اليوم24 في زيارة لجزء من «المغرب المنسي»

07 سبتمبر 2014 - 09:07

تحقيق: أحمد المدياني

في الأطلس المتوسط والكبير عشرات المناطق الشبيهة بمنطقة أنفكو التي ذاع صيتها بعد وفاة المفاجئة والصادمة لمجموعة من الأطفال بها، شتاء العام 2008،  مما استدعى زيارة ملكية، قام بها الملك محمد السادس، هي الأولى في عهد ثلاثة ملوك.

قريبا من أنفكو التي سلط الضوء عليها أكثر من غيرها، وحولها، عشرات الدواوير والقرى، التي شهدت إطلاق العديد من المبادرات التنموية، على شاكلة مستوصفات صحية، ومدارس أو حجرات دراسية، ومسالك وطرق لفك العزلة، ومركبات اجتماعية، غير أن الملايير التي صرفت عليها، والتي تدبج بها التقارير الرسمية، ذهبت سدى.

فمن أصل 48 مستوصفا شيدت، فقط 8 تشتغل بشكل طبيعي، أما الأخرى، فإما أن المعلمين الذين اكتووا بلسعات البرد استوطنوها، أو أن الكلاب تعيث في جنباتها، بينما تؤكد الإحصائيات والأرقام أن 80 في المائة من نساء تلك المناطق عشن تجربة فقدان واحد من أبنائهن، دون حديث عن اللواتي انتقلن إلى دار البقاء أثناء الوضع أو بسبب مضاعفاته، فبين البيوت الطينية لقرية « تلمي»  وحدها  يوجد أزيد من ثلاثين طفلا وطفلة أيتام، فقدوا أمهاتهم خلال عملة الوضع،كما تنقل ذلك شهادة سيدة رافقت  الجريدة خلال رحلة لزيارة المستوصف المحلي، قبل أن تستنتج أن «طريق الموت سهل بالنسبة لمن ولدوا فوق هذه الأرض».

الوضع ليس أحسن حالات في مجال التعليم، فلا يستغرب أن عدد الذين نجحوا في بلوغ الدراسات الجامعية في تاريخ هذه الدواوير لم يتجاوز أربعة أشخاص، وأن الذين لا زالوا في سن التحصيل، يدرسون بإسطبلات سابقة، وأن الدراسة لا تتعدى في بعض الأعوام شهرا واحدا، بفعل الطقس الذي لا يرحم، أو بسبب المسالك الطرقية الوعرة.

تزويج القاصرات في سن مبكرة جدا، وتحولهن إلى أرامل بعد فترة وجيزة من الزواج، مظهر آخر من مظاهر المأساة في هذه المناطق، التي تستصدر بطاقات تعريف لسكانها، بناء على كناشات للحالة المدنية لا يتوفرون عليها، بسبب عدم توثيق الزيجات، والهدف المشاركة في الانتخابات. 

شهادات النساء والرجال والأطفال تتقاطع لتقول، على لسان شيخ مسن غاضب «عيا الرابوز ما يصوط حلف هو لا بغا يطيب»، وهو يتحدث عن حالة اليأس التي تنتاب الساكنة من كثرة كتابة الشكايات والخروج في وقفات احتجاجية دون أن تتحسن أوضاعهم المعيشية، قبل أن يضيف «واش الملك جا عندنا، وقال ليهم بنو ليهم الصبيطارات والمدارس والطرقان، وغير مشا كلشي مشا معاه».

بعد زيارة الملك محمد السادس لمنطقة أنفكو، بعد سقوط عدد من الأطفال ضحايا لموجات البرد، وإطلاق عشرات المشاريع، في قطاعات الطرق، والتعليم ، والصحة، والتنمية، بعشرات الدواوير والجماعات بالأطلس المتوسط والكبير، تقف « اليوم24»، في زيارة ميدانية، استغرقت 11 يوما، على مآسي مغاربة أخطأتهم مبادرات التنمية التي أطلقت بأمر من الملك.

«عيا الرابوز ما يصوط حلف هو لا بغا يطيب»، هكذا تكلم شيخ ساخط من سكان «تلمي»، وهو يتحدث عن حالة اليأس التي تنتاب الساكنة من كثرة كتابة الشكايات والخروج في وقفات احتجاجية دون أن تتحسن أوضاعهم المعيشية، قبل أن يضيف «واش الملك جا عندنا، وقال ليهم بنو ليهم الصبيطارات والمدارس والطرقان، وغير مشا كلشي مشا معاه».

مناسبة حديث الشيخ، زيارة قامت بها « اليوم24» لإقليم «ميدلت» ما بين الفترة الممتدة من 19 غشت إلى غاية 28 منه سنة 2014، حطت فيها الرحال بكل من قرى ودواوير (زاوية سيدي حمزة، تسراولين، إملشيل، تلمي، تغيغاشت، أغدو، تغدوين، ترغيست، أنفكو، أيت مرزوك، وتمزاغرت..)، للوقوف على واقع ومشاريع أطلقت بمباركة ملكية بعد الزيارة التاريخية للملك محمد السادس للمنطقة، يوم 2 ماي 2008، وذلك بعد موجة سقوط العديد من أرواح أطفال بسبب البرد في قرية «أنفكو». مشاريع لم تغير الشيء الكثير من وقاع حال المنسيين هنا، ما دفع الشيخ الطاعن في السن وهو يقودنا نحو مستوصف قريته للتعبير عن سخطه. 

