هل ثمة علاقة بين الدّسترة والتحول الديمقراطي؟ وهل بناء دساتير جديدة موسومة بالوضوح والحِبكة في الصياغة، والتوافق حول الفلسفة الناظِمة للأحكام والمقتضيات الدستورية، كافيان للانتقال من وضع سلطوي إلى حالة ديمقراطية قابلة للاستقرار والتوطّن في الممارسة، أي في الثقافة السياسية؟ إنها أسئلة من أخرى كثيرة حول الإمكانيات التي تفتحها السيرورات الدستورية بالنسبة للمجتمعات التي تكبدت عناء السلطوية والشمولية، وتتوق إلى بث روح الدّمقرطة في مؤسساتها ونسيجها المجتمعي، كما هو حال البلاد العربية، التي غرّدت خارج سرب انتقالات الربع الأخير من القرن العشرين، ودشّنت العُشرية الثانية من الألفية الجديدة بحراك اجتماعي وسياسي عام، وضع الدّسترة على رأس أولويات التغيير ومداخله.
تُسعفنا التجارب التاريخية المقارنة في الجواب بإيجاب عن التساؤلات أعلاه، إذ ثمة علاقة تلازمية بين التوافق حول الدساتير والتحول التدريجي نحو الديمقراطية. حدث هذا في أقدم النماذج الدستورية المستقرة، وأكثرها حيوية وتجديدا ونجاحاً. فدستور الولايات المتحدة الأمريكية لعام 1787 تمّ التوافق عليه بعد شهور من النقاش والحوار، ولعب الآباء المؤسسون أدواراً مركزية في صياغة متنه. والأمر نفسه نلاحظه في التجربة الفرنسية التي استمر صناعُها قرابة قرن [1789-1875] متنازعين من أجل إقرار فلسفة النظام الجمهوري. ولم تشذ تجارب عديدة عن هذا المنحى، من قبيل سويسرا، وبلجيكا، وملكيات الدول الاسكندينافية. ومن الحالات الحديثة، يمكن ذكر دساتير كل من إسبانيا لما بعد فرانكو[1978]، والبرتغال ما بعد حكم سالازار، وجنوب إفريقيا والقائمة طويلة في كثير من جهات العالم.
تُعلمنا التجارب الناجحة المشار إليها أن ثمة مصفوفة من المتغيرات يجب توفرها لجعل الدّسترة رافعة للدّمقرطة ومعززة لها، لعل أهمها التالي: تستلزم الدّسترة الناجعة المُفضية إلى الدمقرطة توفر دائرة واسعة من الحوار والتفاوض حول الفلسفة الدستورية المُراد تضمينها في وثيقة الدستور، وهو ما يعني حصول تعبئة شاملة وحقيقية حول عملية بناء الدستور، حيث يُشارك الجميع بشكل مباشر أو غير مباشر، بوعي ومسؤولية، في صياغة مضمون هذه الفلسفة، التي ليست شيئاً آخر سوى قواعد اللعبة الجديدة التي ستحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع. وقد دلّتنا التجارب المشار إليها على أن توفير وقت كاف لتوسيع الاستشارات والمفاوضات وإنضاجها، من الأهمية بمكان لإنجاح التوافق حول الفلسفة الدستورية الجديدة، وأن أي تقصير في هذا الجانب سيعرض سيرورة الدسترة لعِلل وأعطاب تُرهن الدسترة في علاقتها بالتحول الديمقراطي مستقبلاً. أما المتغير المهم الثاني، فيتعلق بالنخبة القائدة لعملية الدسترة، والمسؤولة عن رعايتها وحمايتها في الممارسة. فكلما توفرت شروط النزاهة، والكفاءة، والاقتدار في النخبة، التي يجب أن تكون قُدوة، ارتفع منسوب تأثير الدسترة إيجابيا في عملية التحول الديمقراطي.. والعكس صحيح، كلما كانت النخبة فاسدة، أو غير مقتدرة وغير مسؤولة، تعذر تأثير الدسترة في الانتقال إلى الديمقراطية.
كيف تُساعدنا التحديدات أعلاه على فهم اتجاه الدسترة التي تمّت، أو التي هي في طور الاكتمال، في البلاد العربية؟. وهل يمكن الرهان على ما سمي «دستورانية الربيع العربي» للتفاؤل بإمكانية حصول تحول ديمقراطي في هذا الفضاء، الذي ظلت نظمه، وإن بدرجات متفاوتة، أكثر النماذج استهتاراً بفكرة الدستور، وأشطرها تلاعباً واغتصاباً لأحكامه؟
لا تبدو الصورة واضحة بالنسبة لآفاق التحول الديمقراطي بواسطة الدساتير الجديدة، لأسباب موضوعية وذاتية في الآن معا. فمن جهة، لم يكن منسوب الحوار الواسع والجدي متوفرا في نماذج الدساتير التي وُضعت في مجمل البلاد العربية، إذ باستثناء الحالة التونسية، وإلى حد قريب الحالة المغربية، تمت صياغة الدساتير الجديدة أو تعديل الموجود منها، بشكل متسرع، وبمشاركة محدودة، كما هو حال كل من مصر والأردن وسوريا. ولا تبدو الرؤية واضحة في كل من اليمن وليبيا والجزائر. ومن جهة ثانية، ولأن الحوار كان ضعيفاً أو محدوداً، فقد ظل التوافق حول الفلسفة الدستورية الجديدة، أي قواعد اللعبة، معلقاً وغير منجز. لذلك، هناك تخوفات حقيقية من أن تتخلف البلاد العربية عن جعل السيرورات الدستورية الجديدة رافعة لتحولها نحو الديمقراطية، التي شكلت جوهر حراكها الاجتماعي والسياسي، وأساس شرعية خطابها الجديد عن التحرر والتغيير.