إعداد التراب والتعمير والإسكان بالمغرب: حين يغيب التخصص والتجربة في اختيار الوزراء

18/10/2026 - 00:49
إعداد التراب والتعمير والإسكان بالمغرب: حين يغيب التخصص والتجربة في اختيار الوزراء

وأنا أقرأ لائحة أعضاء حكومة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، وبحكم تخصصي في ميادين التعمير وإعداد التراب والإسكان والتنمية المجالية، استوقفني اسما المعينين على رأس هذا القطاع: السيد سمير بلفقيه وزيرا لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، والسيدة فاطمة السعدي وزيرة منتدبة مكلفة بالإسكان وسياسة المدينة. فالسيد بلفقيه، الذي أعرفه معرفة شخصية، دكتور في الرياضيات التطبيقية ومدير مدرسة هندسية عليا، لكن مساره المهني بعيد عن التعمير والإسكان وإعداد التراب تكوينا وتجربة. أما السيدة السعدي فمتخصصة في اللسانيات وموظفة إدارية، ولاتتوفر على خبرة قطاعية سوى ما راكمته من تدبير محلي رئيسةً لجماعة الحسيمة.

وهو ما يعيد طرح سؤال قديم: لماذا يتكرر إسناد قطاع بهذا التعقيد إلى مسؤولين لاصلة لهم به تكوينا ولاتجربة؟ فآخر وزير جاء من صلب القطاع هو السيد توفيق حجيرة، الذي التحق بوزارة الإسكان سنة 1983 وتدرج في مسؤولياتها قبل أن يغادر منصبه في يناير 2012، أي قبل نحو أربع عشرة سنة.

ومنذ ذلك الحين، ومن بين كل من تعاقبوا على القطاع (انظر الجدول أدناه)، لا نجد سوى استثناءان نسبيان، كليها من حزب الحركة الشعبية. السيد إدريس مرون، وهو مهندس دولة في الهندسة المدنية من المدرسة الحسنية للأشغال العمومية، اشتغل بين 1978 و1994 مهندسا رئيسيا في جماعات تطوان والعرائش وسلا، مسؤولا عن البرمجة والتجهيز والتعمير، لكن ولايته لم تتجاوز نحو سنتين (ماي 2015 – أبريل 2017). ثم السيدة نزهة بوشارب، مهندسة دولة في البيئة والتنمية الترابية، وإن كانت تجربتها القطاعية محدودة. وهكذا فإن الحركة الشعبية هي الحزب الوحيد الذي اجتهد في اقتراح بروفيلات لها علاقة ما بالقطاع. بينما كل البروفيلات التي اقترحها حزبا التقدم والاشتراكية والأصالة والمعاصرة لا علاقة لهم بالقطاع لامن قريب ولامن بعيد.

وفي الجدول أدناه لائحة بكل الوزراء الذين تعاقبوا على القطاع منذ 2012.

بين المسؤولية السياسية وضرورة امتلاك حد أدنى من المعرفة والخبرة

قد يعترض البعض بالقول أن الأصل في الوزير أنه مسؤول سياسي وليس تقنيا أو موظفا، وأنه سيعتمد على الإدارة والخبراء، فلا ينبغي تحويل التخصص الأكاديمي إلى شرط قانوني جامد، فقد ينجح غير المتخصص إذا امتلك قدرة على التعلم وأحاط نفسه بفريق قوي، كما قد يفشل المتخصص إذا افتقر إلى مؤهلات القيادة والقدرة على القرار.

وهو أمر صحيح نسبيا، فبين عدم اشتراط التخصص الدقيق وإهمال الكفاءة القطاعية بصورة شبه كاملة فرق كبير. فالوزير الذي لا يملك الحد الأدنى من الإلمام بمجال اشتغاله سيجد صعوبة بلورة الرؤية وتحديد الأولويات، وفي تقييم البدائل التي تعرضها عليه الإدارة، والتمييز بين المقترح الواقعي والشعار العام، ومساءلة المسؤولين عن النتائج. وقد يتحول إلى واجهة سياسية لإدارة تقودها فعليا المصالح الإدارية أو مراكز النفوذ أو الفاعلون الأقدر على التأثير.

فالمطلوب من الوزير ليس تولى التفاصيل التقنية بنفسه، بل فهمها بما يكفي ليتخذ القرار السياسي المناسب، ويناقش الخبراء، ويقيّم الأداء.

والتكوين والخبرة القطاعية أفضل مدخل لهذا الحد الأدنى من الفهم، وإن لم يكونا المدخل الوحيد: فقد تعوضهما تجربة مهنية ذات صلة، أو ممارسة تدبيرية داخل القطاع، شريطة أن تكون ظاهرة في سيرة المسؤول لا مفترضة بعد التعيين.

