شريط الأخبار

مرصد التربية والتكوين يدق ناقوس الخطر بشأن أوضاع مربيات ومربي التعليم الأولي

21/10/2026 - 09:30
مرصد التربية والتكوين يدق ناقوس الخطر بشأن أوضاع مربيات ومربي التعليم الأولي

دقّ المرصد الوطني لمنظومة التربية والتكوين ناقوس الخطر بشأن الأوضاع المهنية والاجتماعية لمربيات ومربي التعليم الأولي بالمغرب، محذراً من استمرار هشاشة الإطار القانوني المنظم لعمل هذه الفئة، وتعدد القطاعات والجمعيات المتدخلة في تدبير القطاع، وما يرافق ذلك من اختلالات إدارية وتربوية ومهنية.

كما دعا إلى إخضاع الموارد المالية والمادية المرصودة للتعليم الأولي للمراقبة المالية والإدارية والتربوية للدولة، مجدداً اقتراح إحداث وكالة خاصة تتولى تدبير مختلف القضايا المرتبطة بهذا المجال الحيوي.

وجاءت هذه المواقف في بلاغ للمرصد الوطني لمنظومة التربية والتكوين، الذي يرأسه محمد الدرويش، استحضر فيه مسار مواكبته لقضايا المنظومة التربوية وأوضاع المربيات والمربين منذ سنة 2016، مشيراً إلى أنه تابع، منذ سنة 2021، عدداً من الملفات المرتبطة بهذه الفئة، عقب اجتماعات عقدها مع التنسيقية الوطنية لمربيات ومربي التعليم الأولي بمقر المنظمة المغربية لحقوق الإنسان.

وسلط البلاغ الضوء على ما وصفه باستمرار معاناة المربيات والمربين في ظل غياب إطار قانوني واضح ومتكامل ينظم عملهم، إلى جانب ما اعتبره مظاهر استبداد لدى بعض مسؤولي الجمعيات المشرفة على تدبير مؤسسات التعليم الأولي، فضلاً عن ضعف الاحترافية والمهنية والمصداقية لدى بعض الجهات المكلفة بتسيير هذا القطاع.

وأعرب المرصد عن أسفه لما اعتبره عدم تعامل الحكومات المتعاقبة بصورة إيجابية مع مقتضيات الرسالة الملكية المؤرخة في 18 يوليوز 2018، التي جرى تلاوتها بقصر المؤتمرات بالصخيرات، والمتعلقة بالطفولة والتعليم الأولي. ويرى المرصد أن استمرار الإشكالات المرتبطة بهذا المجال يطرح تساؤلات بشأن مدى ترجمة التوجهات المعلنة للنهوض بالطفولة المبكرة إلى تدابير عملية تضمن الحماية المهنية والاجتماعية للعاملين، وتؤسس لتعليم أولي ذي جودة، قادر على الاستجابة لحاجيات الأطفال وانتظارات الأسر.

وفي تأكيده على الطبيعة العمومية لهذا القطاع، شدد المرصد على أن التعليم الأولي خدمة من الخدمات العمومية المجانية التي تضمنها الدولة، معتبراً أن مسؤولية النهوض به لا يمكن اختزالها في توفير الفضاءات التعليمية أو إسناد تدبيرها إلى جمعيات المجتمع المدني، بل تقتضي ضمان شروط الجودة والإنصاف والاستقرار المهني والتربوي، إلى جانب وضع آليات واضحة للمراقبة والمحاسبة.

ونبه المرصد إلى الأهمية الحاسمة التي تحتلها مرحلة التعليم الأولي في المسار الدراسي للطفل، محذراً من الانعكاسات السلبية للاختلالات التي قد تطبع هذه المرحلة على مختلف مستويات المنظومة التعليمية، وهي انعكاسات قد تنتهي، بحسب البلاغ، إلى الهدر المدرسي. ويعكس هذا الموقف تشديد المرصد على أن التعليم الأولي ليس مجرد مرحلة تمهيدية تسبق التعليم الابتدائي، بل يمثل أساساً لبناء التعلمات الأولى وتنمية قدرات الأطفال وتعزيز فرص نجاحهم الدراسي والاجتماعي مستقبلاً.

