الإضراب العام الذي دعت إليه النقابات التابعة لأحزاب المعارضة، وإن كان محدودا ولم يشل الحياة العامة ومرافقها كما كان يحصل في الثمانينات والتسعينات، فإنه رفع حرارة الدخول الاجتماعي لهذه السنة، وعبر المشاركون فيه عن رأيهم، ولو أنهم لم يتجاوزوا 15 في المائة، وهذه نسبة معقولة بالنظر إلى أن الجهات الداعية إلى الإضراب سياسية أكثر منها نقابية، وبالنظر إلى أن موظفي القطاع العام صاروا يخشون على رواتبهم من الاقتطاع (ربط الأجر بالعمل)، لهذا على الحكومة أن تستمع إلى صوت من أضربوا، لا صوت من لم يضربوا. وإذا صدقنا فقط تقديرات الناطق الرسمي باسم الحكومة، الذي قال إن التجاوب مع الإضراب كان محدودا ولم يتعد 14 في المائة، فهذا رقم كبير، وهو يعني أن حوالي 120 ألف موظف في القطاع العام أضربوا عن العمل (مجموع موظفي القطاع العام حوالي 900 ألف)، ولو انضمت النقابات الأخرى إلى الدعوة إلى الإضراب لكان العدد أكبر، وهذا ما يجب أن تلتقطه الحكومة ورئيسها من هذا الحدث الحساس، وألا تطمئن إلى الهدوء الذي يسبق العاصفة. لقد سبق للنقابات أن دعت إلى إضرابات ومسيرات وتظاهرات بمناسبة الزيادة في أسعار المحروقات والماء والكهرباء، لكن تجاوب الشارع النقابي كان ضعيفا جداً لأن الناس تفهموا مبررات الإصلاح، وأصبحوا واعين بأن صندوق المقاصة سيقود البلاد إلى الإفلاس إن استمر في امتصاص 56 مليار درهم في السنة، وأن المستفيدين منه هم الأغنياء والفئة (أ) من الطبقة الوسطى وليس الفقراء، لكن هذه المرة الأمر مختلف. هناك مبرر لقلق الموظفين، وفي قلبهم رجال ونساء التعليم.. إنه إصلاح صندوق التقاعد، حيث تقترح الحكومة رفع سن التقاعد إلى 65 سنة تدريجيا، وعلى مدى سبع سنوات، كما تقترح الزيادة في الاقتطاعات من أجور الموظفين كل شهر، وتخفيض المعاشات (احتساب معدل الأجر في ثماني سنوات عوض خروج الموظف بآخر أجر كان يتقاضاه قبل اللحاق بالتقاعد)، أي أن جرعة الإصلاح اليوم كبيرة وقاسية، وتحتاج إلى «كوب ماء لتبلع» من قبل الموظفين والنقابات…
صناديق التقاعد مهددة بالإفلاس.. هذه حقيقة، والإصلاح الذي يساوي اليوم خمسة مليارات درهم يساوي في 2021 مبلغا مرعبا لا يقل عن 125 مليار درهم. هذا ثمن لا يوجد في جيب أحد، ولا حتى الحكومة، وهذا معناه أن المعاشات ستتوقف، وأن مئات الآلاف من المتقاعدين سيجدون أنفسهم في خريف العمر يشحذون ثمن الدواء وزيارة الطبيب، وهذا وضع غير مقبول تماماً، كما أن اختيار الحلول السهلة أمر غير مقبول من طرف الحكومة.
ما هو المشكل اليوم؟ عدد الذين يخرجون إلى كراسي التقاعد في القطاع العام أكبر من الذين يلتحقون بمكاتب العمل، لأن الدولة لم تعد المشغل رقم واحد، ولأن كتلة الأجور ترهق الميزانية (105 ملايير كل سنة، وهذه الكتلة تزداد كل سنة بأكثر من 5 مليارات درهم). إذن، صناديق التقاعد أصبحت تصرف أكثر من مدخولها، وهذا لوحده كافٍ لإدخال هذه الصناديق إلى العجز، ومن العجز إلى الانهيار، دعك من سوء التدبير والتخطيط الذي يتحمل مسؤوليته كل من مر من الحكومات السابقة (عدد من الحكومات كانت تماطل في دفع واجبها من الانخراط عن موظفيها في استهتار وتلاعب ليس لهما مثيل).
الآن نحن أمام مريض ينزف، وهو قريب من الموت، هل نحمله إلى المستشفى أولا، أم نتركه في مكانه إلى أن نحسم في من تسبب في مرضه؟ هذا هو السؤال اليوم، والباقي يجب مناقشته حول الطاولة بشفافية ومسؤولية وبوعي وطني بلا مزايدات سياسية، وهنا يبرز دور المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي اقتصر، في ما مضى من عمره القصير، على إعداد الدراسات وإصدار الكتب وتنظيم الندوات وتنشيط التفكير. اليوم، المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أمام امتحان الغاية من وجوده. على نزار بركة وأصدقائه من أعضاء المجلس، وهم من ممثلي الطيف النقابي والسياسي والاقتصادي، أن يجتهدوا لتطوير المشروع الذي أحاله عليهم رئيس الحكومة، الذي لا يرى من المنظور نفسه، والذي لا يسمع إلا صوت الإدارة ووزارة المالية والمسؤولين عن الوضع الكارثي للصناديق. على أعضاء المجلس أن يضعوا تصورا وحلولا عادلة، أولا، وبعيدة المدى، ثانيا، وناجعة، ثالثا، حتى لا يتكرر ما حدث في سنوات رصاص الحكامة السيئة، التي أوصلتنا إلى تهديد قوت ودواء وتطبيب شيوخنا وهم على حافة الغروب.. إنها جريمة لا يمكن السماح بتكرارها مستقبلا…