الموت هنا يتجول بأريحية، يمسح على جبين المصابين بالحمى، وينتظر على باب السيدة الحامل، لا يفرق بين الكبير والصغير، يختبئ تحت الحصى المقبلة من مياه شرب غير معالجة، ويحصد الأرواح صيفا وشتاء، وإن لم يفعل يترك عاهات مستديمة لمن أصابهم المرض على حين غرة، والحالة هنا لطفل من دوار «تصالحت» في طريق إلى زاوية «سيدي حمزة»، يدعى خالد إسوان، ويبلغ من العمر خمس سنوات، كتب عليه الإصابة بالتهاب السحايا «حمى ميناجيت»، في مكان لا يعترف بالحقوق الصحية لأفراده، الرحلة من مسقط رأسه نحو مدينة «الريش» لإنقاذ الطفل لم تكلل بالنجاح كما يروي ذلك صديق والده،حفيظ الفلاح لـ« اليوم24». لم يجد خالد طبيبا لمعالجته داخل قريته، فاضطر والده لنقله إلى مدينة «الريش»، ثم بعدها إلى «الراشدية» لينصح بحمله على وجه السرعة نحو مدينة «فاس»، وهناك – يسترسل صديق والد خالد- لم يجد الطفل العليل من يعالجه بالسرعة الممكنة، قيل لوالده «مادامت الجماعة لم تمنحكم سيارة إسعاف فالحالة ليست خطيرة». وحين طالب بإجراء تحاليل له، جاء الجواب صادما مرة أخرى «نعتذر، التجهيزات معطلة». انخفضت حرارة الطفل، لكن فقد معها سمعه ليلتحق عنوة بذوي الاحتياجات الخاصة. 

وبين البيوت الطينية لقرية «تلمي» يوجد أزيد من ثلاثين طفلا وطفلة أيتام، فقدوا أمهاتهم خلال عملة الوضع، تقول سيدة رافقت هي كذلك الجريدة خلال رحلة لزيارة المستوصف المحلي. فطريق الموت سهل لمن ولدوا فوق هذه الأرض. وغير بعيد عن القرية نفسها، وتحديدا بمنطقة «تغيغاشت» أكثر من 90 في المائة من النساء يفقدن مولودا أو أكثر بسبب انعدام الشروط الصحية للولادة. معطيات صادمة كشفت عنها الاستمارات الاجتماعية التي عبأتها مؤسسة «يطو» مع نساء الدوار، فما إن يطرح المتطوعون على نساء من مختلف الأعمار «كم عدد حالات الولادات التي وضعت كل منهن؟» الجواب بين خمسة وثمانية، يليه سؤال أكثر دقة «كم لديك من طفل؟»، النتيجة ليست مطابقة لعدد حالات الولادة. وحسب تفريغ ومعاينة قامت بهما « اليوم24» في حينه، تفقد 80 في المائة من النساء في دوار «تغيغاشت» ما بين طفل وطفلين خلال عملية الوضع، بل منهن من فقدت طفلها بعد خمسة أشهر وسنة من ولادته، والسبب هو سوء التغذية وغياب الشروط الصحية لمعالجته من الأمراض، خاصة نزلات البرد القاتلة التي تزور المنطقة كل فصلي الخريف والشتاء. 

جاءت تحملها بين ذراعيها، إذ يحمل جلدها حروقا، وكأن قنينة غاز انفجرت في وجهها. لم تقو الأم على إظهار باقي أعضاء الطفلة الصغيرة، وما إن كشفت عنها الغطاء، حتى ظهرت مشاهد صادمة لم يقو المتحلقون حولها إمعان النظر فيها لأزيد من ثوان معدودات. طفلة صغير لم يستطع معيلها عرضها على الطبيب، نظرا إلى بعد أقرب مستشفى قادر على علاجها بمئات الكيلومترات في رحلة ستكلف الكثير.

المشهد احتضنه مقر جماعة «أنمزي»، التابعة لإقليم «ميدلت»، والذي يتوفر، حسب معطيات رسمية حصلت عليها «أخبار اليوم»، على 48 مركزا صحيا، تتوزع ما بين مستشفيات ومستوصفات، ثمانية فقط، منها داخل الخدمة، أما 40 الباقية، فهي إما خارج نطاق الخدمة بفعل غياب أطباء يهربون من العمل في مناطق من المغرب «غير النافع»، التي قست عليها الطبيعة والإنسان، أو سكنها المعلمون الذين لم يجدوا مأوى لهم يقيهم برد فصلي الخريف والشتاء القاسية، أما البقية فتهاوت لغياب الصيانة وتحولت لخراب تلجأ إليها الكلاب الضالة.