ومن أبرز الرسائل التي حملها البلاغ تثمين المرصد للأدوار المحورية التي تضطلع بها مربيات ومربو التعليم الأولي، واعتباره أن نجاح أي مشروع لتصحيح اختلالات المنظومة التعليمية أو إصلاحها يظل مرتبطاً إلى حد كبير بالأوضاع المهنية والتربوية لهذه الفئة. وأكد أن دور المربيات والمربين لا يقتصر على تقديم الأنشطة التعليمية الأولى للأطفال، بل يمتد إلى المساهمة في بناء شخصيتهم وترسيخ قيم المواطنة القائمة على الحقوق والواجبات، وتعزيز التشبث بقيم الهوية المغربية ومقوماتها.

ومن هذا المنطلق، فإن استمرار هشاشة أوضاع هذه الفئة يطرح، وفقا للمرصد، إشكالاً يتجاوز المطالب المهنية والاجتماعية المباشرة، ليمس جودة التعلمات وتكافؤ الفرص والرهان على إصلاح المدرسة المغربية. وهو ما يجعل تحسين شروط عمل المربيات والمربين، والاعتراف بمكانتهم داخل المنظومة التربوية، ضرورة مرتبطة بمستقبل التعليم الأولي نفسه، وليس مجرد مطلب فئوي معزول.

وفي سياق تقييمه لتجارب تدبير القطاع، نوه المرصد بما وصفه بالمهنية والحرفية في تدبير نسبة مهمة من مكونات التعليم الأولي من طرف قطاع الداخلية، في إطار مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومن طرف المؤسسة المغربية للتعليم الأولي، التي أشار البلاغ إلى أن عدد المربيات والمربين الذين تشملهم يبلغ ما يقارب 25 ألفاً. ويبرز هذا التنويه اعتراف المرصد بتجارب يعتبرها إيجابية، في مقابل مطالبته بمعالجة الاختلالات المسجلة في أجزاء أخرى من القطاع، والعمل على توحيد معايير التدبير والتأطير والمراقبة.

وفي المقابل، أثار البلاغ مسألة الإمكانيات المالية والمادية المهمة التي رصدتها الدولة لتطوير التعليم الأولي، متسائلاً عن مآل هذه الموارد، وداعياً إلى إخضاع القطاع لمراقبة الدولة على المستويات المالية والإدارية والتربوية. ويأتي هذا الموقف في سياق انتقاد تعدد الجهات المتدخلة في تدبير التعليم الأولي، وما قد يترتب عن ذلك من تداخل في الاختصاصات وتفاوت في شروط العمل والتدبير، فضلاً عن صعوبة توحيد معايير الجودة والمراقبة والمحاسبة.

وسجل المرصد وجود اختلالات متعددة تؤثر في أوضاع المربيات والمربين، أبرزها هشاشة القوانين المؤطرة لعملهم، وغياب التطور النظامي والمهني، وتعدد القطاعات المتدخلة، فضلاً عن التناقضات القائمة بين التصورات المعلنة حول تطوير التعليم الأولي والواقع الذي يعيشه العاملون فيه. كما سجل، بأسف، ما اعتبره غياباً للاحترافية والمهنية والمصداقية لدى مجموعة من جمعيات المجتمع المدني المشرفة على تدبير القطاع.

ويعيد هذا الموقف طرح إشكالية إسناد خدمة تربوية عمومية إلى فاعلين جمعويين، في ظل تفاوت قدراتهم التدبيرية واختلاف الممارسات المعتمدة في التعامل مع المربيات والمربين. كما يسلط الضوء على الحاجة إلى وضع قواعد واضحة لتدبير مؤسسات التعليم الأولي، تشمل شروط إسناد المهام، ومراقبة صرف الموارد، واحترام الحقوق المهنية، وتحديد المسؤوليات وآليات المساءلة، بما يضمن عدم تحول تعدد المتدخلين إلى مصدر إضافي للهشاشة وعدم الاستقرار.

وبخصوص الاحتجاجات التي نظمتها مجموعة من نقابات التعليم الأولي يوم 19 أكتوبر 2026 وما تلاها، أكد المرصد أن الحق في الاحتجاج والتظاهر السلمي يشكل أحد أسس دولة الحق والقانون، داعياً مختلف الأطراف إلى احترام هذه الاحتجاجات، خصوصاً في ظل الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه فئات من المجتمع المغربي. كما استحضر البلاغ ما تشهده مجموعة من الدول الأوروبية والعربية والأمريكية من اضطرابات اجتماعية، في سياق تأكيده على أهمية احترام الحق في التعبير والاحتجاج السلمي.

