أجـانـب وقـعـوا فــي غـرام طـنـجـة

19 سبتمبر 2014 - 07:43

شيء ما في طنجة يأسر الأجانب ويدفعهم للوقوع في غرامها. دوما كانت قبلة للمشاهير الذين يجدون فيها بُغيتهم. آخرهم المغني الفرنسي الشهير كريستوف، الذي قال أول أمس إنه اختار طنجة ليقيم بها بدل صخب باريس. فما قصة عاصمة البوغاز مع الأجانب؟

أجانب كثر يعيشون في مدينة طنجة، أغلبهم من الإسبان. منهم من حل مبكرا بالمدينة بداية التسعينات أو قبلها، ومنهم من كانت ظروف عمله سببا في مجيئه إلى عاصمة البوغاز، وحتى بعد أن أنهى عمله وأحيل على التقاعد فضل البقاء بها في انتظار الموت.

 كثيرون هم الأجانب الذين حلوا بطنجة من أجل الاستثمار، بعد أن تحولت إلى قبلة للمستثمرين بسبب مشاريعها الكبرى، وعلى رأسها الميناء المتوسطي. وفيها كذلك أجانب عرب من أصول يهودية، كما هو شأن أحد التجار التقت به «أخبار اليوم»، والذي قال بكل ثقة إنه يعيش لأزيد من 20 سنة في طنجة، ولن يرحل عنها، وأنه اختار أن يدفن فيها.

سحر المدينة ومناظرها الجملية، فضلا عن موقعها الاستراتيجي المطل على الواجهتين الأطلسية والمتوسطية، شد الكثير من الأجانب فاستطابوا المقام بها. ويشكل الإسبان الأغلبية الساحقة منهم، خاصة أن المدينة لا تبعد عن الجنوب الإسباني سوى 14 كلم و30 دقيقة على متن الباخرة السريعة.

وكان أحد الأجانب الإسبان قد علق على قرب المدينة من أوربا قائلا: «يمكن لأي أحد أن يعمل في طنجة ويكون مقر سكناه بمدينة طريفة أو الجزيرة الخضراء، يغادر صباحا مدينته ثم يعود إليها مساء، أين هي المشكلة ما دامت المسافة تقدر بـ30 دقيقة؟».

«اليوم24» التقت بأجانب يعيشون، حاليا، في طنجة، منهم من حسم أمره وقرر عدم العودة إلى بلده، ومنهم من ينتظر انتهاء عمله، وربما يعود إلى بلده أو لا يعود.

أعيش في بلدي

في مطعم «كسا دي إسبانيا»، الذي يقع بقلب مدينة طنجة، اعتاد رامون، وهو مواطن إسباني يبلغ من العمر 54 سنة، أن يجلس كل مساء لتناول وجبة العشاء، قبل أن يعود إلى بيته قبل منتصف الليل.

يعيش راموان بطنجة منذ ما يزيد عن 20 سنة، إلى درجة أنه بدأ يتعلم شيئا فشيئا اللهجة الشمالية من مرافقه الذي يقول عنه «رامون» إنه يلازمه منذ أزيد من 10 سنوات.

 لماذا اخترت العيش في طنجة؟ تسأل «اليوم24» الإسباني رامون فيجيب: «أنا أعيش في بلدي». بدا الجواب للوهلة الأولى غريبا، لكنه ما لبث أن استطرد قائلا: «أنا أتحدر من مدينة اشبيلية بإقليم الأندلس، الجو هناك لا يختلف عن مدينة طنجة.. حركة الناس أيضا وتفكيرهم. كل شيء بدا شبيها –هنا- في طنجة بإقليم الأندلس، حتى حالة الطقس، عندما يكون الجو باردا –هنا- أتصل بأصدقائي يؤكدون لي أن الأجواء أيضا باردة هناك». ويعمل رامون منسقا بين بعض الشركات الإسبانية بالمنطقة الصناعية، إذ يقول: «عملي متعب يبدأ عند الساعة السابعة صباحا، ولا ينتهي إلا بعد الخامسة».