هناك، وعلى بعد كيلومترات من جماعة «أنمزي»، في قرى ودواوير، الطريق إليها عبارة عن واد شاق المسالك وسط الجبال، المرض ممنوع وذنب يحرم الوقوع فيه. قبل خمس سنوات من زيارة الجريدة لهذا المكان الذي يليه الجبل فقط، استبشر أهل «أيت مرزوك» خيرا. الدوار يضم 90 منزلا، تقطنه أسر تتكون من 5 إلى 15 فردا. حين بدأت أشغال بناء المستشفى المحلي سنة 2004، بناء على تعليمات ملكية بخصوص تنمية المنطقة وتأهيل بنياتها التحتية الصحية، يقول الشاب عبد العزيز، وهو أحد أبناء «أيت مرزوك»، إن المستشفى اليوم تحول لمسكن قار يقطنه المعلمون الذين يشتغلون داخل المدرسة الابتدائية للدوار، بعد أن تعذر عليهم العثور على مسكن يقيهم من برد الثلوج التي تتساقط على المنطقة بغزارة، ما حرم الدوار من خدمات طبية اعتقدوا يوما أنها ستوفر لهم بعد استكمال بنائه خدمات صحية، لكن العكس ما حصل. وهو ما عاينته «أخبار اليوم» في زيارتها. وعن أسباب هذا الوضع، يوضح أولباز سعيد، رئيس جماعة «أنمزي» أن المستوصف تم بناؤه على نفقة الجماعة خلال الولاية السابقة، لكن لم توفر له وزارة الصحة أطرا طبية، وهي الحالة نفسها التي يوجد عليها مستوصف آخر بقرية «أمالو»، رغم أن هذا الأخير – يضيف المتحدث ذاته- تم تفويته لوزارة الصحة عبر عقد شراكة، ليترك توقيعها خاويا حتى أصبحت دعائمه اليوم تتهاوى بفعل الإهمال وغياب أشغال الصيانة، رغم أن سعيد أولباز، وبصفته رئيس للجماعة راسل وزارة الصحة في أكثر من مناسبة للتدخل العاجل قصد إنقاذ الوضع، الذي وعدت الوزيرة السابقة ياسمينة بادو يوما بحل معضلته خلال زيارة لها لمنطقة «أنفكو»، وذلك خلال لقاء جمعها برئيس جماعة «أنمزي»، والذي يشدد في حديثه لـ»اليوم24» على رفض وزارة الصحة في كل مناسبة يطلب منها توفير أطر طبية للمستوصفات التي تشيدها الجماعة على نفقتها.

قرية أخرى، وعلى خلاف «أيت مرزوك» القابعة في عمق الجبل، تقع على الطريق بعد بضع كيلومترات من مركز جماعة «إملشيل»، هي «تلمي»، دشن بها المستوصف القروي مباشرة بعد الزيارة الملكية سنة 2008. كان يحج إليه قبل ثلاث سنوات فقط، سكان كل من دوار «أيت عمر»، الذي يضم 150 منزلا، و»تبانست» حوالي 60 منزلا، و»تغيغاشت» أزيد من 80 دارا، بالإضافة إلى 45 أسرة تقطن بـ»تيلمي»، لتلقي «العلاج» داخل مستوصفها، لكنه تحول منذ مدة لمأوى تحج إليه الكلاب ليلا.

داخل مستوصف «تيلمي» تجد ما يناقض الصحة تماما، براز كلاب هنا وهناك، وروائح كريهة تفوح من مراحيض اختنقت مجاريها منذ مدة. قرب بابها مشهد سريالي ليافطة وضعت يوما على واجهة حائطه، كتب عليها «المملكة المغربية/وزارة الصحة/إقليم ميدلت/المستوصف القروي بتلمي)، حيث لم تستطع الطبيبتين اللتين مرتا من هنا مرور الكرام لسنتين فقط، المكوث فيه بسبب ظروف الاشتغال الصعبة، والتي قال عنها طبيب رافقنا خلال زيارتنا للبناية، إن 80 في المائة منها (الظروف) سببها وزارة الصحة، إن على مستوى الهندسة المعمارية التي تعتمدها في بناء مستوصفات ومستشفيات بهذه المناطق، وكذا على مستوى توزيع مخزون الأدوية المتوفر، والذي لا يلبي الحاجيات الصحية الأساسية للساكنة. وبالرجوع إلى الهندسة المعمارية، يوضح الطبيب ذاته، أن وزارة الصحة لا تراعي في تصاميم البناء الخاصيات الجغرافية والمناخية لكل منطقة في المغرب على حدة، إذ ستجد نمط البناء نفسه في مناطق وسط المغرب وكذلك في الصحراء، حيث الحرارة المفرطة، وفي الجبال الشيء نفسه كما هو الحال هنا في قرية «تيلمي»، نمط بناء لا يتوفر على التهوية الكافية خلال فصل الصيف، ولا يتوفر على مدفأة داخل حجراته كما عاينت «اليوم24»، مواد البناء نفسها والمساحات نفسها داخل الحجرات الصحية، وذلك ما يدفع الأطر الطبية للهرب من مثل هذه المناطق خوفا على صحتهم وسلامتهم.

السواد الأعظم من السكان يعانون هنا من أمراض المفاصل والعظام بسبب البرد، حتى مرض «الغدة الدرقية» لا يزال متفشيا بين النساء هنا بشكل مخيف. فحسب تقرير طبي أعده مجموعة من الأطباء، والذي اعتمد على استمارات شملت أزيد من 10 آلاف مستجوب داخل أزيد من 10 دواوير في المنطقة، المرض ينهش الأجساد الصغيرة والكبيرة، قرحة المعدة وآلام في الكلي بسبب اختلاط الماء بالحصى وحالة قيئ حادة سببها علة في المرارة، بالإضافة إلى أمراض جنسية وجلدية لا تعد ولا تحصى. كل هذا وأقرب مستشفى يمكنه أن يلبي حاجات الساكنة يبعد مئات الكيلومترات، إذ يتطلب الذهاب إليه مسيرة يوم وليلة إن كانت أجواء سماء المنطقة عادية، وإن لم تكن كذلك فتلك مأساة أخرى مضاعفة.

