية »، ويمتلك 207 مقاعد في مجلس النواب، بفارق 9 مقاعد عن الحد الأدنى اللازم للأغلبية.
ووفق قراءة « الأناضول » للتشكيلة الجديدة، تبرز ثلاثة تحولات رئيسية، تتمثل في إعادة تنظيم بعض الحقائب، وصعود شخصيات إلى مواقع حكومية أوسع، وتوزيع المناصب بين أحزاب الائتلاف، مقابل استمرار الوزراء المشرفين على أبرز القطاعات السيادية.
الذكاء الاصطناعي يدخل الحكومة
من أبرز مستجدات التشكيل استحداث وزارة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، أُسندت إلى أحمد رحو، الذي سبق أن تولى رئاسة مجلس المنافسة.
وتحل الحقيبة الجديدة محل صيغة الوزارة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، التي كانت قائمة في حكومة عزيز أخنوش السابقة.
ويشير إدراج الذكاء الاصطناعي صراحة في مسمى الوزارة إلى توسيع الإطار الحكومي المعلن للتعامل مع التكنولوجيا، من رقمنة الخدمات الإدارية إلى الاهتمام بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في العمل الحكومي.
ومن شأن هذا التوجه فتح المجال أمام تطوير الخدمات الرقمية وتبسيط الإجراءات الإدارية وتحسين تبادل البيانات بين المؤسسات الحكومية، فضلا عن دعم استخدام التقنيات الحديثة في القطاعات الاقتصادية والخدمية.
غير أن استحداث المسمى الوزاري لا يعني بالضرورة تغييرا فوريا في السياسات، إذ يتوقف ذلك على الاختصاصات الفعلية للوزارة والموارد المخصصة لها، ومدى قدرتها على تنسيق مشروعات التحول الرقمي مع بقية القطاعات الحكومية.
التواصل يغيب… ماذا عن الإعلام؟
وفي مقابل ظهور الذكاء الاصطناعي، اختفى قطاع التواصل من مسميات الحقائب الوزارية في التشكيل الجديد، بعدما كان جزءا من وزارة الشباب والثقافة والتواصل التي يتولاها محمد المهدي بنسعيد.
واحتفظ بنسعيد بمنصبه وزيرا للشباب والثقافة، لكن مسمى وزارته تغير إلى « وزارة الشباب والثقافة والرياضة »، مع إضافة الرياضة إلى اختصاصاتها وحذف التواصل.
وكان قطاع التواصل مسؤولا عن ملفات الإعلام والصحافة والنشر، بما يشمل دعم المؤسسات الصحفية وتنظيم بعض شؤون القطاع والتواصل المؤسساتي.
ويثير غياب القطاع من مسميات الوزارات تساؤلات بشأن الجهة التي ستتولى هذه الاختصاصات في المرحلة المقبلة، وما إذا كانت ستُنقل إلى مؤسسة حكومية أخرى أو يُعاد تنظيمها ضمن هيكل إداري مختلف.
ولم يتضمن إعلان التشكيل الحكومي تفاصيل بشأن مصير القطاع أو الصلاحيات التي كانت مسندة إليه.
وبذلك، فإن التغيير المؤكد يتعلق بحذف التواصل من اسم الوزارة، دون أن يعني بالضرورة إلغاء اختصاصات الإعلام والصحافة أو توقف الجهات الحكومية المعنية بها عن ممارسة مهامها.
لقجع يصعد إلى قيادة المالية
اقتصاديا، برز انتقال فوزي لقجع من منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية في حكومة أخنوش إلى وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية في الحكومة الجديدة.
ويمثل هذا الانتقال توسعا في مسؤوليات لقجع، الذي كان يشرف على ملف الميزانية، وأصبح يقود الوزارة المعنية بالسياسات الاقتصادية والمالية العامة.
كما يلفت إدراج « النجاعة العمومية » ضمن مسمى الحقيبة إلى الاهتمام المعلن بكفاءة الإنفاق العام وأداء المؤسسات، في ظل تحديات تمويل المشروعات الكبرى وتطوير الخدمات العامة.