 مباشرة بعد انتهائه من العمل، يتجه الإسباني مباشرة إلى «كسا دي إسبانيا»، شأنه في ذلك شأن عدد غير قليل من الإسبان، وحتى المغاربة، الذين يترددون على هذا المطعم بعد السابعة مساء.

 يقول رامون إن مدينة طنجة تمثل بالنسبة إليه البلد الثاني بعد إسبانيا، «قبل أن أعمل هنا، كنت أزورها –تقريبا- كل نهاية أسبوع.. لدي أصدقاء كثر في طنجة، أرتاح لهم حين نتجاذب أطراف الحديث على غرار مدينتي اشبيلية، التي اشتقت إليها أيضا»، يضيف المواطن الإسباني.

أحس فعلا أنني في ليون

أمام إحدى مدارس البعثات الفرنسية، كانت «كلارا بيشو» تنتظر ابنتها. عقارب الساعة كانت تشير إلى الخامسة والنصف، أبناء الجالية الفرنسية يتجمعون في تلك اللحظة وينتظرون خروج أبنائهم من المدرسة.

اقتربت « اليوم24» من «كلارا» لتسألها عن الأسباب التي جعلتها تختار مدينة طنجة من أجل العيش وتدريس أبنائها في مدراس البعثة الفرنسية.

بدت السيدة مترددة في الحديث، وربما سيطر عليها الخوف! سألتنا «كلارا» عما نريد بالضبط؟ أجبناها: «نريد معرفة سبب اختيارك مدينة طنجة للعيش فيها؟ تبسمت ضاحكة من هذا السؤال، قبل أن تبدأ بالحديث وعينها على أبواب المدرسة.

«منذ 6 سنوات، وأنا أعيش في طنجة رفقة زوجي وأبنائي، لم أختر مدينة طنجة طواعية، لكن عمل زوجي –هنا- في الميناء المتوسطي هو الذي فرض علينا المجيء إلى هذه المدينة»، تقول «كلارا». كيف وجدت طنجة؟ تسأل «أخبار اليوم»، فتجيب: «مدينة جميلة وأجمل ما فيها هو مناظرها الخلابة، وهي مدينة قريبة من أوربا، في بعض الأحيان نحس     -فعلا- أننا لم نغادر ليون». 

تتحدر أسرة «كلارا» من مدينة ليون الفرنسية، التي تقع جنوب شرق فرنسا، وتعتبر واحدة من أكبر المدن الفرنسية بعد باريس وماريسليا.

عند نهاية الموسم الدراسي، تغادر محدثتنا وأسرتها مدينة طنجة إلى مدينتها ليون، حيث تحولت الأخيرة إلى مكان لقضاء العطلة، بينما تحولت طنجة إلى مدينة العيش والاستقرار.

 وللمقاولين نصيب

تحولت مدينة طنجة إلى واحدة من المدن الكبرى التي تستقطب المستثمرين والمقاولين والسياح على حد سواء. «ألفونسو بريرا» واحد من المقاولين الإسبان الذين يعيشون بمدينة طنجة منذ أزيد من 8 سنوات.

كان ألفونسو من المغادرين الأوائل لإسبانيا نحو مدينة طنجة، قبل أن تسوء أحوالها جراء الأزمة الإقتصادية. «كان الخبراء يحذرون المسؤولين الإسبان بأنهم يوشكون على الوقوع في أزمة مالية واقتصادية حقيقية»، يحدثنا «ألفونسو»، وهو جالس على «كونطوار» بفندق المنزه الشهير وسط المدينة.

كيف جاءت فكرة الاستقرار بطنجة ونقل مشاريعك إليها؟ نسأل فيجيب: «كانت تربطني اتصالات بمقاولين إسبان سبقوني إلى هنا، وهم من شجعوني على الانتقال والعيش بطنجة. وفعلا، كانت فكرتهم رائعة، فرغم قلة مشاريع البناء التي نتحمل مسؤوليتها، فإن الجو العام داخل المدينة يبعث على الراحة والاطمئنان، ومن يقضي وقتا طويلا –هنا- يصعب عليه بعد ذلك التفكير في مغادرة المدينة».

 دخل «ألفونسو» كشريك في إحدى المشاريع الكبرى التي تقام بمدينة طنجة، قبل سنتين، وفق ما أكده لـ «أخبار اليوم»، إذ توشك –حاليا- هذه المشاريع على الانتهاء.