مغاربة خارج تغطية محاكم الرميد

هل يصل المخزن إلى قريتكم؟ الجواب لا. هنا لا مكان لفض النزاعات بين أهل القبيلة ومختلف تفرعاتها داخل محاكم المدن، ولا مكان لرجال الدرك الملكي الذين يحولون دون وقوع جرائم قتل أو سطو أو اعتداء على الممتلكات الخاصة والعامة. الحكم هنا لـ«أمغار»، أو القاضي الكبير بالعربية، شخصية يتم اختيارها من بين 12 فردا من كبار القبائل المشكلة لدوار «تسراولين»، الذي يبعد عن مدينة «الريش»، مسيرة ثلاث ساعات بين مسارات ومنعرجات جد متشعبة.

«المنسيون» داخل «تسراولين» وعلى لسان رئيس جمعية «أزم أبرباش» المحلية محمد أو سليمان، لم يعودوا يطيقون بطأ المساطر القضائية والإدارية إن هم اختاروا التوجه نحو محاكم المملكة، حيث يؤجل القضاء النظر في نزاعاتهم وقضاياهم دون مراعاة الظروف التي يعانونها خلال تنقلهم، يضيف المتحدث ذاته، فكان الحل تأسيس محكمة عرفية محلية، يتم عقدها عصر كل يوم جمعة منتصف الشهر، وتتكلف بمناقشة النزاعات بين أفراد القبائل المشكلة لدوار «تسراولين»، والحكم بعد المداولة والاستماع للشهود.

يؤكد أهل القرية فعالية المحاكم العرفية في العديد من القضايا، دون انتظار قدوم رجال الدرك وتحرير محاضر في النازلة، ثم انتظار أيام طويلة لإعلان مواعد الجلسات، ما يعني التنقل نحو مدينة «الريش» للوقوف بين يدي القاضي المقيم، والذي لا يكون حاضرا في كل وقت، مما يترتب عنه التوجه نحو محكمة «ميدلت»، وإذا كان الملف جنائيا، فالوجهة تكون صوب محكمة «الاستئناف» بمدينة مكناس، وهو الخيار الأصعب الذي لا يرغب فيه أهل الدوار.

تعقد جلسات المحاكمة مرة كل نصف شهر، بحضور القضاة المختارين من طرف أهل الدوار يتقدمهم «أمغار»، تعرض عليهم ملفات كثيرة بحضور الشهود، وتكون الأحكام العرفية عبارة عن عقوبات زجرية في حق من تبث تورطه، وإن أحجم المدان عن تنفيذ الحكم تتضاعف العقوبة، إلى أن تصل حد صياح البراح في أهل القرية بمقاطعة ونبد المعاقب.

وبعد أن تعرض القضايا على المحكمة العرفية، تصدر الأحكام في حق المخالفين، منطوق الحكم فيه إطعام 12 فردا من أهل القرية بعد ذبح خروف، تضاعف إلى 24 فردا، ليصل إلى حدود 80 فردا في حال رفض الامتثال لقرار المحكمة، ثم النبذ بين أهالي القرية.

وإذا كان للمحاكم العرفية محاسن، فلها أيضا مساوئ، كيف ذلك؟ يتشكل دوار «تسراولين» من أربع قبائل، يسميها أهل الدوار بـ»العظمات» أو «إيغس» بالأمازيغية، وهي «أيت وسو» و«أيت بلقاسم» و»أيت عني» و«أيت بي». تعتبر الأخيرة (أي أيت بي) أكثر احتجاجا وسخطا على قرارات المحاكم العرفية، حيث أكد مجموعة من أبنائها ظلم «العظمتين» المتحكمتين في كافة مفاصل الدوار، وهما «أيت وسو» التي تضم كبار الملاك داخل «تسراولين» و»أيت بلقسام» التي تستمد قوتها من كثرة عدد المنتسبين إليها، فيما تأتي قبلية «أيت عني» في الدرجة الثالثة، وفي الأخير «أيت بي» أو المعارضة كما يصفها شباب الدوار.

ويشتكي أهل القبيلتين المضطهدتين هنا من حرمانهم ولسنين طويلة من ترأس المحاكم العرفية، بل يصل الأمر حد حرمانهم من أي مساعدات تصل القرية أو هبات تحصل عليها، وهو الأمر الذي وقفت عليه «أخبار اليوم» خلال توزيع المساعدات الاجتماعية لقافلة مؤسسة «يطو»، حين دخل المشرفون عليها في نقاش حاد مع كبار قبيلتي «أيت وسو» و»أيت بلقاسم»، الذين أرادوا فرض شروط الأعراف في الاستفادة من الاستشارات الطبية وتوزيع الأدوية والمساعدات التي حملتها القافلة لهم، وهو الشيء الذي تطلب مفاوضات طويلة وعسيرة دون أن يقتنع ممثلو القبيلتين بضرورة إعمال مبدأ المساواة بين جميع سكان الدوار. وخلال هذه الجلبة، تقدم شاب أسمر نحونا، ليخبرنا بأن ما وقع أمام أعيننا يؤكد صحة الاختلالات التي تعرفها بعض قرارات المحكمة العرفية في حق «العظمتين» الموجودتين في الدرجة الثالثة والأخيرة.

