لا توجد إحصائيات دقيقة حول أعدادهم، لكن التقديرات تشير إلى أنهم عشرات الالاف، قدموا من عدة مدن مغربية في اتجاه بلد المليون شهيد، بحثا عن لقمة العيش. منهم الجباس والبناء والصباغ و حتى الفلاح، ينطلقون في رحلة العمل التي تستغرق سنة كاملة، غير أن رحلة العودة لا تمر دائما بسلام، فيحدث أن يفقدوا كل شيء في لحظات، وتتحول سعادتهم إلى كابوس مرعب!
من وجدة إلى مغنية
بعد انتقال العمال من جميع المدن المغربية إلى مدينة وجدة، يبدؤون رحلة البحث عن « الكرّاس » (المهرب الذي يعمل على تهريبهم إلى الجزائر)، يحدث أن يطول بهم المقام عدة أيام بمدينة الألفية، رغم توصلهم إلى اتفاق مع « الكراس »، بسبب تشديد الإجراءات الأمنية على الحدود، لكن سحابة الصيف هذه سرعان ما تمر، ويلتحقون تباعا بأرض المليون شهيد!
« الكراس » وفق ما كشفه عمال عاشوا تجربة العمل بشكل سري في الجزائر، بالضرورة يتفق مع شريك له في الطرف الأخر من الحدود، « عندما ندفع للمهرب المغربي، فإننا ندفع له الأجرة عن المسار الكامل من وجدة إلى مغنية الجزائرية » يقول فارح، وهو عامل جبس ل « اليوم24″، قبل أن يضيف: »العكس يحدث أيضا أثناء رحلة العودة، ندفع للجزائري الأجرة كلها وتتراوح في الغالب ما بين 500 و 600 دينار جزائرية أي حوالي 500 درهم ».
من وجدة إلى مغنية.. يسلك العمال منافذ عديدة، تختلف باختلاف المهربين، لكن يتفق الجميع أن العمليات الناجحة هي التي يقودها المهربون انطلاقا من الضيعات الفلاحية المنتشرة على الشريط الحدودي، ولابد من توفر شرط أخر يعزز حظوظ العمال للعبور إلى الطرف الاخر بأقل الخسائر، إنه شرط الظلام، فلا عبور في النهار!
مهن ومدن
معظم العمال الذين استقى « اليوم24 » شهاداتهم، يمتهنون مهنا لها علاقة بالبناء، فمنهم البناءون والصباغون، لكن السواد الأعظم منهم يؤكدون بأنهم يعملون في تركيب « الزليج » والرخام والجبس، ومعظمهم أيضا قادم من المدن الداخلية للمغرب كفاس ومكناس.
يتركز عملهم، في الولايات الغربية الجزائرية، خاصة في تلمسان ووهران، لكن العمل، كما يؤكدون، هو أوفر وأفضل في العاصمة الجزائر، لكن كلما زاد التوغل في الداخل الجزائري زاد مستوى الخطر!
شهادات من رحم المعاناة!
بعدما تنتهي سنة من العمل المضني، ينطلق مسلسل العودة إلى أرض الوطن بالتزامن مع عيد الأضحى، فالعمال رغم رغبتهم في العمل لمدة أطول، إلا أن دفء العائلة في عيد الأضحى لا يقاوم!
رحلة العودة هذه السنة لم تكن كسابقاتها، إذ أن المئات من العمال تعرضوا على يد الأجهزة الامنية الجزائرية لمختلف أنواع الإهانة، وصلت إلى حد سلب أموالهم التي جمعوها خلال سنة كاملة من العمل الشاق، بل وتعنيفهم ورميهم بأقدح النعوت والأوصاف « أوقفونا يوم السبت المنصرم 27 شتنبر، على متن الحافلة التي كانت تقلنا من وهران إلى مغنية، طلبوا منا بطائق الهوية وعندما علموا أننا مغاربة أنزلونا ليبدأ مسلسل من الإهانات والتحقير والسلب »، يقول عبد الرزاق، الذي تحفظ على الكشف عن هويته الكاملة مخافة الانتقام عند عودته.
عبد الرزاق المنحدر من مدينة فاس يسترسل في الحديث مع مجموعة من الصحفيين اليوم الاثنين 29 شتنبر ويقول : »بعدما أنزلونا من الحافلة، قاموا بسلب ممتلكاتنا، شخصيا سلبوا مني 10 ملايين سنتيم جزائرية، أي ما يعادل مليون سنتيم مغربية »، في هذه الأثناء يقاطعه زميله في رحلة العذاب هذه، ويؤكد انه سلبوا منه 20 مليونا أي حوالي 2 مليون سنتيم مغربية. اسمه طارق ينحدر هو الاخر من العاصمة العلمية، يتحدث بمرارة عن التجربة التي عاشها مع الدرك الجزائري ويقول : »بعد سلبهم أموالنا، نقلونا إلى مركز للدرك هناك تقدم أحدهم باتجاهي، وأخبرته بأن زميله في الحاجز الأمني سلب مني الأموال، طلب مني مرافقته على متن سيارة الخدمة، لأدله على العنصر الذي سلبني الأموال، اعتقدت حينها انه سيعيد إلي ما سلب مني ومن زملائي، لكن بعدما دخل في حوار مع العنصر الأمني عاد وطلب مني أن أمنحه كل ما لدي من أموال، حينها صدمت، وعلمت أنه كان يريد التعرف فقط على زميله الذي أخذ الأموال حتى يجبره على تقسيم الغنيمة! ».
عادل زميلهم الثالث الذي التقوا به بمخفر الدرك، يروي الشق الثاني من رحلة العذاب هذه: « عندما جمعونا في مجموعة ناهزت 40 فردا، اتصلوا بالمهرب الذي سيتكفل بنقلنا إلى الحدود، دفعنا لهذا المهرب من الأموال التي تبقت لدينا، بدوره المهرب جمعنا في مجموعة كبيرة، لكن تبين في النهاية أنه نصاب من الدرجة الأولى، لقد رمى بنا في الحدود بعدما أوهمنا أن شريكه المغربي ينتظرنا على الحدود، بقينا لساعات نبحث عن منفذ، حتى تراءت لنا صورة الملك مضاءة بمدخل السعيدية حينها عرفنا الاتجاه الذي نتبع ».
معاناة عبد الرزاق وزملائه، سبقتها منذ أيام معاناة العشرات من العمال رحلوا بنفس الطريقة، وبينما كان أحدهم يختم كلامه عن معاناتهم التي دامت يومين، أستدرك بالقول: « تركنا خلفنا 40 آخرين سترحلهم الجزائر اليوم أو غدا بنفس الطريقة ».