الحرب على «داعش» لن تكون نزهة

09 سبتمبر 2014 - 18:01

سافر رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران  إلى تونس، أول أمس، لحضور ندوة دولية كبيرة تحت عنوان: «استثمر في تونس، وادعم التجربة الديمقراطية الناشئة». وسافر وزير الخارجية صلاح الدين مزوار إلى القاهرة في الفترة نفسها لحضور اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي يعقد تحت شعار غير معلن هو: (التهييء المادي والمعنوي لشن الحرب على «داعش» في العراق وسوريا بقيادة أمريكا وبريطانيا). الاجتماع الأول، هو ربع الكأس المملوء، اليوم، في العالم العربي، حيث تحاول تونس مهد الربيع العربي الخروج من الثورة إلى الاستقرار، ومن الخلاف إلى التوافق، ومن الاستبداد إلى توطين تجربة ديمقراطية قابلة لأن تعيش سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. أما الاجتماع الثاني، فهو  التعبير الأمين عن  الثلاث أرباع الفارغة من الكأس في عالم عربي، حيث تنهار الدول، وينتعش التطرف والإرهاب، لأن الطبيعة لا تقبل الفراغ. تنظيم «داعش» بكل تخلفه وبربريته هو الوجه الآخر لبربرية ووحشية النظام السوري الذي يقصف شعبه بالبراميل المتفجرة من الطائرات، و»داعش» هو الجواب المتطرف عن الاحتلال الأمريكي للعراق أولا، وعن السياسة  الطائفية والعنصرية التي اشتغل بها نوري المالكي ومليشياته والمخابرات الإيرانية لمدة عشر سنوات في العراق، حتى دفعوا السُنّة للانتحار السياسي بالارتماء في أحضان تنظيم ظلامي متطرف لا أفق له سوى أنه يمثل قوة الردع الطائفي القادر على الوقوف في خندق الحرب السنية الشيعية ! ( ألا لا يجهل علينا جاهل ****  فنجهل فوق جهل الجاهلين).

في تونس اليوم، يُبنى مستقبل واعد، وتفتح صفحة آمال جديدة في عالم عربي يحتاج خطة جديدة لدخول نادي البلدان الديمقراطية، وفي القاهرة يديرون ملفات الماضي، ويدقون طبول حرب جديدة في العراق بعد أربع سنوات من خروج الاحتلال الأمريكي من بغداد، حيث صرح أوباما آنذاك قائلا بكل سذاجة: «إننا نترك عراقا مستقرا وديمقراطيا وفيه حكومة تمثيلية». الآن،  يقول أوباما للمالكي، أياما قبل تنحيه عن السباق حول رئاسة الحكومة العراقية، «لن نتدخل عسكريا لضرب «داعش» حتى نرى حكومة وحدة وطنية تمثل كل العراقيين. أمريكا لن تنحاز إلى الشيعة لقتال السنة». بدون تعليق!

 اليوم، تستعد أمريكا لتشكيل حلف دولي يجمع أكثر الدول العربية لتكوين جيش لقتال «داعش» في العراق، وهو ما اعتبره أوباما خطة تعوض الاستراتيجية الغائبة في شرق يحترق، ويمور بالفتن والفوضى غير الخلاقة. فهل سيشارك المغرب في هذا التحالف الجديد ضد داعش والحركات المتطرفة؟ 

إلى الآن، الصورة غير واضحة. وفي الأسابيع القليلة سيقوم وزيرا الدفاع والخارجية الأمريكيان بجولة في المنطقة لجمع التوقيعات والأموال والجيوش للحرب الجديدة. فأمريكا لن تخوض هذه الحرب بأموال دافعي الضرائب في بلادها، وجنودها لا يمكن أن يرجعوا إلى المستنقع العراقي إلا من خلال الجو، حيث الطائرات بطيار، وبدون طيار تقصف من السماء الأهداف العسكرية …

الأكيد أن المشاركة في هذه الحرب لن تكون نزهة، وهي مختلفة تماماً عن المشاركة الرمزية التي كانت للمغرب في حرب الخليج الأولى سنة 1991، حيث أرسل الملك الراحل الحسن الثاني كتيبة مغربية صغيرة لحماية السعودية على الحدود مع الكويت، ولم تقاتل أحدا حتى رجعت إلى قواعدها سالمة. هذه الحرب ستكون حرب مدن وشوارع، حيث لن يخوض تنظيم «داعش» ومقاتلوه حربا تقليدية في الصحراء والأراضي المنبسطة، بل سيرجع إلى الاختباء وسط ملايين العراقيين في المدن والقرى التي سقطت تحت سيطرته، حيث مازالت القوى السنية متحالفة مع مقاتلي داعش ضد حكومة بغداد الطائفية وجيشها المشكل أساسا من المليشيات الشيعية الموالية لإيران. هذا الجيش سيرجع إلى الانتقام من المناطق السُنّية التي طردت الجيش في ساعات، وأهانت بذلته العسكرية. لهذا، فإن الحرب ستكون طاحنة والمواجهات ستكون عنيفة.

