في الحوار التالي يتحدث الباحث محمد الناجي عن الأسباب التي تجعل الفاعل السياسي المغربي يحتمي بالملك. وعلاقة ذلك بالثقافة المخزنية ومكانة المؤسسة الملكية
لماذا يلجأ الفاعل السياسي، سواء في المعارضة أو الأغلبية، إلى الاحتماء بالملك؟
لأنهم لا يملكون أي مشروعية، ولأنهم فقدوا كل مصداقية تجاه الشعب، ولأن الملك وحده يملك مشروعا، هو مشروع الاستدامة، ولأن الفاعلين الحاليين مرتبطون بشكل كبير بالملكية بطرق متعددة. هناك عائلات قوية مرتبطة باللوبيات الاقتصادية تحتل مواقع نافذة في الإدارة، وهي حليفة للملك، وتجمعها به آفاق مشتركة. هناك الأحزاب المرتبطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، بالقصر. هناك حزب مثل العدالة والتنمية، الذي يملك قاعدة شعبية حقيقية ويحيل على الملك لتعزيز مواقعه داخل جهاز الدولة. وأخيرا، هناك هذه المسوخ، مثل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أو بدرجة أقل حزب التقدم والاشتراكية، التي لا تملك في الواقع أي منظور سوى اللجوء إلى الملك. فالزعماء، خاصة داخل هذين التنظيمين، يعلنون الولاء دائما وعلنا الملك لتعزيز موقعهم تجاه المنافسين داخل أحزابهم.
هل ترى أنها ظاهرة تقتصر على الفاعل الحزبي لوحده، أم هي ثقافة سياسية تخترق أذهان جميع الفاعلين؟
لا. لا أظن أن الأمر يتعلق بمسألة ثقافية، لكنها ببساطة مسألة مصلحة وعلاقات قوة صرف، لأن المغرب يتغير، ومجتمعنا اليوم يختلف عن مجتمع الأمس حين كان المخزن يملك دائما القول الفصل. فالأحزاب متأخرة مقارنة بالمجتمع. والفاعلون المعنيون في البرنامج التلفزيوني الأخير لم يكونوا يؤدون مسرحية رديئة الذوق، بل كانوا يترجمون علاقات حقيقية مع السلطة. ذلك أن الملك يمثل بالنسبة إليهم زورق نجاة يتعلقون به مخافة انجرافهم.
هل الأمر يتعلق بالبحث عن «رضى السلطان/الشريف»، أم بموازين قوى مختلفة لصالح مركزية المؤسسة الملكية؟
نعم، إنها علاقات قوة! فالملكية هي بالفعل المؤسسة المهيأة بشكل أفضل لإدارة أي سياسة لأنها متصلة بجميع الشركاء. وهي ليست كذلك بالنظر إلى مشروعيتها التاريخية فحسب، وإنما لأنها تملك، داخل نسيجنا الاجتماعي، القدرة الأكبر على التعبئة والصياغة والتنفيذ، ولأنها تحتل مركز حشد وتلاقي الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين. لذلك، فالأشياء تستشرف هنا من زاوية النجاعة. إذ لا يمكن أن يتم أي تفاوض جديد حول اقتسام السلطة إلا داخل سيناريو ممتد في الزمن، ومن هنا يفترض، عاجلا، أن تبقى الملكية فاعلا مركزيا في التغيير. يظهر بجلاء أن على الفاعلين السياسيين والاجتماعيين الأكثر مصداقية من أصحاب التمثيلية أن يقوموا بتغيير جاد مع انبثاق قوى منظمة تستلهم التحول الاجتماعي الجاري، لكننا بعيدون عن هذا.
أما في ما يتعلق بالأحزاب، سواء المنخرطة في الحكومة (وحزب العدالة والتنمية بدرجة أقل) أو أحزاب المعارضة، فهي خارج اللعبة، وستبقى كذلك في حالة غليان اجتماعي. جمودها السلبي الثقيل، وشيخوخة قياداتها، وقصورها في ما يتعلق بالأسس الحقيقية للديمقراطية، التي لم تعالجها حتى داخل بنياتها الخاصة، تجعل منهم شركاء يخلقون متاعب للسلطة المركزية أكثر مما يعطونها أي امتيازات.
من المفترض أن تشكل إبدالات ناجعة في التنظيم الاجتماعي وتدبير الصراعات الراهنة والمقبلة، لكنها تقدم نفسها على الخصوص مثل شاشات غير شفافة تغطي الواقع الاجتماعي بصدد التحول. فهي لا تساير تطور المجتمع، بل إنها فكت ارتباطها به، ولم تعد تقوم، في أغلب الأوقات، إلا على الزبونية وتعبئة الأعيان الذين اغتنوا في الغالب عن طريق الاحتيال، والذين ليسوا مؤهلين لإخماد الصدامات الاجتماعية. يبقى الملك، إذن، بالنسبة إليهم هو الملجأ الإجباري، والمحور الذي يتعلقون به.
هل يعني ذلك، أيضا، أن الثقافة المخزنية انتصرت مرة أخرى على مبادئ ومقاصد دستور 2011؟
نعم، لأن القوى الراهنة لا تملك مشروعا بديلا، وهي غير قوية بما يكفي من أجل اقتسام جديد للسلطة.
من المستفيد من ترويج مثل هذا الخطاب (حكومة ومعارضة الملك)؟ ومن المتضرر منه؟
من الأكيد أن هذا الأمر يعزز، على المدى القصير، مصلحة الملكية ويعزز مصداقيتها، لكن على المدى البعيد لا أعتقد أنه سيفيدها تاريخيا، لأن السلطة في حاجة إلى شركاء يثق بهم الشعب.