يثير النقاش الفقهي والدستوري الدائر بشأن دستورية التداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية خلال فترة تصريف الأعمال ضرورة تحديد محل الإشكال القانوني بدقة، تجنبا لأي خلط بين مسائل دستورية متمايزة من حيث الطبيعة والآثار.
وفي هذا الإطار، يبدو من المهم التأكيد على أن النقاش المطروح لا ينصرف إلى مشروعية انعقاد المجلس الوزاري في حد ذاته، باعتبار أن صلاحية جلالة الملك في الدعوة إلى المجلس الوزاري ورئاسته وتحديد جدول أعماله تستند مباشرة إلى مقتضيات الفصلين 48 و49 من الدستور، وهي صلاحية سيادية تسمو فوق المراكز القانونية المتغيرة للحكومة، سواء كانت تمارس اختصاصاتها كاملة أو توجد في وضعية تصريف الأعمال. ومن ثم، فإن جوهر الإشكال الدستوري لا يتعلق بشرعية انعقاد المجلس الوزاري، وإنما بطبيعة المواضيع التي يمكن التداول بشأنها داخله خلال هذه المرحلة الانتقالية.
وانطلاقا من هذا التحديد، يمكن إبداء عدد من الملاحظات القانونية التي تدعم سلامة التداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية من الناحية الدستورية:
أولا: التمييز بين عرض التوجهات العامة والمصادقة على مشاريع القوانين
يقتضي التحليل القانوني التمييز بين عرض التوجهات العامة لمشروع قانون المالية، وبين المصادقة النهائية عليه باعتباره مشروع قانون جاهزا للإحالة على المسطرة التشريعية.
فالحكومة، وهي في وضعية تصريف الأعمال، لم تبادر إلى المصادقة النهائية على النص المتكامل لمشروع قانون المالية في مجلسها الحكومي ولم تحله إلى البرلمان، وإنما اقتصر دورها الدستوري هنا على عرض التوجهات العامة والمؤشرات الكبرى التي تؤطر السياسة المالية للدولة خلال السنة المقبلة أمام المجلس الوزاري.
ويكتسي هذا التمييز أهمية خاصة بالنظر إلى أن المادة 37 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة تحظر على حكومة تصريف الأعمال « المصادقة على مشاريع القوانين »، دون أن يرد فيها نص صريح يمنع الأعمال التحضيرية، الدراسات الاستشرافية، أو الإجراءات التقنية اللازمة لإعدادها. ومن هذا المنطلق، فإن عرض التوجهات العامة يظل، من الناحية القانونية والإجرائية، مختلفا عن فعل المصادقة، الأمر الذي يجعل إخضاعه تلقائيا للقيود الواردة في المادة 37 أمرا محل نظر، خاصة في غياب نص صريح يقضي بذلك.
ثانيا: استمرارية الدولة ومجال تطبيق نظرية الضرورة المؤسساتية
يضاف إلى ما سبق أن إعداد مشروع قانون المالية لا يعد مجرد إجراء حكومي عادي أو تدبير معزول، بل هو التزام دستوري وقانوني محكوم بآجال زمنية محددة على نحو صارم. فالعمل التحضيري الذي يقوم به المجلس الوزاري يرتبط ارتباطا وثيقا بحلقة أساسية وحاسمة من حلقات مسلسل إقرار قانون المالية السنوي، وهي حلقة الإيداع البرلماني المقررة في أجل أقصاه 20 أكتوبر بموجب المادة 48 من القانون التنظيمي للمالية رقم 130.13.
إن هذا التلازم الزمني يعني أن غياب خطوة الإيداع في موعدها القانوني سيؤدي حتما إلى مأزق مؤسساتي حقيقي وهدر للزمن التشريعي، مما يهدد بوقوع الدولة في فراغ ميزانياتي معقد بحلول يوم 31 ديسمبر. ومن ثم، فإن تعطيل المراحل التحضيرية في هذه المحطة ينعكس سلبا على السير المنتظم للمؤسسات المالية للدولة، ويمس بمبدأ استمرارية المرافق العمومية الحيوية.
وفي هذا السياق، وعلى الرغم من أن التداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية، وحتى إيداعه لدى مكتب مجلس النواب، يندرج كله ضمن الأعمال التحضيرية التي لم تبلغ بعد درجة المصادقة النهائية على قانون المالية وفق ما تنص عليه المادة 37، تكتسب أهمية بالغة الإشارة إلى القرار رقم 15/955 الصادر عن المجلس الدستوري بشأن فحص دستورية القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة؛ إذ اعتبرت القراءة التوجيهية للمجلس أن مقتضيات المادة 37 لا تحول دون « مراعاة ما قد تستلزمه حالة الضرورة من اتخاذ تدابير تشريعية أو تنظيمية لمواجهتها ».
ويستفاد من هذا التوجه القضائي الحكيم أن مفهوم تصريف الأعمال لا ينبغي فهمه باعتباره قيدا جامدا من شأنه شل العمل الإداري للدولة أو تعطيل التزاماتها الدستورية، وإنما باعتباره نظاما قانونيا مرنا يوازن بين محدودية الاختصاصات السياسية للحكومة المنتهية ولايتها أو الحكومة المعينة التي لم تنصب بعد، وبين ضرورة ضمان استمرارية مؤسسات الدولة وانتظام سيرها. وعلى هذا الأساس، فإن التداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية يندرج تماما ضمن التدابير التحضيرية والوقائية اللازمة لاحترام الاستحقاقات الدستورية والمالية للدولة، وتفادي أي ارتباك مالي قد يواجه البلاد مع نهاية السنة، وهو ما يجعله منسجما مع الغاية الدستورية الفضلى التي تقوم عليها مرحلة تصريف الأعمال.
خلاصة القول:
إن النقاش الدستوري المشروع لا يدور حول مشروعية انعقاد المجلس الوزاري، وإنما حول حدود تدخل حكومة تصريف الأعمال في المسار التحضيري لقانون المالية. وبالنظر إلى التمييز الإجرائي بين عرض التوجهات العامة والمصادقة على مشروع القانون، وإلى اعتبارات حالة الضرورة وضمان استمرارية مرفق الدولة قبل حلول الآجال المفصلية، فإن القول بدستورية هذا الإجراء يجد له سندا فقهيا وقانونيا معتبرا في النصوص المنظمة وفي روح الاجتهاد الدستوري المغربي.