غير أن المرصد سجل، في المقابل، بقلق توقيت هذه الاحتجاجات، معتبراً أن الجهات الداعية إليها بادرت إلى تنظيمها بعد ثلاثة أيام فقط من تعيين الحكومة الجديدة، وقبل استكمال مسطرة تنصيبها الدستوري، وفق ما ورد في البلاغ. ودعا إلى احترام آليات الاحتجاج وأخلاقيات الحوار، وتمكين القطاع الوصي والحكومة عموماً من مهلة المائة يوم بعد التنصيب الدستوري، باعتبارها مهلة معمولاً بها، بحسب البلاغ، في التجارب الديمقراطية.

ويكشف هذا الموقف عن محاولة للجمع بين التأكيد على مشروعية الاحتجاج باعتباره حقاً أساسياً، والدعوة إلى مراعاة الظرفية السياسية والمؤسساتية عند اختيار توقيته، بما يتيح للحكومة الجديدة فرصة مباشرة مهامها وفتح قنوات الحوار مع ممثلي العاملين في القطاع. وفي الوقت نفسه، لا يحصر المرصد أسباب الاحتقان في المطالب المادية والمهنية التي ترفعها النقابات، بل يلفت الانتباه إلى جوانب أخرى مرتبطة بأساليب التدبير الإداري وطبيعة العلاقة بين المسؤولين والعاملين.

وفي تنبيه مباشر إلى الوزارة الوصية، اعتبر المرصد أن الأسباب الحقيقية للاحتجاج في قطاع التعليم الأولي لا ترتبط دائماً بالملفات المطلبية وحدها، بل قد تكون ناتجة أيضاً عن أساليب تعامل بعض المديرين الإقليميين والمحليين، وبعض مديري الأكاديميات والمؤسسات، فضلاً عن القرارات الانفرادية الصادرة عن المستوى المركزي في بعض الأحيان.

ويكتسي هذا التنبيه أهمية خاصة، لأنه ينقل النقاش من مجرد تدبير المطالب النقابية إلى مساءلة أنماط الحكامة الإدارية والتواصل المؤسساتي داخل القطاع. فمعالجة الاحتقان، وفق موقف المرصد، لا تقتضي فقط النظر في الملفات المطلبية، وإنما تستدعي كذلك مراجعة طرق اتخاذ القرار، وتعزيز الحوار بين مختلف مستويات الإدارة والعاملين، وضمان وضوح المساطر واحترام الحقوق، وتفادي القرارات التي قد تؤدي إلى توتر العلاقات المهنية.

ومن بين أبرز المقترحات التي جدد المرصد التأكيد عليها إحداث وكالة خاصة بالتعليم الأولي، تتولى تدبير القضايا التربوية والبيداغوجية والإدارية المرتبطة بهذا القطاع، بما يشمل شؤون المربيات والمربين وفئات الطفولة المعنية. ويأتي هذا المقترح استجابة، بحسب منطق البلاغ، لإشكالية تعدد القطاعات والجهات المتدخلة، وما يرتبط بها من تداخل في الاختصاصات وتفاوت في أساليب التدبير وغياب الانسجام بين الممارسة الميدانية والتصورات المؤطرة للقطاع.

ومن شأن هذا المقترح أن يفتح النقاش حول إمكانية إرساء جهة مؤسساتية متخصصة تتولى تنسيق السياسات التربوية والإدارية، وتوحيد المعايير المهنية، وتتبع جودة الخدمات المقدمة للأطفال، وتوضيح المسؤوليات بين مختلف المتدخلين. غير أن تنزيله على أرض الواقع يقتضي تحديد طبيعة الوكالة واختصاصاتها وعلاقتها بالوزارة الوصية وباقي المؤسسات والجهات المتدخلة، فضلاً عن توضيح كيفية ضمان حقوق العاملين وتحسين شروط اشتغالهم.

وفي ختام بلاغه، نوه المرصد بسرعة تدخل وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، محمد نبيل بنعبد الله، من خلال دعوته نقابات التعليم الأولي إلى اجتماع صباح يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026. وتأتي هذه الخطوة في سياق تصاعد المطالب المرتبطة بالأوضاع المهنية والاجتماعية للمربيات والمربين، وما يرافقها من نقاش بشأن حكامة القطاع وآليات تدبيره.

 

شارك المقال