لم يشأ المقاول الإسباني أن ترافقه أسرته إلى طنجة، فهو يتحدر من منطقة «غاليسيا»، الواقعة في شمال غرب إسبانيا، لكنه يزورهم عن نهاية كل شهر، أو متى سنحت له ظروف العمل بزيارة أسرته في إسبانيا.

في نفس الحانة التابعة للفندق كان يوجد عدد من المستثمرين الإسبان، ويبدو أنهم حلوا بطنجة مؤخرا للبحث عن فرص الاستثمار بعاصمة البوغاز. هذا الأمر أكده المقاول الإسباني، الذي أَضاف بأن مدينة طنجة تستقبل كل 15 يوما تقريبا رجال أعمال ومستثمرين، وعلق على هذا الأمر قائلا: «ماذا بإمكانهم أن يفعلوا هناك، فالأزمة الاقتصادية أنهكت إسبانيا والناس لا يمكن أن يقفوا مكتوفي الأيادي، فهم يبحثون عن مصلحتهم ولو كان ذلك خارج البلاد».

سأدفن هنا بطنجة

بوسط مدينة طنجة، يوجد محل تجاري متخصص في بيع المواد البلاستيكية ذات الجودة العالية. هذا المحل يملكه تونسي من أصول يهودية يعيش هو وزوجته بالمدينة لمدة تزيد عن 20 سنة.

أصبح هذا التونسي، الذي يبدو مظهره وكأنه واحد من المواطنين الفرنسيين، حتى صار يلقب بين الناس بالنصراني، واحد من بين سكان وسط مدينة طنجة المعروفين لدى الدكاكين والمقاهي والمطاعم أينما حل وارتحل.

« اليوم24» زارته في محله، وحاولت معرفة قصته مع مدينة طنجة، وكيف حل بها، خاصة وأنه واحد من أوائل الأجانب الذين حلوا بعاصمة البوغاز.

«عندما فتحت هذا المحل كانت مدينة طنجة على غير حالها الآن. كانت مدينة هادئة يتعايش فيها الجميع؛ أما الآن فاختلطت الأمور، ولم تعد المدينة الذي كنا نعرفها في السابق»، يقول التاجر التونسي الذي كان ينتظر زوجته لاصطحابها إلى إحدى المطاعم قصد تناول وجبة العشاء، إذ حان الوقت لإغلاق المحل.

رفض التونسي الحديث عن جنسيته الأصلية، لكنه صار، كما يقول، واحدا من أبناء طنجة، ولا يعترف بأي انتماء آخر إلا انتماءه إلى هذه المدينة. «عشت فيها مدة طويلة، واجهتها البحرية، سواء الأطلسية أو المتوسطية، تعطي طعما ومذاقا غريبا لهذه المدينة». ألا تفكر في مغادرتها يوما ما؟ يرد التونسي: «لا أظن ذلك.. عمري تجاوز 75 سنة، أعتقد أنني سأدفن هنا».

لم يكد ينتهي حديثنا مع التونسي حتى جاءت زوجته التي تدعى «سمرا»، أخبرها بأنني صحفي يريد أن يعرف كيف اختار الأجانب العيش في طنجة، علقت على كلام زوجها قائلة: «من قال إننا أجانب. نحن أبناء هذه المدينة، هل تقول العكس؟». أطفأ أحدهم أضواء المحل، فقد انتهى الكلام.

في الإقامات السكنية المجاورة لهذا المحل التجاري، وبالضبط بوسط المدينة، يقطن عدد غير قليل من الإسبان والفرنسيين، أغلبهم متقاعدون عن العمل، هؤلاء يلازمون بيتهم بشكل كبير، ولا تراهم إلا عند أبواب العمارات يشمون رائحة الهواء ثم يعودون إلى بيوتهم.

هؤلاء اختاروا العيش بمدينة طنجة قبل سنوات عديدة ثم تقاعدوا عن العمل، ولم يعودوا إلى بلدانهم، ويبدو أن سحر هذه المدينة أقعدهم مثلهم مثل التونسي الذي قال إنه سيدفن هنا.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.