في الحلقة السابعة من اعترافات فاليري تيرويلر، رفيقة هولاند السابقة، حديث عن قرارها الكتابة عن تجربتها، ورفض الرئيس ذلك، بالتزامن مع ساعات الحسم الأخيرة، التي قررت فيها أخذ زمام المبادرة، وإبعاده نهائيا عن حياتها .
في احتفالات أعياد الميلاد كنت أطلب الحصول على كتب، فلا توجد هدية أجمل بالنسبة لي، بهذه المناسبة، من كتاب. فأنا لم أكن مجبرة على إعادة هذه الكتب إلى المكتبة، بل إنها ستصير ملكي. فيما بعد، أصبح من حقي السهر ليلة الجمعة من أجل مشاهدة «الإله» بيفو (صاحب البرامج الثقافية الشهير).
تعرفت على هذا «الأستاذ» عندما أصبحت في الإليزيه. وكان قد نشر عدة تغريدات يتخيل فيها، بنوع من السخرية، مجموعة من السيناريوهات في حالة ما إذا فاز كتابه بجائزة «الغونكور». كان ذلك محض خيال، لأنه كان عضوا في لجنة التحكيم، لكنني سجلت من بين هذه السيناريوهات، ذلك الذي يقول: إذا حصلت على الجائزة، سيكون فرنسوا هولاند وفاليري تيرويلر مجبرين على دعوتي إلى تناول الغداء معهما وشرب زجاجة نبيذ من النوع الفاخر.
أرسلت إليه على الفور رسالة أقول له فيها: «حتى ولو لم تفز بجائزة «الغونكور»، فإنني أدعوك إلى تناول الغداء». تم تحديد الموعد، وفوجئ بتنظيم الغداء داخل المكتبة الشهيرة، تلك القاعة التي شهدت لفترة طويلة التقاط الصور الرسمية للرؤساء، هناك حيث كان فرنسوا ميتران يقضي وقته في المطالعة على مقعد أمام المدخنة، وحيث كنت أتناول طعام العشاء في أغلب الأحيان مع فرنسوا.
«بيفو» في حقيقته لا يختلف عما تخيلته: شخص مثير ومثقف ولطيف. لم يسبق له، قط، أن أشار أو تحدث أو نشر شيئا عن حفل الغداء غير الرسمي هذا. وأنا إذ أكشف عن ذلك في هذا الكتاب، أعتذر له مسبقا إن كان هو يريد أن يبقى الأمر سرا. أثناء العمل في القسم الثقافي، كنت أتلقى أسبوعيا العشرات من الكتب. وفي كل مرة، كان الشعور نفسه ينتابني وأنا أفتح أظرفة الناشرين الكبيرة، وأكتشف الكتاب الذي يختبئ داخلها. كانت الكتب كثيرة إلى درجة فقدت معها غريزة التملك. كنت أعطي سجن النساء «فلوري ميروجيس» 95 في المائة من الكتب التي تصلني.
إن كتابة زاويتي الأدبية في «باري ماتش» كل أسبوع تقريبا حول الكتب كان يشعرني بسعادة حقيقية، وزاد الأمر عندما أصبحت في الإليزيه. كان الأمر بمثابة انتصار على كل الذين كانوا يرفضون حقي في العمل، وبمثابة انتصار على نفسي أيضا. لو لم أكن مجبرة على القراءة من أجل المجلة، لكانت قد جرفتني، دون شك، دوامة من مواعيد الأسفار والحفلات الرسمية من دون أن أجد الوقت الكافي لفتح كتاب واحد.. إنه موقف محزن.
تشغيل جهاز الكومبيوتر الخاص بي، والجلوس أمام صفحة بيضاء، وحيدة مع نفسي، وقطع كل صلة مع العالم، والتركيز.. هذا هو الذي ساعدني على اجتياز الكثير من المحن وعلى تجاوزها، لكن ذلك لم يكن كافيا لاجتياز المحنة التي أتخبط فيها الآن.
في يوم الخميس المظلم جدا، الذي تركني فيه فرنسوا، لم أكن قادرة على التركيز على أكثر من سطرين في كتاب، فقد كنت أقف عاجزة وأنا أرى علاقتنا تنهار. طمأنني الرئيس أنه لا داعي للقلق، وأنني بالتأكيد سأتلقى ما يكفي من عروض العمل التي ستمكنني من الانطلاق من جديد في الحياة. وبعد أن تبادلنا الحديث بشأن المسائل المالية، تطرق فرنسوا إلى كل القضايا التي تشغله.
قال إنه يريدني أن أتخلى عن فكرة إصدار كتاب. هذه الفكرة التي أصبحت تفرض نفسها علي منذ بضعة أيام، وسبق أن تحدثت معه بشأنها، لكن لا شيء يجعلني أتخلى عن شيء يتعلق «بحياتي الخاصة بعده».
ألح أن نعلن انفصالنا في بيان مشترك، غير أنني رفضت، لأنني لم أكن أريد وضع حد لحياتنا المشتركة، بينما لا يوجد شيء مشترك بيننا في قرار الانفصال. فهو الذي فرض علي الانفصال. كانت النبرة هادئة وباردة. وكان كل شيء حزينا.
