كيف تلتزم الحكومة  بأجل 20 أكتوبر لإيداع قانون المالية؟

18/10/2026 - 16:27
كيف تلتزم الحكومة  بأجل 20 أكتوبر لإيداع قانون المالية؟

عقب العمليات الانتخابية يصطدم تأليف الحكومة الجديدة بالأجل القانوني لإيداع مشروع قانون المالية، وهو اشكال متجدد منذ 2011 و2016 و2021 و2026)، ويطرح تجاوز أجل 20 أكتوبر لإيداع مشروع قانون المالية على البرلمان إشكالات قانونية ودستورية، لاسيما في ظل ارتباط قانون المالية بضمان استمرارية المرافق العمومية وتأمين الموارد والنفقات، مما يطرح تساؤلات حول طبيعة الأجل، والآثار المترتبة عن تجاوزه، والسيناريوهات الممكنة لتجنب الارتباك المؤسساتي والمالي للدولة.

ويصنف أجل 20 أكتوبر ضمن تدابير العقلنة البرلمانية التي تهدف إلى تقييد البرلمان وتجنب تغوله على الحكومة، وهي فلسفة حكمت الدستور الفرنسي لسنة 1958 واستلهمتها الدساتير المغربية المتعاقبة بدرجات متفاوتة، حيث تعتمد فرنسا تاريخ الإيداع في أول ثلاثاء من شهر أكتوبر. و70 يوما لمجلسي البرلمان لدراسة المشروع والتصويت عليه.  ورغم أن هذا الموعد يعتبر قاعدة من قواعد الكتلة الدستورية فالتجربة تؤكد أن تجاوز الأجل لا يترتب عليه بالضرورة جزاء البطلان المطلق، فقد تم تسديل حالات لم يتم فيها احترام الموعد، ومع ذلك لم يتم إبطال الإجراءات التشريعية مادامت الحكومة لم تمس بالآجل الإجمالي المخول للبرلمان لدراسة المشروع والتصويت عليه (أجل 70 يوما في فرنسا و58 يوما في المغرب) فالأهم هو المحافظة على حقوق البرلمان في المسطرة التشريعية لقوانين المالية.

ويمكن طرح عدة مسارات لتسوية هذا الإشكال الدستوري، فإذا كان التأخير طفيفا (بضعة أيام فقط كما حدث في فرنسا سنتي 2024 و2025 حيث تم إيداع المشاريع بتأخير 9 و7 أيام)، فيمكن تدارك الموقف عبر ضبط جدول أعمال المناقشة البرلمانية، شريطة الحفاظ على المدة الأساسية المخولة للبرلمان للبت في المشروع، مع تفادي أي أزمة دستورية من خلال استمرار المسطرة التشريعية بشكل طبيعي دون اللجوء إلى إجراءات استثنائية، ويبقى للبرلمان الحق في الدفع بعدم الدستورية لتجاوز أجل الإيداع بعد التصويت على قانون المالية طبقا لقواعد الرقابة الدستورية القبلية والاختيارية.

أما إذا تعذرت المصادقة على مشروع القانون في الآجال القانونية فيمكن اللجوء إلى بدائل استثنائية تتراوح بين خيارات متطرفة من قبيل تعديل القانون التنظيمي بمسطرة المبادرة البرلمانية الميسرة، أو تقديم قانون مالية تعديلي على قانون المالية ساري المفعول واعتماد النص الجديد في مرسوم فتح الاعتمادات في بداية السنة الموالية، وبين الاكتفاء بالمسطرة البسيطة لفتح اعتمادات بمرسوم التي تضمن الحد الأدنى لاستمرار تسيير المرافق العمومية وتحصيل الموارد في انتظار إقرار قانون مالية كامل، والتوافق مع مبدأ الرقابة البرلمانية والشرعية المالية.

إن تدبير الزمن التشريعي للمالية العمومية يتطلب التزاما بالتعاون بين السلطات واستحضار مبادئ التوافق والتعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، فالتأخير في إيداع قانون المالية، وإن كان يشكل تحديا مسطريا، إلا أن إعمال آليات الاجتهاد الدستوري فقهيا وقضائيا يمكنه تطوير مسالك لتفادي الشلل المؤسساتي وتحقيق الغايات الدستورية ولم لم يتم الالتزام الحرفي ببعض شكليات النصوص، شريطة إعلاء المصلحة العامة وضمان استمرارية المرافق العامة، فالعقلنة البرلمانية لا تعني الخنق المسطري، فالراجح أن تتجه المحكمة الدستورية إذا عرض نزاع حول تأخر إيداع مشروع قانون المالية عليها لترجيح التوازن بين صون الاختصاص التشريعي والرقابي للبرلمان (الآجال الفعلية للدراسة والتصويت) وبين ضمان استمرارية الدولة والمرافق العمومية، وتكريس القراءة المرنة والعقلانية لأجل 20 أكتوبر، خاصة أن المجلس الدستوري (قرار 955.13) فتح الباب لادماج التدابير التشريعية الضرورية ضمن الامور الجارية التي تتولاها الحكومة المنتهية الولاية والحكومة الجديدة قبل تنصيبها.

ويظل إصلاح البرمجة الانتخابية في المدى المتوسط الوسيلة الفعالة لتجاوز إشكال يتجدد مع كل تأليف حكومي يتصادف مع مرحلة العمل البرلماني على قوانين المالية.

شارك المقال