الدراسة في الإسطبل..وشهرا واحدا في العام

في مكان ما خلف جبال شاهقة، وحدهم الشجعان يتحملون الوصول إليها، يوجد «تمزاغرت»، واحد من دواوير قبائل «أيت عبدي» التي تم شطرها إلى قسمين، قسم تابع لإقليم «تادلة أزيلال»، والثاني تابع لإقليم «ميدلت». نحن الآن فوق تراب هذا الأخير، لا ماء ولا كهرباء هنا، حرارة الشمس في الصيف تلهب الرؤوس، والبرد القارص شتاء يأكل المفاصل والعظام، وأطفال يتابعون دراستهم في العام شهرا واحدا في أحسن الأحوال.

بين أحضان حجرة مجموعة مدارس «أيت عبدي» الفرعية بدوار «تمزاغرت» توجد أربعة أقسام، ابتداءً من القسم الأول ابتدائي ووصولا إلى القسم الرابع من المستوى نفسه، باقي المراحل الابتدائية يعد «حلما غير مشروع» للأطفال هنا، أو كما قال فقيه الدوار «الخامس والسادس ابتدائي راه كينين هنا غير بالسمية»، فما بالكم بالأقسام الإعدادية والثانوية. حجرة صغيرة تضم قليلا من الطاولات المهترئة، الوصول إليها بالنسبة إلى التلاميذ البعدين عن مركز الدوار، يتطلب أربع ساعات مشيا على الأقدام، وإن هم وصلوا في الوقت يكدسون داخل بناية صغيرة يعتليها ثقب في السقف. لا سور يحمي أطفالها من المنعرج الخطير المقابل لبابها، ولا نوافذ مصممة بالطريقة الصحيحة لرد لسعات البرد القارص. حساين سخماني، من مواليد سنة 1955، متزوج وأب لأربعة أطفال، يعمل منذ 20 سنة عونا وحارسا وطباخا للمدرسة، بأجر لا يتجاوز 37 درهما في سنة ! يقول في شهادته لـ»أخبار اليوم» عن واقع التمدرس بـ«تمزاغرت» إنه «كارثي ولا يلبي حاجيات الأطفال»، ولتشجيعهم على الدراسة، يقوم حساين بطهي طعام الغذاء لـ«المجليين» منهم خلف الجبال القريبة من الدوار، وجبات قوامها العدس والفاصوليا وعلب السردين، فيما يسد أطفال الدوار جوعهم بشكل شبه يومي بكسرة خبز محشوة بالفلفل الحار، أما حطب التدفئة فهو العملة الناذرة هنا، إذ لا يتوفر ما يكفي منه طيلة فصول الدراسة، ما يضطر التلاميذ لهجرة القسم باكرا بعد أن يمكثوا فيه شهرا واحدا في كل موسم دراسي.

وكشف حساين سخماني، أنه راسل كافة الجهات بخصوص وضعه ووضع مدرسة «تمزاغرت»، التي يعيد كل سنة ترميم أركانها بفعل تضررها من تهاطل الأمطار والثلوج، عملية يقوم بها من ماله الخاص، بل قال إنه راسل الديوان الملكي في الموضوع نفسه، لكنه لا يعلم هل وصلت مراسلته أم لا.

وفي مكان ما من الجهة الأخرى للإقليم، حيث توجد قرية «أيت مرزوك»، توجد مدرسة تعاند من يرمم دعائمها، إذ تم تشييد سورها أكثر من مرة، لكن ما إن تتساقط أولى قطرات أمطار فصل الخريف حتى يتهاوى. أمام الباب الأمامي للمدرسة كتب بالحبر الأخضر على ورق مقوى بني اللون: «المبادرة الوطنية للتنمية البشرية/اسم المشروع بناء صور (سور) وقائي/حامل المشروع جمعية (ت.ن.إ) «. مشروع كلف حسب عون السلطة المحلية بالدوار 15 مليون سنتيم، وحسب شهادات أبناء «أيت مرزوك» فعملية البناء تكررت أزيد من مرتين.

لا يصل أزيد من 90 في المائة من أطفال «أبيت مرزوك» إلى الأقسام الدراسية الإعدادية، وفي تاريخ الدراسي للدوار بأكمله، استطاع 4 من أبنائه فقط، الوصول إلى الجامعة وهم من أبناء عائلة ميسورة تدعى «أيت بهو».

وإذا كان البعض يدفع بالموقع الجغرافي البعيد لكل من دوار «تمزاغرت» وقرية «أيت مرزوك» لتبرير الحالة التي توجد عليها حجرات مدرستيهما، فـ« اليوم24» اختارت زيارة ثلاثة دواوير أخرى قريبة من الطريق، ولا تبعد عن مركز «إملشيل» سوى بضع كيلومترات. الدوار الأول «أمردو أوراغ»، ويبعد عن «إملشيل» ابتداء من مكان سوقه الأسبوعي بكيلومترين فقط، حيث يدرس التلاميذ داخل حجرة صغيرة اكترتها السلطات المحلية بـ700 درهم للموسم الدراسي، عبر معاينة أولى للحجرة، اتضح أنها لم تكن من قبل مكانا للسكن، بل كانت «كوري» يأوي البهائم والأبقار، ليتحول بقدرة قادر إلى فضاء ضيق يخنق الأطفال، بلا ماء ولا كهرباء، بعد أن ذهبت المدرسة الأساسية في خبر كان، بسبب الأمطار التي عرت الغش في بنائها حسب رواية أهل الدوار، أو بسبب فعل فاعل يقول آخرون، إذ تظهر المدرسة في حالة يرثى لها وكأن قصفا جويا بالقنابل شهده الدوار يوما.

