أخذوا قرارات خاطئة ومكلفة، ثم رحلوا بدون حساب ولا عقاب ولا حتى مؤاخذة …مسؤولون كثر اليوم وأمس وأول أمس في بلاد لا تعترف بشيء اسمه المحاسبة…
لنبدأ بنماذج معروفة ومشهورة ومازالت حصيلتها قريبة من الذاكرة…
محمد ساجد، عمدة الدار البيضاء، المليونير القادم من البزنس إلى السياسة بدون مقدمات، اللهم نصائح إدريس جطو له بضرورة وضع يده في عصيدة السياسة. ساجد هذا، وبعد أن وضع تصميما لتمويل المشروع، وبعد أن صرف أكثر من 40 مليون درهم على الدراسات الأولية لإقامة ميترو معلق في مدينة (الفوضى المنظمة الدار البيضاء) تراجع عن القرار هو وأغلبيته، من سيدفع التكلفة؟ لا أحد سوى دافعي الضرائب في المدينة التي تعج بالمشاكل، هذا ليس كل شيء. ساجد، وعوض أن يعتذر للبيضاويين عن هذا الخطأ، خرج يعدهم بتعويض الميترو المعلق بأربعة خطوط «ترامواي» جديدة. هذا اسمه النصب السياسي لماذا؟ لأن الخطوط الأربعة كانت مبرمجة منذ الأول، وليست جديدة ولا مكرمة من ساجد عوض الميترو (أو حتى نص ميترو).
السيد عباس الفاسي، رئيس الحكومة السابق، أخذ قرارات خطيرة وحساسة معية آخرين لمواجهة الربيع العربي ومنع الشباب العاطل من الالتصاق بحركة 20 فبراير، منها زيادة 600 درهم في أجور كل الموظفين، واعتماد التوظيف المباشر والانتقائي للشباب المعطل بدون مباريات ولا تنافس ولا شفافية، وحتى دون وجود مناصب مالية. النتيجة ارتفعت كتلة الأجور كثيرا ووصلت إلى 105 مليار درهم في السنة، مع أنها كانت في حدود 50 مليار درهم يوم وضع رئيس الحكومة السابق، إدريس جطو مشروع المغادرة الطوعية الذي كان من أبرز أهدافه تخفيض كتلة الأجور في الإدارة!
السي عباس خرج من منصبه وذهب إلى بيته لتقاعد مريح حتى إن حزبه كاد يحصل على المرتبة الأولى في انتخابات 2011 لولا ظروف خاصة حملت الـ»بي جي دي» إلى المرتبة الأولى في الانتخابات، ومع ذلك ضمن حزب السي عباس مقعده في الحكومة رغم أن حصيلة وزيرين ــ على الأقل ــ من وزرائه كانت كارثية جداً.
ياسمينة بادو صاحبة صفقة اللقاحات/ الفضيحة (باعتراف المجلس الأعلى للحسابات) التي كلفت أكثر من 700 مليون درهم (70 مليار سنتيم) لشراء لقاحات بسرعة سنة 2010 للروتافيروس. المجلس الأعلى قال عن هذه الصفقة ما لم يقله مالك في الخمر، قال إن الصفقة لم يكن لها داعٍ أصلا، ثم إنها جرت خارج المساطر وقواعد الصرف العام، و… ياسمينة محامية جيدة تعرف من أين تأكل الكتف، ومع من تتحدث لتخرج مثل الشعرة من العجين، ساندت حميد شباط ضد سليل عائلة الفاسي، وضمنت مقعدا في اللجنة التنفيذية، وخاضت حملة علاقات عامة للخروج من الفضيحة بأقل ثمن.
كريم غلاب الذي أمضى ثماني سنوات في حكومتين متتاليتين في واحدة من أكبر الوزارات في المغرب، وزارة التجهيز والنقل. هذا سياسي من فصيلة خاصة انفجرت في وجهه ألغام كثيرة وخطيرة، ولم تصبه بشيء بعد أن اشترى رادارات لمراقبة السرعة خمس سنوات قبل وضع القانون بأكثر من 70 مليون درهم، ثم اتضح أنها لا تؤدي وظيفتها، ولا تراقب شيئا. وبعد أن أظهرت دراسات عدة أن 40 في المائة من طرق المغرب لا تتوفر فيها معايير السلامة، وبعد أن وضع خارطة للطرق والقناطر حسب اللون الوردي، أي حسب الجماعات التي يوجد بها مستشارو الحزب خدمة لحملاتهم الانتخابية (أتوفر على ملف متكامل حول خارطة الطرق والقناطر هذه). بعد كل هذا وغيره كثير، صعد غلاب إلى رئاسة مجلس النواب مع أن خبرته صفر في التشريع والعمل البرلماني، لم يمارس وظيفة برلماني ولو لدقيقة واحدة في حياته، دخل المرة الأولى البرلمان، ثم عين وزيرا، ودخل المرة الثانية، فأصبح رئيساً لمجلس النواب، ولهذا وقع في أخطاء كاريكاتورية لا مجال لذكرها هنا…
هل نضيف أسماء أخرى إلى هذه القائمة من (les intouchables). إمبراطور التلفزيونات، فيصل العرايشي منذ 15 السنة وهو يأخذ قرارات خاطئة كل يوم، ومازال في مكانه ورئيس الحكومة عبد الإله بنكيران عوض إقالته من منصبه، فضل أن يقطر رفقة وزيره في الاتصال الشمع عليه بين الفينة والأخرى. علي الفاسي الفهري، يدير مكتبا للماء والكهرباء مفلسا منذ سنوات، ويستخرج الطاقة من الفيول غالي الثمن، ويأكل أكثر من 10 في المائة من ميزانية المقاصة، ومع ذلك استطاع أن يقنع الحكومة بأنه هو رجل الأزمة، ورجل الإصلاح في الوقت نفسه.
مصطفى الباكوري، أخذ قرارات كارثية في صندوق الإيداع والتدبير كلفت المليارات (مثل الدخول والخروج إلى «كلوب ميد»، الاستثمار عالي المخاطر في منتجع مازاغان، الدخول في رأسمال «ميدي 1 تي في»، وصحف أخرى لا تقع ضمن مخطط التنمية للصندوق، بشراكة مع القطاع الخاص في مشاريع مريبة جداً وووو). كل هذا لم يكلف السيد الباكوري شيئا. الآن، هو زعيم سياسي برتبة تيكنوقراطي يحاول إدارة مشروع آخر بُني على قرار خاطئ أيضاً، إنه تأسيس حزب الدولة في وقت لم تعد الدولة في حاجة إلى حزب.