تحت شعار: «سوا اليوم سوا عدا الديمقراطية ولا بد»، خرج عشرات المناضلين الحقوقيين إلى شارع محمد الخامس بالرباط للتظاهر والاحتجاج على غياب «الديمقراطية» في المملكة الشريفة في عيدها العالمي. خرجت هذه الأصوات للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ورفع اليد عن حرية التعبير والرأي والنشر وتأسيس الجمعيات، ولرفض تحرش السلطة بالحقوق والحريات، بعد أن أقفل قوس الربيع العربي، وامتلك وزير الداخلية الجرأة للصعود إلى منصة البرلمان واتهام الجمعيات الحقوقية بالعمالة للخارج والتآمر على المصلحة العليا للبلاد…
الديمقراطية، التي أصبح لها عيد كوني (15 شتنبر)، هي أفضل نظام سياسي اخترعه البشر لإدارة السلطة والمال والجاه بالتي هي أحسن في المجتمع والدولة الحديثين. والديمقراطية لا تلغي الصراع حول هذا الثلاثي، لكنها تنظمه وتهذبه وتنزع العنف منه، وتعطي الأطراف جميعها وسائل جديدة لخوض الصراع غير السيوف والخناجر والمسدسات والأحزمة الناسفة. الديمقراطية حولت القبيلة والعشيرة إلى حزب أو نقابة أو جمعية، والديمقراطية حولت الدين والمذهب والمعتقد إلى رأي وفكر وإيديولوجيا قابلة للنقاش والحوار والأخذ والرد، والديمقراطية حولت السياسة من شأن خاص بالحاكم وأسرته وبطانته إلى شأن عام يهم كل المواطنين، والديمقراطية جعلت السباق نحو السلطة لا يجري إلا على ظهر صندوق الاقتراع بلا حصان ولا دبابة ولا صاروخ…
الديمقراطية امرأة متواضعة لا تقول إنها قمة الكمال وبدر البدور، بل تعرف نفسها على أنها أحسن نظام من بين كل الأنظمة السيئة الموجودة على الأرض إلى حد الآن، لهذا تقبل هذه السيدة المتواضعة من ينتقدها ومن يطالب بتطويرها، بل إنها تقبل دخول بيتها حتى من قبل من يكفر بها.. إنها تصبر على الصديق والعدو معا، وبالها طويل، وثقتها في نفسها كبيرة، وهذا ما يميزها عن الديكتاتورية التي لا تقبل في خيمتها غير الديكتاتوريين….
منذ عشرينيات القرن الماضي والحركة الإصلاحية ثم الوطنية ثم الديمقراطية تبحث عن الوصفة الناجعة للوصول إلى الديمقراطية كمشروع دولة ومجتمع يقود نحو حل مشكلة من يحكم وكيف يحكم، والتفرغ للبناء والتقدم والازدهار، وإلى اليوم لم نعثر على هذه الوصفة…
نظام الاستعمار حارب مطالب الإصلاح الديمقراطي، ونظام الاستقلال التف على مطالب الإصلاح الديمقراطي، وإلى اليوم مازلنا ندور في حلقة مفرغة أو تكاد.
هناك أحزاب كثيرة وتعددية قليلة، وهناك دستور لا يحترمه الجميع، وهناك مؤسسات تشبه المؤسسات، وبرلمان يشبه البرلمان، وصحافة تشبه الصحافة، لكن العمق السلطوي مازال عصيا على التحول الجذري والكامل. البعض يقول إن معركة التحول الديمقراطي طويلة وشاقة، وهذا صحيح، لكن يجب التأكد فقط من معلومة صغيرة؛ هل نحن على الطريق الصحيح نحو الديمقراطية؟ فحتى إن كانت سرعتنا سرعة سلحفاة سنصل يوما إذا كنا على طريق سيار، المشكل يطرح إذا كنا نسير على الطريق غير الصحيح نحو الوجهة الديمقراطية…
البعض يقول إن السؤال الديمقراطي لا يطرح فقط على الدولة والأحزاب والنخب، ولكن يطرح أيضاً على المجتمع والأسرة والفرد، وهذا أيضاً صحيح، لكن المسؤوليات متفاوتة، والنخب لا تكون نخبا إذا كانت تتبع المجتمع ولا تقوده، ثم ماذا تطلبون من الناس أكثر من الخروج بين الحين والآخر إلى الشارع لرفع أصواتهم للمطالبة بالديمقراطية، وعندما يجري تزوير الانتخابات فالناس تلقائيا يقاطعونها…
إلى الآن مازلنا نتفاوض على نزاهة الانتخابات.. إلى الآن مازلنا ندبر إشكالية الواجهة الديمقراطية والعمق السلطوي.. إلى الآن ما زلنا في لعبة الهامش الديمقراطي الذي يتسع ويضيق حسب الأحوال. مرة كتب الصحافي الكبير -رحمه الله- عبد الجبار السحيمي جملة مازلت أذكرها.. قال: «في المغرب نسكن بيتا ديمقراطيا، لكننا لا نأمن أن نطرد منه في أية لحظة».