ويأتي التغيير في وقت يستعد فيه المغرب لاستضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2030، وما يرتبط بذلك من استثمارات في البنية التحتية والنقل والمرافق والخدمات.
وفي القطاع الصناعي، احتفظ رياض مزور بمنصبه وزيرا للصناعة والتجارة، مع إضافة الاستثمار والإدماج الاقتصادي إلى اختصاصات وزارته.
كما احتفظ نزار بركة بحقيبة التجهيز والماء، مع إضافة الغابات إلى مسماها، فيما تولى خالد حاتيمي وزارة الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية، بدلا من الحقيبة السابقة التي كانت تشمل التنمية القروية والمياه والغابات.
وتعكس هذه التغييرات إعادة توزيع بعض الملفات الاقتصادية والقطاعية بين الوزارات، دون أن يوضح إعلان التشكيل وحده التفاصيل التنظيمية لجميع الاختصاصات المنقولة.
وزارات سيادية دون تغيير
وفي مقابل التحولات الاقتصادية والإدارية، احتفظ عدد من الوزراء بمناصبهم، خصوصا في الحقائب السيادية.
واستمر عبد الوافي لفتيت وزيرا للداخلية، وناصر بوريطة وزيرا للشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وعبد اللطيف وهبي وزيرا للعدل.
كما احتفظ عبد اللطيف لوديي بمنصبه وزيرا منتدبا لدى رئيسة الحكومة مكلفا بإدارة الدفاع الوطني.
ويعكس استمرار هؤلاء الوزراء بقاء المسؤولين أنفسهم على رأس أبرز القطاعات السيادية، رغم انتقال رئاسة الحكومة من عزيز أخنوش إلى فاطمة الزهراء المنصوري.
واحتفظ أحمد التوفيق أيضا بحقيبة الأوقاف والشؤون الإسلامية، التي يتولاها منذ عام 2002، فيما استمر عبد الصمد قيوح وزيرا للنقل واللوجيستيك، وعز الدين المداوي وزيرا للتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار.
وفي المقابل، شهدت قطاعات أخرى تغييرات في المسؤولين عنها، بينها الصحة والحماية الاجتماعية التي أُسندت إلى يونس بجيجو، والتربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل التي تولى حقيبتها نبيل بنعبد الله.
7 نساء وسابقة تاريخية
وتضم الحكومة الجديدة 7 نساء، بينهن رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، مقابل 6 نساء في حكومة أخنوش السابقة.
وتشكل النساء بذلك نحو 21.9 بالمئة من إجمالي أعضاء الحكومة الجديدة البالغ عددهم 32، مقارنة بنحو 19.4 بالمئة في التشكيل السابق.
وإلى جانب المنصوري، تشمل الحكومة شرفات أفيلال وزيرة للطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، ونجوى كوكوس وزيرة للأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة.
كما تضم قلوب فيطح وزيرة منتدبة مكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، وماديحة خيير وزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، وفاطمة السعدي وزيرة منتدبة مكلفة بالإسكان وسياسة المدينة، وعائشة كلاع وزيرة منتدبة مكلفة بإصلاح الإدارة.
ويمثل تولي المنصوري رئاسة الحكومة سابقة في تاريخ المغرب، بعد أن ظلت رئاسة السلطة التنفيذية حكرا على الرجال منذ استقلال البلاد عام 1956.
لكن هذا التحول لم يرافقه تغيير مماثل في توزيع الحقائب السيادية والاقتصادية الرئيسية، إذ بقيت وزارات الداخلية والخارجية والعدل والاقتصاد والمالية في أيدي رجال.
الأحزاب تتقاسم الحقائب
سياسيا، حصل حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تتزعمه المنصوري، على الحصة الأكبر من المناصب الحكومية، بواقع 10 وزراء، إضافة إلى رئاسة الحكومة.