نتجه صوب دوار آخر تابع بدوره لجماعة «إملشيل» وقريب من مركزها، دوار يعيش اليوم شبح تهديد واد غيّر مساره الطبيعي، وكان قدر مدرسته الابتدائية أن تكون في قلب تهديد سيوله. المدرسة وكما عاينت «أخبار اليوم» ذلك، تضم بداخلها مسكنا للأساتذة أشبه بمكب الأزبال، روائح كريهة تفوح من داخله، متلاشيات يقصدها الأطفال للعب بها وتشكل تهديدا على صحتهم، براز هنا وهناك. واحد من أبناء القرية المحظوظين باستكمال دراسته في الجامعة، عبر للجريدة عن سخطه تجاه ما تعانيه المدرسة، وتحسر على التفريط في ميزانيات ضخمة –إذا ما قرناها مع حاجيات «تغيغاشت»- رُصدت لإعادة تأهليها وترميمها، وهي اليوم تتآكل وتجود أسقفها على اللاجئين إليها خلال زيارتنا للدوار بقطرات المياه المتسربة من الشقوق، والمشكل ذاته كما هو حال باقي المدارس، الغش في البناء وعدم اعتماد تصميم معماري يراعي الظروف المناخية التي تعرفها المنطقة خاصة في فصل الشتاء.

المشاهد والحكاية نفسها تتكرر بين جدران مدرسة «تلمي»، وكأن التعليم ليس من شأن القيمين عليه في هذا الركن المنسي من المغرب، أطفال يترعرعون في القرن الواحد والعشرين داخل فضاءات توقف فيها  الزمن منذ عهد غابر.

مواطنون بلا هوية.. تستصدر لهم بطائق وطنية «مزورة»

حظ ساكنة هذا المعمور يعاكس يومياتهم من كل جانب، فإذا كانت الطبيعة تقسوا عليهم، والمشاريع تُعاندهم بفعل عدم جدية تنفيذها، فإن هويتهم كذلك مسلوبة، معظمهم لا يتوفرون على بطائق وطنية، ولا سجلات الحالة المدنية، كما أن أغلبهم لم يوثقوا زيجاتهم.على 

وفي حديث لـ»أخبار اليوم» مع سعيدة باجو، المسؤولة عن اللجنة القانونية داخل مؤسسة «يطو»، التي رافقتها « اليوم24» خلال قافلتها الاجتماعية للمناطق المعنية، قالت إنها وقفت خلال تفريغها للخطوط العريضة للتقرير القانوني على «مآسي وكوارث إنسانية في هذه المناطق»، من بينها تزويج قاصرات في سن صغيرة جدا، بل وقفت هي بنفسها على حالات تزويج طفلات في الرابعة عشرة من عمرهن يتوفرن على عقد زواج موثق وبمباركة المحكمة. هذه الزيجات بالإضافة إلى زواج الفاتحة، ينتج عنه مشكل آخر وهو عدم تسجيل المواليد الجدد في الحالة المدنية، وهو المصير نفسه الذي يعانيه أجدادهم وأباؤهم. 

وحملت سعيدة باجو، الدولة المغربية المسؤولية في عدم توفر هؤلاء المغاربة على هوية، كما تطالب بعدم التعامل معهم كأرقام، ودليلها على ذلك بحسبها، مدهم ببطائق التعريف الوطنية خلال الانتخابات، رغم عدم تسجيلهم بالحالة المدنية، وهي «الجريمة التي يعاقب عليها القانون المغربي، ويجب محاسبة المتورطين جنائيا، لأنهم استغلوا جهل الناس وعدم اطلاعهم على القوانين المعمول بها». 

ولمقاربة هذه الظاهرة من الناحية القانونية، أوضح المحامي بهيئة الدار البيضاء، مهدي مساعد، أنه وجب الإشارة إلى العوامل التي تنتج عنها مثل هذه الممارسات تجاه هذه المناطق من المغرب، وهي العوامل نفسها التي أتت على ذكرها سعيدة باجو (تزويج القاصرات الأقل من 18 سنة، زواج بالفاتحة بدون عقد، وكذا عدم تسجيل الزوجين بالحالة المدنية سواء بالنسبة إلى الزوج أو الزوجة، وحتى وإن وجدت الحالة المدنية بالنسبة إلى الزوجين فهي لا تتضمن أسماء مواليدهم)، عوامل تجعل الوضعية القانونية لهؤلاء غير واضحة وملتبسة.