في الحاجة للرؤية والمعرفة والخبرة في قطاعات بالغة التعقيد: إعداد التراب والتعمير والإسكان

إن من أهم ما يميز قطاعات إعداد التراب والتعمير خاصة والإسكان بنسبة أقل أنها ليست قطاعات تقنية محضة، بحيث لا يمكن اختزالها في نصوص قانونية ومساطر ومعايير هندسية وتصاميم. إنها توجد في ملتقى بين ما هو تقني بما هو اقتصادي وما هو اجتماعي، وما هو قانوني، وما هو طبيعي وجغرافي. وهذا التقاطع هو ما يجعلها قطاعات مركبة ومعقدة. كما أنها قطاعات تتميز بكثرة المتدخلين. فكل قرار فيها هو بالضرورة قرار مركب ومترابط مع قرارات أخرى، وكل قرار قد يحل مشكلة في بعد معين ويخلق أخرى في بعد آخر، وكل قرار يتخذ ستمتد آثاره لعقود. ولذلك لا يكفي فيها الإلمام التقني وحده، ولا الحس السياسي وحده، بل لا بد من دراية حقيقية وعميقة بتعقيداتها ورهاناتها، وقدرة على بلورة سياسات عمومية ناجعة وعلى تدبير رهانات العلاقات مع الفرقاء للتمكن من تدبيرها.

خاصة وأن هذه القطاعات تحتاج إلى إصلاحات عميقة أصبحت لا تحتمل التأجيل آو التجريب. كما تتطلب إبداع مقاربات وتصورات تجديدية تأخذ بعين الاعتبار التحولات الكبيرة على مستوى الديناميات المجالية والشبكة الحضرية، وعلى مستوى مستلزمات التنمية المستدامة والعدالة المجالية، واستحقاقات التهيىة المندمجة والدامجة، وتوفير السكن اللائق والمستدام لمختلف الفئات.

وهذا ما لن يستطيع أن يقوم به إلا مسؤول لديه وضوح كاف في الرؤية، هذه الرؤية القادرة على تعبئة مختلف المعنيين بدأ بأطر الوزارة مرورا بمختلف الشركاء المؤسساتيين وصولا إلى الفاعلين في القطاع الخاص والمواطنين.

وهذه الرؤية وجب أن تكون مسنودة ومؤسسة على خبرة ومعرفة عميقة حتى تنتج برامج حقيقية تجيب على الإشكالات وقابلة للإنجاز.

فغياب المعرفة والرؤية معا يفتح الباب أمام التدبير العشوائي والمتشظي، وأمام تكاثر البرامج غير المترابطة وذات النتائج المحدودة.

في ضرورة الانتقال من منطق « الهمزة » إلى منطق المسؤولية

من المعروف أن الوزارة المكلفة بالتعمير والإسكان تثير التنافس الشديد بالنظر لحجم ما يمكن لمن همه التربح المادي الشخصي أن يجنيه من إشرافه على هذه القطاعات، وفي الحد الأدنى ما تسمح به من دعم رؤساء الجماعات المنتمين لحزب الوزير فيما يتعلق بوثائق التعمير وبرامج التأهيل الحضري ومعالجة السكن غير اللائق… وهذا ربما ما يفسر أن اختيار المسؤول على هذه الوزارة يخضع لمعايير تتجاوز جوانب الكفاءة والأهلية لتدبير هذه القطاعات الحساسة، يضاف إلى ذلك ما تعانيه الأحزاب عموما من فقر في الأطر المؤهلة لتدبير العديد من القطاعات المعقدة كهذا القطاعن وهو ما يطرح إشكالية النخب داخل الأحزاب المغربية.

وختاما، إذا كنا نشتكي من ضعف الأحزاب في المغرب وضعف أدوارها فإن جزء معتبرا من المسؤولية يقع على عاتقها،  فالأحزاب يتعين عليها عندما تقترح من تسند لهم مختلف المسؤوليات التدبيرية يتعين عليها ضمان حد أدنى من الملاءمة بين الشخص المعين وطبيعة القطاع والكثير من النزاهة الفكرية والأخلاقية والمروءة. فالحقيبة الوزارية مسؤولية عمومية، وليست ملكا للحزب ولا مكافأة لمناضل. نفس الأمر بالنسبة للمسؤوليات التمثيلية.

كما نجدد التأكيد أنه ليس المطلوب تحويل الحكومة إلى هيئة من الخبراء، ولا إقصاء السياسة من تشكيلها، بل إقامة توازن عقلاني بينهما: فالسياسة تحدد الاختيارات الكبرى وتضمن الشرعية والمساءلة، والمعرفة القطاعية تتيح فهم الواقع وصياغة البدائل وتقدير آثار القرارات. فتعيين مسؤول لا يملك خبرة ذات صلة، ولا معرفة كافية بتعقيدات القطاع، ولا رؤية واضحة لما يريد تحقيقه خلال ولايته يصعب أن تنتظر منه إحداث تحول نوعي في السياسات العمومية، مهما تعددت البرامج والمبادرات المعلنة.

*خبير في ميدان التعمير وإعداد التراب والتنمية المجالية

الهرهورة في 17 أكتوبر 2026

شارك المقال