وجاء حزب الاستقلال ثانيا بحصة 7 وزراء، يليه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ5 وزراء، ثم التقدم والاشتراكية بـ3 وزراء، إلى جانب 6 وزراء بلا انتماء حزبي.
وبذلك، يشغل المنتمون إلى أحزاب الائتلاف 25 منصبا وزاريا، إضافة إلى رئاسة الحكومة، من إجمالي 32 عضوا.
ويضم الوزراء غير المنتمين حزبيا عبد الوافي لفتيت في الداخلية، وناصر بوريطة في الخارجية، وأحمد التوفيق في الأوقاف والشؤون الإسلامية، وعبد اللطيف لوديي في إدارة الدفاع الوطني، وأحمد رحو في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، وحسن طارق في الأمانة العامة للحكومة.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فتضم حصته، إلى جانب رئيسة الحكومة، عبد اللطيف وهبي في العدل، وفوزي لقجع في الاقتصاد والمالية، وعز الدين المداوي في التعليم العالي، ومحمد المهدي بنسعيد في الشباب والثقافة والرياضة.
كما تشمل خالد حاتيمي في الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية، وسمير بلفقيه في إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، الذي تولى أيضا مهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة.
وتضم حصة الحزب كذلك نجوى كوكوس في الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة، إلى جانب الوزراء المنتدبين قلوب فيطح وفاطمة السعدي وصلاح الدين عبقري.
وفي حزب الاستقلال، تشمل الحصة نزار بركة في التجهيز والماء والغابات، ورياض مزور في الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي، وعبد الصمد قيوح في النقل واللوجيستيك، وجلال شرف في السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد التضامني.
كما يضم الحزب الوزراء المنتدبين عمر حجيرة المكلف بالتجارة الخارجية، وعبد الجبار الرشيدي المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد التضامني، وماديحة خيير المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل.
أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فتضم حصته عبد الرحيم شهيد وزير التشغيل والحوار الاجتماعي، إلى جانب الوزراء المنتدبين أحمد المهدي المزواري المكلف بالصيد البحري، وكمال الهشومي المكلف بالتعليم الأولي ومحاربة الهدر المدرسي، وعائشة كلاع المكلفة بإصلاح الإدارة ويونس بجيجو في الصحة والحماية الاجتماعية.
ويشارك حزب التقدم والاشتراكية بثلاثة أعضاء، هم نبيل بنعبد الله وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، وشرفات أفيلال وزيرة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، ورشيد حموني الوزير المنتدب المكلف بالإدماج الاجتماعي.
أغلبية بفارق 9 مقاعد
وجاء توزيع الحقائب عقب مشاورات تشكيل الحكومة التي بدأت في 30 سبتمبر/ أيلول الماضي، بعدما كلف العاهل المغربي محمد السادس المنصوري بتشكيلها في 29 من الشهر نفسه.
وكان حزب الأصالة والمعاصرة تصدر الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر، بحصوله على 97 مقعدا، تلاه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم الاستقلال بـ65، والعدالة والتنمية بـ54.
وحصلت الحركة الشعبية على 29 مقعدا، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26، والتقدم والاشتراكية على 19 مقعدا.
وفي أعقاب الجولة الثانية من المشاورات، أعلنت الأحزاب الأربعة، الاثنين، تشكيل الأغلبية الحكومية التي يبلغ مجموع مقاعدها 207، مقابل 198 مقعدا على الأقل لتأمين الأغلبية في مجلس النواب المؤلف من 395 عضوا.
وبذلك، تبدأ حكومة المنصوري عملها بأغلبية برلمانية تتجاوز النصاب المطلوب بـ9 مقاعد، في أول تجربة تقود فيها امرأة السلطة التنفيذية بالمغرب.
ويجمع التشكيل الجديد بين تغييرات في توزيع المسؤوليات الاقتصادية والإدارية واستمرار الوزراء السياديين، فيما تبقى التفاصيل التنظيمية للحقائب المعاد تشكيلها، وفي مقدمتها مصير قطاع التواصل، من المسائل التي تنتظر توضيحا رسميا.