وبناء على احتكاكه بهذه الحالات ومعاينته لها مباشرة، يؤكد مهدي مساعد أن هناك جزءا كبيرا من المواطنين هنا لا يتوفرون على البطائق الوطنية، خاصة الذين تجاوزوا سن الأربعين، وهناك شكل آخر من الاختلالات وهو الأخطر، يتمثل في توفر البعض على البطاقة الوطنية، لكن عند استفسار أصحابها هل لديهم كناش الحالة المدنية، يجيبون بالنفي. هذا نوع من «الاختلالات التي وقفت عليها بشكل مباشر»، يشدد المتحدث ذاته، قبل أن يضيف، بل يدلون ببطائقهم خلال الحديث معهم، ويعترفون بأنهم حصلوا عليها خلال فترات الانتخابات. اختلالات وقفنا عليها في جميع الدواوير التي مررنا منها، لكن بشكل كبير داخل دوار «تمزاغرت». ولتوضيح الأمر يجب التذكير بأن البطاقة الوطنية الجديدة تتوفر على رقم/ مرجع الحالة المدنية الخاص بكل مسجل في دفاترها، ولا يمكن استصدارها في غيابه، هؤلاء الناس الذين يتوفرون على بطائق تعريف وطنية، وفي الوقت نفسه يقرون بعدم توفرهم على دفاتر الحالة المدنية، يدفعوننا لطرح علامة استفهام كبرى حول صحة تلك الأرقام. وإذا ما رجعنا إلى هذه السجلات، فهل سنجد فعلا أن هذا الرقم المرجعي مطابق لهوية الشخص الحامل للبطاقة الوطنية؟ 

هل الأمر مرتبط بالتزوير والتدليس؟ نحن لم نطلع على السجلات، يقول المحامي مساعد، لكن إذا لم يكن هذا الشخص مسجلا، فهو بالفعل تزوير يتحمل مسؤوليته من سلموهم البطاقة الوطنية، وهو تزوير خطير، لأن هذه وثائق مغربية رسمية سلمت من طرف جهات رسمية. 

الشخصية القانونية للمواطن هي الاسم والعنوان، يشرح متحدثنا، هؤلاء هم موجودون في الواقع، لكن من الناحية القانونية لا وجود لهم، مثلا إذا كانت لهم قضايا أمام القضاء، أول شرط للاعتراف بهم، وجود الصفة، وما يثبتها هو التوفر أولا على البطاقة الوطنية، ثم عنوان السكن أو رسم الإراثة، لكن قبل كل هذا عقد الازدياد الذي يثبت اسم الشخص واسم والديه ومحل سكناه ومكان ميلاده، ولا يمكن توفر هذه الإثباتات بدون تفور هؤلاء على دفاتر الحالة المدنية وهو الشيء الذي لم نجده عند مجموعة من الذين يتوفرون على بطائق تعريف وطنية في المناطق المعنية !  

رُحّل لا يعرفون عن الإسلام شيئا..

في الطريق إلى دوار «تمزاغرت»، صادفنا مجموعة من الخيام المتناثرة على سفوح الجبال، بشر رحل زادهم الخبز والماء، لا يأكلون من ماشيتهم إلا في مناسبات جد نادرة، فهي موجهة فقط، للبيع وليست للأكل، هؤلاء لا يعرفون رئيس الحكومة ولا يفرقون بين شرق المغرب وجنوبه، اهتماماتهم الوحيدة محصورة في البحث عن الكلأ والماء.

عند وصولنا إلى «تمزاغرت» جالسنا فقيه الدوار، كانت صدمتنا كبيرة حين بدأ حديثه معنا عن حال وأحوال الرحل، يقول الفقيه: «حاولت مع هؤلاء ما مرة تعليمهم الصلاة والوضوء، لكن ما إن تنقضي شهور قليلة حتى أعود لأجدهم نسوا كل شيء تعلموه». يشدد الفقيه على أن أهالي 150 خيمة الموجودة في محيط دواره، لا يعرفون شيئا عن الدين الإسلامي ولا يعرفون أحكامه، ولا يتوفرون كذلك على الوسائل التي تمكنهم من القراءة، بل حتى القرآن غير موجود داخل خيامهم، يضيف الفقيه.

التقينا الرحل مباشرة في طريق عودتنا. حاولنا سؤالهم عن أحاولهم المعيشية، لكن تعذر علينا ذلك، لأن ليس من بينهم من يتكلم العربية، الكل يطلب ويستجدي المساعدات بلسان أمازغي.

المكتبة التاريخية الوحيدة وضعت على أبوابها أقفال 

ليس وحده الحاضر من يقبر هنا، بل للتاريخ وشخوصه ومعالمه نصيب من الإهمال وعدم التثمين من طرف المسؤولين عن المنطقة، تاريخ عمر لقرون طويلة مقاوما النسيان، لكنه استسلم في الأخير لجبروت الإهمال، فقدم نفسه مكرها ومعه أهالي المنطقة قربانا.  

ففي مكان ما خلف جبل «العياشي»، حيث يرقد جثمان من سمي أحد أشهر قمم الأطلس باسمه. تختبئ زاوية عمرها 475 سنة. كانت لوقت قريب تضم بين جدرانها الطينية 160 أسرة. لكن اليوم لا تزال 9 أسر فقط تقاوم النسيان الذي قهر التاريخ. بين كل هذا مكتبة تفوح منها رائحة الأصول، تسمى مكتبة «أبي سالم العياشي»، والتي تضم كتبا ومخطوطات جمعت من أقصى بقاع العالم، أقدمها يعود إلى قرابة ما قبل 1000 سنة من يوم.

نطرق باب التاريخ المنسي بين أحضان أقصى جبال الأطلس المغربية. المكان «زاوية سيدي حمزة»، التي اشتهرت في الماضي كمنارة للعلم، وتجميع الكتب النادرة في الفقه والأدب والتاريخ، بل وتضم بين جدرانها مخطوطات لعلماء مغاربة وثقوا قبل 450 سنة لحركة النجوم والكواكب.