الصورة شديدة التعقيد والتدخل العسكري في العراق غير مضمون النتائج، خاصة وأن «داعش» موجود في مساحة كبيرة بين سوريا والعراق، تعادل مساحة بريطانيا. وإذا كان هناك اتفاق بين الكبار على التدخل في العراق، فليس هناك اتفاق إلى حدود الآن على التدخل في سوريا، حيث لا تريد أمريكا وبريطانيا والسعودية إنقاذ بشار الأسد تحت يافطة محاربة داعش …هل رأيتم، الآن، أن بنكيران محظوظ لأنه توجه إلى تونس، حيث الحديث عن الاستقرار والاستثمار والديمقراطية،  في حين أن مزوار تعيس، حيث وجد نفسه في القاهرة يتحدث لغة داعشية وحربية وطائفية.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ledocteur منذ 7 سنوات

الحرب على داعش مفيدة جدا للخبرة العسكرية المغربية، من الناحية السياسية الله أعلم.

سعيد منذ 7 سنوات

صحيح

سليمان منذ 7 سنوات

اقتراح لادارة الجريدة: كقارئ مواظب على قراءة جريدتكم المحترمه اقترح عليكم اضافة امكانية تنقيط التعاليق بالسلب او ايجاب و ذلك لمزيد من التفاعل مع القراء و شكرا لكم

سليمان منذ 7 سنوات

اخوك مكره لا بطل إذا اقحم الجيش المغربي في المستنقع الداعشي فذلك راجع الى الاعانات التي يتحصل عليها بين الفينة و الاخرى من دول الخليج و كذلك لان له جار جزائري يعاكسه وحدته الترابية. المغرب مضطر لمساندة دول الخليج و مهادنة امريكا و الدول الغربية التي تبتزه في وحدته الترابية من مدخل " ضرورة احترام حقوق الانسان في المناطق الجنوبية". ان المغرب شبه فاقد لسيادته و موقفه ضعيف جعله ينساق لحروب بالنيابة (التنسيق الامني مع امريكا - التحقيقات مع معتقلي غوانتانامو - حرب الخليج الاولى - التنسيق الامني مع اسبانيا - قبول اتفاقيات مذلة و مجحفة كاتفاقيات الصيد البحري بشروط تنقص السيادة المغربية على اقاليمه الجنوبية و بتعويض جد هزيل - بالاضافة الى لعب دور الدركي لاوروبا لحمايتها من الهجرة السرية ...)

محمد منذ 7 سنوات

التنظيم صناعة أنظمة أرادت تغيير مسار الثورات العربية، وإعلان وفاتها بظهور هذا الأخير، خصوصا أنها كانت قد قطعت أشواطا كبيرة في مسارها التحرري من الفساد والاستبداد، فكان التنظيم بمثابة شهادة وفاة لها باعتباره شماعة الأنظمة الفاسدة لتبرير مجازرها وحربها "ضد" الإرهاب الذي أصبح اليوم يهدد حتى المملكة المتحدة..!! أدعو جيشنا المغربي إلى الابتعاد عن هذه الحرب قدر المستطاع.

محمد النجاري منذ 7 سنوات

أكبر خطأ يمكن أن يقحم الجيش المغربي فيه نفسه وهو المعروف بسياسة النأي عن النفس في مثل هذه المواقف التي يلفها الغموض والضبابية، هو أن يقبل دعوة الولايات المتحدة الحالية لمجموعة من الدول العربية وغير العربية ويقبل المشاركة في الحرب الدولية كما سمتها أمريكا ضد تنظيم "الدولة الإسلامية". حرب لا ناقة له فيها ولا جمل في الأصل، بل قد يتحول البلد الأكثر استقرارا افريقيا وعربيا بتلك المشاركة إلى بلد لا فرق بينه وبين الشيشان من الناحية الأمنية، والتي هدد التنظيم مؤخرا بدخولها و"فتحها"!! وأي مستنقع ذلك الذي يجمع بين متناقضتي التطرف الجمعي والتخابر السياسي، وبين محاربة الإرهاب وصناعته في نفس الوقت! إن الملاحظ البسيط لطريقة تشكل هذا التنظيم في الشمال العراقي والسوري، وطريقة تحركه وسرعة انتشاره بكل تلك القوة والعتاد والتمويل، سيفهم على أقل تقدير أن هنالك شيئا ما غير طبيعي في هذه الدعوة الأمريكية، ويطرح إشكال القدرة الأمريكية والبريطانية وحدهما على مواجهته، ولماذا يريدان الزج بكل الدول العربية في هذه الحرب على ضعفها؟

محمد منذ 7 سنوات

المغرب لا علاقة له بداعش لبعده كل البعد عن مناطق صراعاتها،وليس له اية مصلحة في الدخول في مغامرة لن تكن سهلة ونتائجها لا يعلمها الا الله .

Mosta-pha منذ 7 سنوات

أمريكا تريد جر العرب لحرب قد تستنزفهم و تتطور في المستقبل القريب إلى حرب سنية شيعية خاصة في العراق حيث كل الضروف موجودة لمثل هده الحرب نتمنى ان يبقى المغرب بعيد عن هده الاحداث

التالي