قبل أن يرحل، طلبت منه أن يعيد لي مفتاح الشقة: «أنت طردتني من حياتك، فلا مكان لك إذن هنا. أريد المفتاح، وأريد أن أكون حرة في استقبال من شئت ومتى شئت في شقتي».
أعرف أنه لا يحب هذه العبارة. كان يخونني منذ سنة، لكنه لا يتحمل فكرة أن أعيش حياتي. هكذا هو هذا الصنف من الرجال. حاول أن يقاوم. قال لي: «سأبعث لك المفتاح». أجبته: «لا.. أريد استعادته حالا».
اتصل بالضابط المسؤول عن الأمن الذي كان يحتفظ بالمفتاح، ثم ذهب للقائه في الممر قبل أن يعود. كان فرنسوا يحتاج إلى المفتاح من أجل النزول إلى الطابق الأرضي حيث توجد سيارته، لأنه من المستحيل على أي كان الوصول إلى موقف السيارات دون أن يدير المفتاح في المصعد، لذلك قررت أن أرافقهما حتى أتمكن من استعادة المفتاح بنفسي.
نزلنا ستة طوابق، فرنسوا وأنا رفقة الشرطي الذي سبق وأن باغته المصورون يحمل كيس «الكرواسون» إلى زنقة دو سيرك. نظرت إليه مباشرة في عينيه، وسألته: واليوم، ألم تحمل معك «الكرواسون»؟ أهكذا تتصور عملك بصفتك شرطيا؟ مضيفة: لا أفهم كيف أنك مازلت هنا؟ نظر الشرطي إلى الأسفل في اتجاه حذائه دون أن يجيب. ولم ينطق فرنسوا بأية كلمة.
عدت فورا إلى «لانتيرن». كان مقررا أن أبقى في فرساي إلى يوم السبت، ليلة سفري إلى الهند. فقد كان من المقرر منذ عدة أشهر أن أقوم بهذا السفر مع «حركة ضد الجوع». وافقت على تقليص جزء من برنامج السفر الذي كان من شأنه أن يقودنا إلى madhya pradesh (أكبر ولاية في الهند) التي تبعد بعدة ساعات من السفر بالسيارة عن المطار على طرق وعرة وخطيرة، لأنني لم أكن متأكدة من قدرتي الجسدية على القيام بذلك.
قام الجميع، قبل عدة أيام من السفر، بمحاولات لكي يجعلوني أتخلى عن هذا السفر. وكان الرئيس على رأس هؤلاء، لم يكن السبب هو وضعي الصحي الذي لا يهمه كثيرا. ففي ذهنه، لم يعد هناك وجود للسيدة الأولى، هذا إن كان لها وجود منذ البدء.. ما كان يهمه هو صمتي. بقيت لي ثلاثة أيام للاستراحة في «لانتيرن». كنت أخشى قضاء الليلة الأخيرة، ليلة الجمعة، وحيدة مع حزني. اقترحت على أصدقائي المقربين تناول العشاء معي كأنما أريد أن أؤكد لنفسي أن الحياة ستستمر. حضروا كلهم وشملوني بحرارة صداقتهم. قضينا ليلة دافئة ومريحة، وطلبت من الطبيب الترخيص لي بعدم تناول الدواء حتى يمكنني أن أشرب بضعة كؤوس من النبيذ، لكن الليلة كانت قصيرة.
كان علي أن ألتقي فرنسوا نهاية زوال يوم السبت من أجل صياغة البيان. بقي ثلاثة من أصدقائي في الشقة نائمين، أما أنا فبدأت في تفريغ حاجياتي وجمع ملابسي الصيفية التي تركتها في «لانتيرن» وكتبي وبعض الأشياء الشخصية. قدم لي الأصدقاء يد المساعدة في كل ذلك. وبعد تناول وجبة، دقت ساعة الرحيل.
ذهبت لتوديع جوسيان وإيريك، حارسي إقامة لانتيرن. قلت لهما: هذه هي المرة الأخيرة التي سنرى فيها بعضنا البعض.
كانا يعتقدان أنني أمزح، وبصوت مسحوق أجبتهما: سننفصل، الرئيس وأنا، وسيتم إعلان ذلك هذا المساء.
بدورهما عبرا لي عن تعاطفهما، وأخذاني بين ذراعيهما، وشملاني بكلمات مشجعة ومطمئنة. بكينا جميعا. وأبدا لن أنسى هذه اللحظة.. أبدا. ولن أنسى أيضا لحظة وداعي للطباخين اللذين كانا موجودين في ذلك اليوم. بكيا هما كذلك. اعتذرت لهما:
«سامحوني لم أتمكن من تحمل كل ذلك». كنت أريد الرحيل كما ينبغي وبجدارة، ولكن مظاهر المحبة كان لها تأثير كبير وعميق. وكان علي أن أحافظ على قواي من أجل مواجهة ما ينتظرني.