نطرق باب التاريخ لننقل واقعا همشته كل المصالح المكلفة بحمايته من الانقراض، نطرقه لنتحدث على لسان العارفين به والوارثين لسره مشاهدا من الزمن الغابر، أكوام من التراب متناثرة هنا وهناك، مسالك مظلمة زاد بطش إهمال المسؤولين من ظلمتها، أطلال تقاوم وحدها لتخبر زائرها بأن من مروا يوما من هنا كان لهم شأن في الشرق والغرب، ونقلوا عبر شراء الكتب الأصلية لأشهر علامة عصرهم كنوزا لا تفنى، حاول كثيرون شراءها بالملايين، وحاول آخرون سرقة ما بقي منها نهارا، فيما نجح بعض نافذين في سرقة محتويات مكتبة الزاوية، إما عن طريق الحيلة، إما عن طريق بطش السلطة والاحتماء بالمستعمر.

يحكي «سليمان بن عبد الله» كيف اتخذ قرار تثبيت البابين الحديديين في وسط الممر إلى غرفة المكتبة، «لقد تعرضنا لمحاولة السرقة نهارا، لذلك اتخذ قرار تعويض أبواب العود بأخرى مصنوعة من الحديد»، محاولة السرقة تظهر جلية بسبب الحفرتين اللتين تركهما المتربصون خلفهم على مكان الأقفال، وإن باءت هذه المحاولة بالفشل، فسابقات مثلها نجح منفذوها في السطو على كنوز المكتبة إما بالحيلة، وإما بضغط من جبروت السلطة، فكيف ذلك؟

من بين الكتب الثمينة التي سرقت من مكتبة «أبي سالم العياشي» مجلد كتبه «الإمام مالك» بماء الذهب وسفر بجلد الغزال، سرقة تمت خلال فترة الاستعمار الفرنسي للمغرب، دون أن تعرف وجهته بعد ذلك، بالإضافة إلى ثلاثة عشر كتابا اختفوا بالحلية، وكما يروي «سليمان» الواقعة، فإن شخصية نافذة (ع.ك) وهو من أهل فاس، كان قد زار المنطقة وطلب استعارة تلك الكتب لغاية علمية، في البدء لم يشأ جد «سليمان» منحها إياه، لكن بعد ضغط قوي من قائد المنطقة استسلم لطلبه، ما ترتب عنه اختفاء ما أخذه من كتب ثمينة ونادرة.

واقعة أخرى كانت ستضيع معها كل الكتب والمخطوطات، حين حاول قائد الزاوية في فترة الاستعمار (ع.ب.ع) بيع الكتب جملة واحدة لأحد يهود المنطقة، الذي كان يستقر بمدينة «ميدلت»، هذا الأخير جلب عربة كبيرة لنقل الكتب إلى منزله، لكن مقاومة الجد «عبد الله بن عبد الله» حالت دون إتمام الصفقة، ودفعته الحادثة لطلب الحماية، قبل أن يتخذ قرار إدخال المكتبة في ممتلكات «الأحباس» كي لا تضيع كنوزها، خطوة حمتها كذلك من جشع الورثة الذين طالبوا بعد موت الجد «عبد الله بن عبد الله» بنصيبهم من التركة بعد بيع الكتب والمخطوطات.

ولم تكن محاولة شراء مجموعة من اليهود لمكتبة «العياشي» الوحيدة، بل سبقتها عمليات أخرى نجحوا فيها في اقتناء كتب بكل من مدينة «الريش» (نواحي مدينة الراشدية) وكذلك محتويات مكتبات أخرى كانت تتواجد بالزاوية وفي منطقة «تازروت».

تحتوي المكتبة اليوم على 1200 مخطوطة ومجلد وكتاب، بعد أن ضاع ثلث ما كانت تحويه في السابق، وما لم يسطو عليه الطامعون، أتلفته مياه الأمطار.

خلال زيارتنا للقصر عاينت « اليوم24» بناية عصرية شيدتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية سميت بـ»مكتبة العياشية»، يقال إنها ستكون المحتضن المستقبلي لما تبقى من كنوز الزاوية العلمية والفقهية والأدبية، لكن ما هو مصير الأصل؟ لا جواب إلى حدود الآن، وواقع الحال يخبر العابرين من هنا أن مصير الغرفة الصغيرة التي احتضنت مجلسنا سيكون كحال باقي المنازل والمرافق المنهارة، داخل رقعة جغرافية لو شاء المسؤولون في وزارة الثقافة وزملاؤهم في وزارة الأوقاف أن يجعلوا منها منارة سياحية وعلمية، لقدموا بذلك خدمة اقتصادية واجتماعية لأحفاد من صنعوا مجد «زاوية سيدي حمزة».

كلمات دلالية

المغرب فقر
شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مراقب منذ 7 سنوات

صراحة لا أجد فيكم ايها الصحفيون سوا استغلال معانات الناس اين كنتم لما كانت هده المناطق كلها بدون مسالك ولا طرقات الان تكتبون عنها وانتم راكبون الكاتكات لان المخزن عبد الطريق ليصلها امتالكم مرتاحون و في ظرف سويعات قليلة تصلون لهده المناطق حقيقة تفو عليكم